; أزمة الرهائن بين الاستثمار الأمريكي والصراع على السلطة في إيران | مجلة المجتمع

العنوان أزمة الرهائن بين الاستثمار الأمريكي والصراع على السلطة في إيران

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981

مشاهدات 48

نشر في العدد 514

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 03-فبراير-1981

  • الأمريكيون استنفدوا أغراض أزمة الرهائن واستثمروها سياسيًّا وعسكريًّا، ثم وقعوا على نهاية لم تغضب الشعب الأمريكي.

  • ماذا وراء القول بأن الاتفاقية بين إيران وواشنطن تضمنت بنودًا سرية؟

  • ما سر ازدياد الصراع الداخلي في إيران بعد انفراج أزمة الرهائن الأمريكيين؟

  • انتهاء أزمة الرهائن صار قضية أساسية في الصراع على السلطة بين المحاور السياسية الحاكمة في طهران. 

  • كيف يستغل الشيوعيون انتهاء أزمة الرهائن؟ ولمصلحة من يتم هذا الاستغلال؟

أحد الطلقاء من مجموعة الرهائن الأمريكيين الذين احتجزوا في إيران مدة «٤٤٤» وأفرج عنهم يوم انتهاء دور كارتر كسياسي أول في العالم يقول: «إن كارتر وريغان استخدمونا كورقة سياسية في انتخابات الرئاسة الأخيرة». وقد علق أحد المراقبين على هذا القول بتفسير أشار فيه إلى أن الاتفاق على إنهاء قضية الرهائن كان ينتظر اليوم الذي يدخل فيه الرئيس الأمريكي الجديد إلى البيت الأبيض مما يعطي إشارة إلى أن مسألة الرهائن «كلعبة» أمريكية في تصور البعض أدت دورها واستنفدت أغراضها السياسية في الداخل الأمريكي. 

أما المنعكسات الأمريكية الخارجية التي أفرزتها قصة الرهائن المطولة، فقد أجمع المراقبون على رصدها في النقاط التالية: 

- اليقظة العسكرية الأمريكية.

- وضع التحالفات العسكرية بين الولايات المتحدة وحلفائها من حيث الكفاءة والاستعداد والتفاهم على محك التجربة.

- إرسال الأساطيل الغربية إلى منطقة الخليج والمحيط الهندي.

- الحصول على قواعد عسكرية إضافية في المنطقة القريبة من إيران.

- المزيد من التلاحم بين الغرب بعامة والأنظمة الصديقة والموالية للقرب من المنطقة.

- جعل الوجه الثوري الذي نادى بالإسلام حاكمًا لأول مرة في التاريخ الحديث شكلًا منهارًا سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.

بعد هذه المنعكسات.. جاءت اتفاقية الإفراج عن الرهائن، والتي توسطت الجزائر في إبرامها بين الحكومة الأمريكية السابقة وبعض الأجنحة الحاكمة في إيران.. ولسنا هنا بصدد تعداد بنود الاتفاقية.. إنما لا بد من الإشارة إلى ما ذكرته مصادر داخل الأوساط الدبلوماسية في نيويورك غداة إبرام الاتفاق.. فقد ذكرت تلك الأوساط أن هناك بنودًا سرية ألحقت بالاتفاقية لم يعلن عنها. الوطن الكويتية/ عدد الثلاثاء 20/ 1/ 1981م.

وعند هذه النقطة برزت تفسیرات تربط بين الرهائن والمتغيرات التالية:

1- انعكاس الحرب العراقية- الإيرانية على الداخل الإيراني، وفقدان الإيرانيين مواقع استراتيجية أساسية في جبهتهم ومراكزهم المواجهة للعراق.

2- نقص الاستعدادات الإيرانية العسكرية، وحاجة إيران إلى البديل العاجل من السلاح الأمريكي.

3- وقوف المحاور العربية من جيران إيران إلى جانب العراق سياسيًّا وعسكريًّا.

4- عودة الموجة الشيوعية التي يصعدها حزب تودة داخل إيران مستغلًّا أحداث الرهائن وأحداث الحرب.

ومعلوم أن هذا الحزب مرتبط بالاتحاد السوفيتي، وهو يرفض إطلاق الرهائن.

