; أزمة أوبك درهم تضحية خير من قنطار خسارة | مجلة المجتمع

العنوان أزمة أوبك درهم تضحية خير من قنطار خسارة

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1985

مشاهدات 112

نشر في العدد 725

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 16-يوليو-1985

  • ظروف سوق النفط غير مواتية لكن أوبيك تستطيع تجاوزها لو أرادت.
  • الموقف المطلوب تضحية قليلة بتقييد الإنتاج والحفاظ على مستويات الأسعار.
  • علي الخليفة: اخترقنا لجنة تسويق.
  • يماني: والتهديد بزيادة الإنتاج.
  • العتييبة: وحدة أوبيك أولًا.

الأزمة التي تعيشها منظمة الأقطار المصدرة للنفط «أوبيك»، والتي خيمت بظلالها على مؤتمرها «الاستشاري» الذي انعقد في فيينا خلال الفترة من 5 إلى 8 يوليو الجاري، لم تكن کالأزمات السابقة التي بدأت تواجهها مند عام 1981، بل أصبحت تتعلق بكيان المنظمة تكون أو لا تكون.. وإذا كان المؤتمر قد انتهى إلى التوصية بالحفاظ على مستوى الأسعار وحصص الإنتاج المتفق عليها سابقًا لحين اجتماع المنظمة الوزاري بجنيف في (22) يوليو الجاري، فإنه بذلك لم يحل الأزمة، بل أجلها لأجل قريب! الأمر الذي جعل الإعلام العربي يغطي اجتماعات فيينا بالتشفي والتوجيه المقصود لمصلحة دول منظمة الطاقة الدولية.

 

  • تكون أو لا تكون

وبعيدًا عن مبالغة الإعلام الغربي وسوء نيته الواضحة، يمكن القول: إن حقيقة الأزمة التي تواجهها أوبيك في الوقت الحاضر ليس هي عدم مواتاة ظروف الطلب العالمي على النفط الذي خططت له الدول الغربية والصناعية فحسب، بل أصبحت تتجسد في التنافس بين الدول الأعضاء في أوبيك على إجراء الحسومات على أسعار النفط، وعدم التقيد بحصص الإنتاج المتفق عليها، ويعبر عن هذه الأزمة ما قاله تجار نفط في فيينا في أثناء انعقاد المؤتمر من أنهم يعتقدون أن بإمكانهم شراء الكميات التي يريدونها وبأسعار مخفضة من دول بعينها في منظمة أوبيك!

وبسبب هذا التجاوز من بعض دول الأوبيك- وخاصة نيجيريا وإيران- في ظروف تراجع الطلب على النفط وانخفاض مستوى الإنتاج في معظم دول الأوبيك عن نصيبها المقرر، وتعرض معظمها بسبب ذلك إلى عجز مالي، بسبب هذا كله انعقد مؤتمر فيينا بطلب من بعض الدول وخاصة السعودية.

ولأول مرة يجتمع وزراء نفط أوبيك ليواجهوا أحد خيارين كلاهما مر، فلقد واجه المؤتمرون- كما قال د. سو يروتو وزير النفط الإندونيسي- خيارين هما: إما تقييد الإنتاج، أو معالجة جديدة، وكلاهما صعب قد يؤدي إلى تفكك المنظمة، خاصة وأن بعض الدول قد دعت إلى الانسحاب من المنظمة!

ومع أن أفكارًا قد طرحت كاقتراح الكويت تخفيض الإنتاج بنسبة 7%، أو اقتراح تشكيل لجنة المراقبة التسويق، وهي اقتراحات تكتيكية معقولة، إلا أنها جميعًا رفضت، وقد تباينت الآراء كثيرًا، لكنها بشكل عام تلخصت في ثلاثة اتجاهات:

  • اتجاه تبنى الحفاظ على الأسعار الرسمية ومستويات الإنتاج، مع إحكام الرقابة على التطبيق، وهذا ما تبنته معظم دول الخليج.
  • واتجاه طالب برفع الأسعار وزيادة الإنتاج کإيران.
  • واتجاه طالب بخفض الإنتاج وزيادة الأسعار کنيجيريا وإكوادور وغيرها.
  • والاتجاه الأول هو الذي فاز على ما يبدو، لكن هل ينجح وهل يستمر في الاجتماع القادم؟ هذا هو السؤال المطروح بإلحاح، والذي يتطلب إجابة من قبل دول أوبيك قبل حلول موعد الاجتماع.
  • سؤال يبحث عن إجابة

