العنوان أزمة التربية في ديار الإسلام
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 20-فبراير-2010
مشاهدات 67
نشر في العدد 1890
نشر في الصفحة 66
السبت 20-فبراير-2010
تكشف أزمة تربية الأجيال المعاصرة من المسلمين عن نفسها بوضوح، فلا تحتاج لممارسة لعبة وضع الخلفيات الفلسفية، أو الإلحاح في التنظير والتحليل. إنها على قدر من الوضوح أو الحضور، يجعلان المرء يقتنع تماما بأن أساس البلاء في السياقات التربوية كافة هو هذا الفصام النكد بين العلم والدين، والذي مورس في المدارس والمعاهد والجامعات منذ ابتلينا بالاستعمار، الاستخراب، إنه بدء جل المشكلات التي عانت منها الأجيال المعاصرة ولا تزال، وحجر الزاوية فيها.
وإذا كان الاستعمار قد رحل منذ زمن بعيد، فما الذي يجعلنا نتشبث حتى الآن بتركته الثقيلة هذه التي أحدثت شرخا غائرا في عقل المسلم المعاصر ونفسه؟
وإذا كانت الخبرة التربوية في الغرب تقتضي إبعادا للمؤثرات الدينية من دائرة التربية والتعليم، وفصلا صارما بين العلم والدين لأسباب دينية وتاريخية معروفة، فما الذي يجعلنا نحن المسلمين نمر من القناة الضيقة نفسها؟ في الوقت الذي نلحظ كيف أن الكلمة الأولى في كتاب الله كانت «اقرأ»، وإلى جوارها آيات التكريم للعلم والقلم، وكيف أن هذا الكتاب المعجز دعا إلى التفكر والتدبر والتأمل وإعمال العقل والحواس في الظواهر والأشياء، وكيف أن نبض القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتداخل فيهما ويلتقي العقل والحس والإيمان، فيما يصعب معه إيجاد أية ثغرة للفصل بين هذا الجانب أو ذاك؟!
ليس ثمة نصيحة تسدى، أو رأي يزجى، قبل وبعد ومع الدعوة الملحة إلى ضرورة إعادة الوئام بين العلم والدين، بين العقل والإيمان، منذ تأسيس النشاط التربوي وحتى آخر مرحلة للدراسات العليا.
ولعل أنشطة أسلمة المعرفة، والتأصيل الإسلامي للنشاط التربوي الذي تنفذه بعض المعاهد والجامعات في ديارنا الإسلامية، تجيء استجابة لهذا التحدي الذي يخترق عصب العملية التربوية، ويقود أجيالا من المسلمين بكاملها إلى الازدواجية والتفكك والدمار.
محمد أسد، (ليوبولد فايس)، يشير في كتابه القيم «الإسلام على مفترق الطرق» إلى أن استيراد المناهج التربوية من الغرب فعل فعل السم في الجسد الإسلامي، وساقه إلى التفكك والدمار..
وهو محق في ذلك.. إذ إن رؤية الغربيين للحياة والوجود، وتصورهم عن المصير، وعن مهمة الإنسان في هذا العالم، تتناقض - ابتداء - مع رؤيتنا وتصورنا.. إنها رؤية علمانية، وتصور يجنح أكثر فأكثر باتجاه المادية والإلحاد.. وقد انعكس هذا في معطياتهم الفكرية ومناهجهم التربوية، وبالتالي فإن استيراد هذه المناهج، والعمل بها على عواهنها، قاد بالضرورة إلى إحداث واحدة من أشد الكسور بشاعة في عقول الناشئة ووجدانهم.
وللأسف الشديد، لم يحدث هذا كله بسبب الاستعمار يوم كان مسيطرا على ديارنا، وإنما ساعدته في ذلك النخب العلمانية من المسلمين أنفسهم، والتي تلقت المؤثرات الغربية كاملة يوم كانت تدرس هناك في معاهد أوروبا وجامعاتها.
ولعل ّ هذا هو الذي يفسر استمرار الخطيئة التي بدأها الاستعمار، وجاء هؤلاء لكي يمضوا بها قدما.
واليوم، وإزاء هجمة العولمة التي لا تقل شراسة وعنفا، على بقايا المكونات الإسلامية في مناهجنا .. اليوم إزاء حملة تجفيف منابع الإسلام والمؤثرات الإسلامية في مدارسنا ومعاهدنا، تحت مظلة مقاومة الإرهاب، تزداد الحاجة إلى مزيد من التحصن في خصوصياتنا التربوية ذات العمق الديني، وإلى الدفاع المستميت للإبقاء عليها وحمايتها من الدمار والإفناء.
وإلا فهو ضياع ما تبقى لهذه الأمة المضطهدة المنكودة.. رغم أن ما تبقى هو أقل من القليل.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!