ولنا هنا أن نقف على رؤية مفصلة للموقف من وجهة نظر «تودة» الذي يعتبر نفسه من أحزاب المعارضة؛ فقد ذكرت مصادر الحزب الشيوعي المذكور لمجلة الحوادث اللبنانية أن إطلاق الرهائن أمر سيئ بالنسبة إلى موسكو، فإيران كانت تدعي أنها تحارب أمريكا بواسطة حزب تودة، وأن أعضاء الحزب يرفضون إطلاق الرهائن الآن. ولأن كل الأطراف المتقاتلة على السلطة في إيران ضد حزب تودة فإنه يسهل بعد إطلاق الرهائن ضرب هذا الحزب والأحزاب اليسارية كلها، خاصة حزب مجاهدي خلق الأقوى حاليًا، فمع إطلاق الرهائن ينتهي مبرر استغلال حزب تودة واليسار لمواجهة أمريكا.

وعلى ضوء هذا فإن أية بنود سرية يثبت وجودها في الاتفاق الإيراني- الأمريكي، لا بد وأن تنظر.. أو تشمل موقفًا ما من الاتحاد السوفيتي الذي بدأ بعد أزمة الرهائن بتحريك أوراقه في الداخل الإيراني.

وهنا فإننا لا بد من أن نرجح ما رفضه البعض، وهو توقيع الإدارة الجديدة في أمريكا على ما أبرق كارتر مع الإيرانيين.. كزعماء سياسيين محكومين لمؤسسات داخلية ما زالت تنظر إلى إيران على أنها موقع هام من مواقع النفوذ الأمريكي.

تقول صحيفة لوموند في عددها الصادر يوم 23/ 1/ 1981م: «ليس من مصلحة واشنطن أن تقطع جميع الجسور مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ لأن إيران لا تزال تعتبر داخل مناطق النفوذ الأمريكي كحليف طبيعي للولايات المتحدة، وهي تقع في الموقع الأول من حيث الأهمية بالنسبة للدول المجاورة للاتحاد السوفيتي، والتخلي عنها يعني بالتالي دفعها بقوة نحو موسكو». 

وهذا لا يعني بشكل من الأشكال أن الولايات المتحدة ستقدم المساعدة السياسية اللازمة لإيران.. فالأمريكان يتعاملون مع الأنظمة في العالم الثالث على أساس من لعبة ترمي إلى إبقاء التوازن في المواقع السياسية العالمية، ولما كانت إيران في المنظور الأمريكي موقعًا أمريكيًّا، فلا بد للإدارة الجديدة من العمل على ضرب الاتجاهات الإيرانية المعادية للأمريكان ليقوى بعد ذلك من يسمون في الغرب بالمعتدلين. ولسنا هنا بحاجة إلى بيان الوسائل الأمريكية في اللعب ببعض الاتجاهات السياسية داخل إيران، وإنما يكفي أن نشير إلى أن الإيرانيين أنفسهم كشفوا مرات عدة عن محاولات أمريكية استقطبت بعض كبار رجال الحكم من مثل أمير عباس انتظام نائب رئيس الوزراء الأسبق، والذي فضح رجال الحرس الثوري أمره.. كذلك فإن أصبع الاتهام داخل إيران كان يشير إلى وزير الخارجية الأسبق صادق قطب زادة.

وإذا كان دهاء الاستخبارات الأمريكية قد فشل في التغطية على أمير عباس انتظام وغيره، فهذا لا يعني إنهاء الأمريكيين للعبهم بالشعوب.. فأمامهم حتى الآن وقت يعملون على الإفادة من ظروفه في الداخل، ولا سيما الخلاف السياسي الداخلي الذي أفرزته مسألة الإفراج عن الرهائن.

تقول بعض المصادر الإيرانية:

«سيزداد الصراع الداخلي، وسيتأزم الوضع كثيرًا بين بني صدر ورجائي؛ الأول يريد المال لشراء أسلحة للجيش، والثاني يريد المال لتسليح الحرس الثوري...».

ويعتقد بعض المراقبين أن هذا الوضع فرصة ذهبية للمكر الأمريكي وأذنابه الذين يقف بعضهم في صف المعارضة. ولا سيما أن بعضهم بدأ ينادي ببرمجة الوضع السياسي لمرحلة ما بعد الخميني. الحوادث- الجمعة 22/ 1/ 1981م.

ومن هنا بدأت بعض المصادر الغربية تطلق تكهناتها التي تقول: «إن الآثار التي ستنشأ عن مسألة الرهائن ربما تكون أكثر مأساوية من قضية احتجازهم ذاتها».

وهذا أمر صحيح، فقد بدأ الواقع الإيراني الذي أفرزته مشكلة قصة الرهائن يضع الخلاف السياسي على مواقع الفصل بين الأطراف الرئيسية الحاكمة في قم وطهران.