في الإجابة على هذا التساؤل يمعن الإعلام الغربي في التركيز على تحطيم معنويات أوبيك، والفت في عضد المسؤولين فيها عن طريق نشر معلومات مغرضة وغير دقيقة عن أوضاع سوق النفط العالمي، فعلى سبيل المثال ركز الإعلام الغربي في أثناء انعقاد مؤتمر فيينا على إثارة بعض دول أوبيك لاتخاذ موقف ليس في صالح استمرارية المنظمة وتضامن أعضائها، كما صور مسألة انخفاض الأسعار بأنها حقيقة، وأن ما يهم المراقبين في الغرب ليس مبدأ خفض الأسعار، وإنما متى وكم؟!

ولكي نفوت على الإعلام الغربي الذي توجهه مجموعة دول منظمة الطاقة الدولية- وفي مقدمتها الولايات المتحدة- شؤمه، فلا بد من أن تدرس دول أوبيك الموقف جيدًا، وتتخذ قراراتها برؤية وبعد نظر.

ونحسب أن مذاكرة بعض الحقائق ودراستها تفيد جدًا في اتخاذ القرار في المؤتمر القادم.

  • حقائق وبديهيات
  • أول هذه الحقائق أن مجموعة دول أوبيك لم يكن لها أن تحقق ما وصلت إليه من معدلات نمو أو تحكم إلى حد ما في ثروتها القابلة للنضوج، لولا تعاونها في إطار منظمة أوبيك.
  • وثاني هذه الحقائق أن دول لجنة الطاقة الدولية التي بدأت تخطط لتحطيم منظمة أوبيك مند بداية السبعينات، صارت تعتقد بأنها شارفت على قطف الثمرة، بسبب ما بينها من تعاون وتنسيق ووحدة هدف، كان أكبر خدمة لها هو انهيار أوبيك.
  • وثالث هذه الحقائق أن ظروف سوق النفط العالمية لم تكن غير مواتية لأوبيك على هذا النحو، لولا التدخل المتعمد من قبل دول لجنة الطاقة، وقد تمثل ذلك أولًا في إغراء دول أوبيك برفع أسعار النفط عشرة أضعاف في أقل من سنتين، وكانت تقصد بذلك تشجيع البحث والاستثمار في مصادر بديلة للنفط، وقد نجحت في ذلك إلى حد معقول، كما استخدمت الدول الغربية- على حد قول جيمس إيكنز مدير الطاقة في الخارجية الأمريكية آنذاك، والسفير السابق في السعودية- استخدمت التلويح باستعمال سلاح النفط عام (1973) كعون للإدارة الأمريكية في إقناع الشعب الأمريكي «بتدابير شد الأحزمة والمحافظة على الطاقة وزيادة أسعارها»!

وكما عبر ميشيل جوبير وزير الخارجية الفرنسي الأسبق أكثر من مرة، فقد كان قرار حظر النفط موجهًا من أمريكا لأوروبا، لكي تبقى تدور في فلكها.

  • مستقبل مبشر

والحقيقة الرابعة هي أن ظروف صناعة النفط والطلب عليه- كما يقول الخبراء والمختصون، ومنهم خبراء غربيون- ستميل لصالح أوبيك في أوائل التسعينات، ويستند الخبراء في ذلك إلى ملاحظة أن الدول المنتجة للنفط من خارج أوبيك التي وصلت صادراتها إلى (7) مليون برميل يوميًا- أي نصف إنتاج أوبيك لشهر يونيو الماضي- ستتجه هذه الدول- كالنرويج وبريطانيا وحتى أمريكا- إلى خفض إنتاجها بسبب انخفاض احتياطها الذي يقدر الخبراء أنه لن يستمر أكثر من عشر سنوات إذا بقي معدل الإنتاج على ما هو عليه الآن، علمًا بأن هذه الدول تنتج النفط بطاقتها القصوى في الوقت الحاضر، كما أن ظروف زيادة الطلب على النفط-وخاصة لاستخدامات النقل- ستزيد سواء في الدول الصناعية أو الدول النامية بغض النظر عن الركود أو الانتعاش الاقتصادي.

