; أزمة الدعوة الإسلامية في كينيا | مجلة المجتمع

العنوان أزمة الدعوة الإسلامية في كينيا

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1990

مشاهدات 65

نشر في العدد 958

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 13-مارس-1990



  • للعلماء دور بارز في انتشار الإسلام في ربوع كينيا.

    العالم الإسلامي مطالب بتقديم الدعم لرجال الدعوة الإسلامية في كينيا.

    لقد كتبنا في الأسابيع القليلة الماضية عن الندوة المشؤومة التي عقدت مؤخرًا في العاصمة الكينية - نيروبي - والتي حضرها كبار القساوسة وممثلون من مختلف أنحاء كينيا ما عدا الإقليم الساحلي. وكما أسلفنا فإن الغرض من عقد تلك الندوة لم يتجاوز إطار بحث السبل الكفيلة لعرقلة مسيرة الدعوة الإسلامية، والحيلولة دون المد الإسلامي في هذا القطر الإفريقي الذي يشكل فيه المسلمون الأقلية بين الجماعات المسيحية والوثنية.

    وقد عقدت الندوة المذكورة بشكل سري في جامعة «داي ستار» DAY STAR الكنسية، وهي جامعة أهلية تتلقى دعمًا منقطع النظير من قبل بعض الهيئات التنصيرية المنتشرة في أوروبا وأمريكا، حيث تمخضت عنها سلسلة مؤامرات دبرت بشكل دقيق ومنسق ضد المسلمين في كينيا.

    وإذا أعدنا الكرة وكتبنا من جديد عن التحديات التي تواجهها الجماعات الإسلامية في كينيا والانتكاسات التي لحقت بالدعوة الإسلامية هناك، فإن ذلك من باب التنبيه للخطر الداهم الذي يهدد الوجود الإسلامي في القارة الإفريقية، إذ أقسم رواد التبشير على تحويل إفريقيا إلى قارة مسيحية قبل حلول عام 2000.

    وبالطبع فإن هذا الحلم لن يتحقق أبدًا، ولكن كل ما في الأمر هو أن على كل مسلم أن يأخذ الحيطة ويعي بالأخطار الجسيمة التي تلوح في الأفق.

    ومن المؤسف أن تصل حالة الدعوة الإسلامية في كينيا إلى ما آلت إليه الآن نتيجة للعقبات التي يواجهها يوميًّا القائمون في مجال الدعوة الإسلامية في هذا القطر الإفريقي، الذي يعد من البلدان القليلة في شرق إفريقيا، حيث يتمتع الداعية إلى الله بحرية مطلقة تسهل له تأدية مهامه على أكمل وجه وبدون قيود مفروضة عليه من قبل الحكومة المحلية. ومن واقع هذه الحرية خاض رجال الدعوة الإسلامية مع المنصرين منافسة حامية لكسب أكبر عدد ممكن من الجاليات القاطنة في البلاد. ولم يتقاعس رجال الدعوة الإسلامية عن نشر الرسالة الإلهية في ربوع كينيا؛ وذلك بشرح المبادئ الإسلامية السامية وتقويمها للمجتمع صافية ونقية من كل الشوائب، وبث الروح الإسلامية والوعي بين الناس، فكانت المساجد والمدارس والجمعيات الإسلامية التي تقيم الندوات والمحاضرات والمناقشات الدينية.

    وكما أفادنا السيد حسين إبراهيم براله - جزاه الله خيرًا - فإن من عوامل نجاح الدعوة الإسلامية من بين سائر الدعوات الباطلة، سهولة الإسلام وسمو مبادئه التي تتفق والفطرة الإنسانية، كما كانت بساطة الناس هناك وكونهم لم يجربوا المذاهب الهدامة والفلسفات العقيمة عاملًا هامًّا لنجاح الدعوة الإسلامية في كينيا.

    وفوق كل هذا حرية الاعتقاد والتدين التي كانت من سمات هذا البلد، ولم يكن ينقص الدعاة إلا قلتهم وثقافتهم المحدودة. ونظرًا لكون كينيا مجاورة لبعض الدول التي تحكم بالأنظمة الشيوعية والتي تمنع ممارسة نشاطات الدعوة إلى الله، فقد هاجر إليها عدد من الدعاة قادمين من دول شيوعية، مثل الصومال التي هاجر منها عدد كبير من الدعاة متوجهين إلى كينيا وذلك في أعقاب اندلاع الثورة الشيوعية في الصومال عام 1975، والتي راح ضحيتها نخبة من العلماء البارزين في مجال الدعوة الإسلامية.

    ولا ضير أن نذكر هنا أن لهؤلاء العلماء دورًا كبيرًا في انتشار الإسلام في ربوع كينيا، فقد بذلوا جهودًا كبيرة في سبيل نشر الإسلام؛ حيث استفادوا من هدوء الجو والحرية التي كانوا يتمتعون بها عند القيام بمهماتهم، مما مكنهم من الاندفاع نحو الأمام والتفاني في العمل الإسلامي وبث العقيدة الصحيحة في أوساط المجتمع الكيني، وبفضلهم دخلت أفواج من الوثنيين في سبيل الله وترسخت تعاليم الإسلام في نفوس المسلمين، وأصبح المسلم الكيني مبعث فخر واعتزاز في العالم الإسلامي.