وأبرز ما يشير إلى هذا هو إعلان الرئيس الإيراني أبي الحسن بني صدر عن فشل محاولتين لاغتياله، متهمًا مدبري اغتياله بأنهم سوف يكونون مع من يحمل نعشه ويسير في جنازته. وهنا يحسن أن نعرض لموقف اتجاهين أساسيين في الحكم الإيراني من قصة الرهائن: الأول: موقف رئيس الوزراء الإيراني السيد محمد علي رجائي والمحور المنتمي إليه، والثاني: موقف رئيس الجمهورية السيد أبو الحسن بني صدر والمحور الذي يقف معه.

فلقد دافع رجائي عن حكومته في وجه انتقادات للصفقة التي أدت إلى إطلاق سراح الرهائن قائلًا: إنه ما كان بوسع أي حكومة أخرى أن تحصل على مزيد من التعهدات من الولايات المتحدة. 

وكانت صحيفة الميزان الإيرانية قد نقلت عن الرئيس أبو الحسن بني صدر قوله: إنه كان بإمكان إيران أن تحصل على شروط أفضل من الولايات المتحدة في وقت أبكر بكثير، وتجنبًا لبلاء الفرقة والانقسام في الرأي حول قضية الرهائن. وهذا الموقف لبني صدر جعله يشكك بالصفقة ويطالب بإجراء تحقيق حول ما إذا كانت حكومته قد تجاوزت الدستور بعدم إطلاعها رئيس الجمهورية عن سير المفاوضات خلال الأسبوعين اللذين سبقا إطلاق الرهائن.

وقد ذكر بني صدر أن الاتفاق تم بشروط غير مضمونة لتحقيق الهدف الذي قامت إيران باحتجاز الرهائن من أجله.

وهنا يبدو أن أزمة الرهائن أصبحت قضية أساسية في الصراع على السلطة بين أنصار الرئيس بني صدر ورجال الحكومة المؤيدين للسيد رجائي. ووسط هذا الصراع يصرح بهزاد نبوي قائلًا: «إن بني صدر كان على علم بكل ما جرى من مفاوضات».

  • ترى ماذا سيقول المراقب المسلم إزاء هذه الأوضاع.. وتلك المفارقات التي قد تبدو أنها تستند إلى بعض الألغاز في بعض الأحيان؟

  • وماذا حصلت إيران من مكاسب بعد أن تم الإفراج عن الرهائن؟ 

إننا سندع الإجابة للإيرانيين أنفسهم.. فالاتهامات التي يطلقونها تجاه بعضهم تدعونا إلى عدم إطلاق حكم ما.. وتحديد الخاسر في تلك الأزمة الدبلوماسية التي استمرت «٤٤٤» يومًا، ليبقى بين أيدينا ما يشير إلى أن الإيرانيين لم يتمكنوا من استرداد جميع الأموال التي جمدت إثر أزمة الرهائن.

ويعتقد البعض أن إيران خسرت خسارة مالية فادحة؛ فالأموال لم يتم أصلًا احتجازها إلا بعد احتجاز الرهائن، وطيلة فترة الاحتجاز لم يحصل الإيرانيون على شيء.. ثم تنازلوا مع الوقت عن كثير من مطالبهم، فقد كانوا يطالبون بعودة الشاه، وفشلوا بتحقيق هذا المطلب، ثم طالبوا بأموال الشاه، وفشلوا في استردادها، وطالبوا بتعهدات سياسية ولم يحصلوا إلا على الوعود، ثم طالبوا بأربعة عشر بليونًا من الدولارات، ولم يحصلوا إلا على ٨ بلايين فقط في ظروف داخلية وخارجية لم نكن نتمناها لإيران المسلمة في يوم ما.

ولعل جميع المراقبين المسلمين الذين تهمهم مصلحة إيران كبلد مسلم يشفقون عليها؛ لأنهم يعرفون تمامًا أن العدو الأمريكي.. والعدو الروسي لن يقفا مكتوفي الأيدي.. فلكل أوراقه التي يحركها في الداخل والخارج.. ولكل أهدافه وأطماعه في إيران.. والإيرانيون بمواقفهم الداخلية، ومحاورهم المتنافسة.. وزعاماتهم التي دخلت حلبة الصراع على الحكم من خلال بوابة الرهائن يفسحون اليوم الفرصة تلو الفرصة لأعداء الأمة الإسلامية.. والمحاور الدولية التي تحيط اليوم بقلب العالم الإسلامي من خلال قواعدها ومؤسساتها العسكرية البحرية.. منتهزة كل فرصة للتدخل بشئون هذا البلد المسلم أو ذاك.

الرابط المختصر :