وفي هذا الصدد يقول خبير أمريكي: إن أوبيك ستكون قادرة على إنتاج ما معدله 22 إلی 23 مليون برميل يوميًا في منتصف التسعينات، وهذا المعدل سيكون مريحًا جدًا لأوبيك بعدما تكون دولها قد تعودت على معدلات كمعدل الإنتاج الحالي حوالي 15 مليون برميل يوميًا، واحتياطي أوبيك من المقدر له أن يستمر من 35 إلى 150 سنة، وهذا ما يظل يميز أوبيك عن غيرها.

لو أرادت:

الحقيقة الخامسة والمهمة: هي أن أوبيك بالرغم من عدم مواتاة سوق النفط في الوقت الحاضر، إلا أنها- وكما قالت مسؤولة نمساوية- تستطيع تخطي الأزمة «لو أرادت»، وهذا القول عبر عنه أكثر من مسؤول عربي وأجنبي من أوبيك، ولذا فإن ما قاله وزير البترول والثروة المعدنية في دولة الإمارات العربية المتحدة مانع سعيد العتيبة: «تضامن الأعضاء يضمن استمرارية المنظمة» يبدو صحيحًا تمامًا خاصة وأن المشكلة تتلخص على حد قوله: «أهم شيء أن تستعيد المنظمة وحدتها».

والحقيقة السادسة هي أنه لا أحد يضمن لمن يريد أن يزيد إنتاجه بغض النظر عن قرار الأوبيك أن يشتري منه نفطه، كما لا ضمانة لمن يخفض أسعار نفطه ببيعه بسبب ما قد تلجأ إليه الدول الصناعية في فرض الضرائب، ويمكن القول باختصار مفيد: إن الوضع النفطي في الوقت الحاضر ليس في صالح دول أوبيك، ومن الصعوبة تجاوزه في أقصى حالات التعاون والتضامن، فكيف يكون الحال لو مضت كل دولة في سبيلها؟ إنها الفوضى بكل ما في الكلمة من معنى.. الفوضى التي ليست في صالح المنتجين ولا المستهلكين.

  • التضحية خير من الخسارة

إن الموقف الذي ينبغي اتخاذه في الوقت الحاضر هو ما دعت إليه دول الخليج بشكل خاص، وهو الحفاظ على وحدة أوبيك من خلال الحفاظ على مستويات الإنتاج والأسعار كما كانت عليه، أي كما هو متفق منذ عام 84 وهي 28 دولارًا للبرمي، و16 مليونًا سقف الإنتاج.

وقد فهم مراقبون أن التهديد السعودي الذي كما قالت مصادر غربية: إن أحمد زكي يماني أبلغه لاجتماع فيينا، وهو ضرورة التقيد بحصص الإنتاج، وإلا فإن السعودية ستزيد إنتاجها إلى (6) مليون برميل يوميًا، فهم مراقبون، إن المقصود بذلك ردع المخالفين، ودعم الحفاظ على حصص الإنتاج، وتضيف إلى ذلك أن الدول التي تضطلع بالدور الريادي والمسؤولية الكبرى مطلوب منها أكثر من ذلك إلى تطلب الوضع، صحيح أن السعودية مثلًا تنتج حاليًا حوالي 2,2 مليون برميل يوميًا، أي أقل بأكثر من مليون برميل من حصتها المقررة وهي 4,35 مليون برميل يوميًا.

وصحيح أن نيجيريا تعاني من عجز مالي كبير.. وصحيح أن كل دولة على حدة تعاني من سوء أوضاع سوق النفط.. وصحيح أن هذه الدول مجتمعة مسؤولة إلى حد كبير عن هذا الوضع.. إلا أن الأصح في الوقت الحاضر الحكمة القديمة وهي «درهم تضحية خير من قنطار خسارة.

فالأمل في مجموعة دول أوبيك أن تضحي قليلًا من أجل وحدة أوبيك، ومن أجل ألا تخسر كثيرًا جدًا إذا انفرط عقد أوبيك، فهل تستجيب الدول الأعضاء لذلك؟ هذا ما نرجوه مذكرين بأن النفط نعمة من الله كبيرة، والتفريط بها بأية حجة كانت تستحق من الله السخط والعقاب.. والحفاظ عليها يستوجب الشكر، وبالشكر تدوم النعم.

الرابط المختصر :