    وقد تغيرت الأوضاع مؤخرًا في كينيا وأصبح رجال الدعوة الإسلامية هناك مهددين ومستهدفين بالمكائد والمؤامرات حتى ضاقت الأرض بهم بما رحبت، نتيجة محاولات جماعات التبشير لتصفيتهم وإبعادهم عن حلبة الدعوة إلى الله. ومع كل هذا فقد واجه رجال الدعوة الإسلامية كل العقبات التي قد وضعها أعداء الإسلام أمامهم ولم يتقاعسوا قط في مواجهتهم. ومن هذا المنطلق فقد كوَّنوا جمعيات خيرية تقوم بتوزيع الأغذية على الأسر الفقيرة على غرار الجماعات التبشيرية، وقدموا مساعدات للفقراء وبنوا مراكز ودورًا للأيتام، كما حفروا الآبار ودفعوا الرسوم الدراسية عن أبناء الفقراء وقاموا بكفالة الأيتام وبعض المدرسين المحليين، فضلًا عن إقامة بعض المنشآت الإسلامية من مساجد ومدارس. وكل ذلك بدعم من بعض المؤسسات الإسلامية الخارجية المهتمة في مجال الدعوة الإسلامية. وكان هذا الإنجاز الرائع قد أرَّق البعثات التبشيرية في كينيا، مما حدا بهؤلاء بالتفكير في إيجاد سبل بديلة لوضع عقبات في طريق الدعوة الإسلامية.

    فاتخذوا أساليب جديدة في محاربة المسلمين، منها: التجسس، والوشاية، وتقديم تقارير إلى الحكومة الكينية وتشويه صورة العاملين في مجال الدعوة الإسلامية، وخاصة تلك الجماعات المهاجرة من الصومال والعاملة أيضًا في مجال الدعوة الإسلامية.

    وقد نتج عن هذه المؤامرات أن لحقت بالدعوة الإسلامية في كينيا نكسة لا سابقة لها، فقد عمدت السلطات الكينية على إبعاد البارزين في مجال الدعوة الإسلامية وبعض المحسنين التجار الذين كان لهم تعامل جيد مع الدعاة. وكما أفادنا السيد إبراهيم حسين براله فإن السلطات الكينية قد نفذت مؤخرًا قرارًا يقضي بتكوين لجان في 51 منطقة لتفتيش بطاقات المواطنين.

    ومن الواضح أن هذا الإجراء قد استهدف الدعاة الصوماليين وكل الدعاة البارزين المحليين والمشرفين على المؤسسات والجمعيات الخيرية الإسلامية، كما تم رصد مبالغ طائلة لتنفيذ هذه المؤامرة الإجرامية التي انفضحت لأول مرة في نوفمبر عام 1989 وما زالت قيد التنفيذ. ولغاية الآن فقد تم إبعاد أكثر من ثلاثين داعية إلى الصومال بعضهم كانوا موفدين من قبل رابطة العالم الإسلامي ومعظمهم من دار الإفتاء السعودية تخرجوا من الجامعات الإسلامية في الدول العربية، كما أن من بينهم متطوعين محليين من حملة الشهادة الثانوية العامة.

    وفي غمرة هذه المضايقات والممارسات اللاإنسانية التي يتحملها الناشطون في مجال الدعوة الإسلامية سواء في كينيا أو في الدول الإفريقية الأخرى، فإن تحرك العالم الإسلامي في هذا الصدد يتسم نوعًا ما بشيء من اللامبالاة واللامسؤولية، مع أن المنظر ليس محصورًا على المسلمين في كينيا فحسب، بل قد تمتد آثاره إلى كافة الدول المجاورة وغير المجاورة لها في القارة الإفريقية.

    ومن الجدير بالذكر أنه ما إن بدأت هذه الحملة على الدعوة الإسلامية ورجالها حتى انهالت الضغوطات والعقبات على المؤسسات الإسلامية في كينيا، وهذا خير دليل على أن الغرض من رواد هذه الحملة صليبي بحت ليس إلا؛ إذ إن هذه الإجراءات التي تورط فيها رجال المباحث توحي بأن هناك حربًا وراء الكواليس ليس لعرقلة مسيرة الدعوة الإسلامية فحسب، وإنما لطمس الوجود الإسلامي من الخارطة الكينية، وذلك بعد أن كانت هذه الدولة أرضًا خصبة للدعوة الإسلامية التي نجحت فيها نجاحًا ملموسًا في هذا القطر الذي يشكل فيه المسلمون الأقلية.

    هذا وفي الوقت الذي تتلقى الهيئات التبشيرية وكل العاملين للصد عن الزحف الإسلامي في القارة السمراء دعمًا من مؤسسات وهيئات تنصيرية من الخارج، فلا يتلقى العاملون في مجال الدعوة الإسلامية من الخارج إلا القليل من الدعم المادي والمعنوي، إلى درجة أنه يمكن القول إن الدعوة في كينيا خاصة قد أصبحت يتيمة بعد أن تم نفي رجالها، وأصبحت القارة الإفريقية مرتعًا للبعثات التبشيرية وأصحاب المذاهب الباطلة.

    إن العالم الإسلامي مُطالب بتقديم الدعم لهؤلاء الدعاة الذين قد ضحوا بكل غالٍ ونفيس في سبيل إعلاء كلمة الله، فقد كانوا ضحية لكل ألوان الظلم والاضطهاد بما فيها النفي ومصادرة أملاكهم، وقد آن الأوان لمواجهة التحديات قبل أن تتحول الأقليات المسلمة في العالم إلى لقمة سائغة في فم ذوي المذاهب والمعتقدات الباطلة.

     

     

     

     

     

     

     

الرابط المختصر :