العنوان أزمة أمة
الكاتب جاسم بن محمد مهلهل
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-2000
مشاهدات 58
نشر في العدد 1429
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 05-ديسمبر-2000
إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.
الأزمة التي تحيط بالأمة، وتأخذ بخناقها لها جوانب عديدة، ومظاهر شتى، غير أن أهم جوانبها - في رأيي - الجانب الخلقي، فالأزمة في الأمة أزمة اخلاق قبل أي شيء آخر. لأن الأخلاق ضوابط تكبح جماح النفس، وتمنعها من التردي في الرزايا والدنايا، لقد رفض أبو سفيان - في جاهليته - أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يتقول عليه ما ليس فيه، أمام هرقل حين سأله عنه، كما جاء في صحيح البخاري، رفض أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يؤثر عنه أنه كذب مرة، فمنعه الضابط الخلقي من الوقوع في جريمة الكذب، وجعفر بن أبي طالب في غربته وهجرته في الحبشة، رفض أن يمالئ أو يغير مما يعتقده أمام النجاشي وبطارقته حين كانت لهم قريش وبعثت في أثرهم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص ليردوهما إلى بلدهم ليفتنهم الجاهليون من أهل مكة عن دينهم، وعلى الرغم من دقة الموقف وخطورته فقد رفض جعفر بن أبي طالب أن يساوم على مبدئه، حينما أخبر هذان الرسولان النجاشي بأن المسلمين يقولون أن عيسى بشر وليس بإله واستدعى جعفر ليمثل أمام النجاشي في محاكمة علنية يحضرها البطارقة بعد أن أعطوا الهدايا ليكونوا عونًا للرسولين في رد المسلمين إلى مكة وتقدم جعفر وهو ينوي ألا يقول حرفًا واحدًا غير ما يعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسيح عيسى ابن مريم وقرأ على النجاشي صدر سورة مريم حتى بلغ قوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (مريم:٣٠،31)، فلم يتردد جعفر ولم يساوم أمام الضغوط ولم يقبل أنصاف الحلول، ولم يكذب ولم يفتر على الله كذبًا، ولم يخن أو يبدل أو يغير أمام دقة الحدث وبشاعة المؤامرة. فما الذي منعه من ذلك منعته أخلاق الإسلام التي لا تقبل الخيانة ولا تقر الكذب، وتأبى على المسلم أن يعطي الدنية في دينه، وحين كان المسلمون متمسكين بهذه الأخلاق كانوا على قمة الحياة ولم ينزلوا إلى سفحها إلا عندما تخلوا عن دينهم وأخلاقهم، فلم يعد هناك ضابط نفسي يمنعهم من الانحراف، ولا عامل خلقي يحميهم من السقوط في سيئ التصرفات.
وقد طفا ذلك على سطح الحياة الآن وزحف حتى وصل إلى أماكن، لم يكن الإنسان يتخيل أن يصل إليها، لقد وصل إلى بيت الله الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا، ومن خلال قضاء ليلة واحدة في بيت الله الحرام استطعت أن أتأكد والتثبت من أن أزمة هذه الأمة أزمة أخلاق وتصرفات وليست أزمة أنظمة وقوانين، فهناك ترى تصرفات كثيرة من المثقفين لا تختلف عن تصرفات عامة الناس ممن لا نصيب لهم من العلم والثقافة، لقد كنت أقف في طابور طويل في محاولة مني لتقبيل الحجر الأسود، مع من أعتمر معهم من أهلي تلبية لطلبهم، وإذا بواحد من الناس يتجاوز الصف الطويل ويأتي مخترقًا الجموع ليكون قريبًا من الحجر الأسود، وسألته: عما ميزه عن عامة الناس الذين يقفون في هذا الصف الطويل، وفيهم الشيخ الكبير والطفل الصغير والمرأة كذلك. فما كان منه إلا أن أحمر وجهه خجلاً، وانصرف عني بعيداً، لكن أخلاقه التي سمحت له باختراق الصفوف ما زال يحملها بين جنبيه، وسيعود بها معه إلى بلده ليمارس نقائص تحسب على الإسلام ويعتبرها الأعداء مهانة للمسلمين. ولقد حاول آخرون مثل محاولته، وحين سألتهم مثل حتى وإن أنزلوا بهم الأذى، ولولا التحلي بالصبر لحدث بين الناس ما لا تحمد عقباه من الشجار أو السباب أو الخصام وذلك للتصرفات غير المسؤولة التي يقوم بها البعض، وتشعر معها أنها بعيدة عن أدب الاجتماع بين المسلمين، وأنها بعيدة عن أدب المساجد في الإسلام، فضلًا عن أن يكون هذا المسجد هو بيت الله الحرام لقد كره الإسلام للمرء أن يتخطى الصفوف في المسجد سؤاله، أجابوا بأن كل الناس في فوضى، فلماذا هم وحدهم الذين يسألون؟
وتصرفات الناس وسلوكهم في الحرم أمر بالغ في مجافاة الرحمة عن المؤمنين والضعفاء حتى وإن أنزلوا بهم الأذى، ولولا التحلي بالصبر لحدث بين الناس ما لا تحمد عقباه من الشجار أو السباب أو الخصام وذلك للتصرفات غير المسؤولة التي يقوم بها البعض، وتشعر معها أنها بعيدة عن أدب الاجتماع بين المسلمين وأنها بعيدة عن أدب المساجد في الإسلام، فضلاً عن أن يكون هذا المسجد هو بيت الله الحرام. لقد كره الإسلام للمرء أن يتخطى الصفوف في المسجد حتى لا يؤذي المصلين، وفي بيت الله من هذا الكثير مما لا تستدعيه ضرورة ويمكن بشيء من حسن التعامل تلافيه واجتنابه.
لقد حث الإسلام المرء على أن يكون ثوبه نظيفاً ونعله كذلك، وأخبر رسول الله أن الله جميل يحب الجمال، ومع هذا تجد من يؤم المسجد الحرام بملبس لا يرضى أن يذهب به إلى عمله أو متجره أو سوقه، ولكنه يقبل أن يأتي به إلى المسجد الحرام، لقد حمدت الله كثيراً على أن غير المسلمين لا يدخلون إلى المسجد الحرام وإلا لرأوا من سلوك المسلمين ما ينفر ويبعد عن الإسلام والأمر غير محتاج إلى نظام يفرض أو سلطان يراقب ويحاسب، فقصاد البيت الحرام أحد شخصين: إما عالم وعليه أن يعمل بعلمه، وأن يكون قدوة لمن حوله ولو لم يعرفوا اسمه أو يرافقوه في سكنه، وإما جاهل وعلى علماء الإسلام في بلده أن يعلموه مبادئ أدب الاجتماع مع الناس ومبادئ آداب المسجد، كما يعلمونه أركان الحج أو العمرة، ثم على كل مسلم أن يستشعر أنه يمثل الإسلام في بيت الله الحرام وأن كل تصرف مجاف للذوق أو الحضارة لن ينسب للشخص القائم به وإنما سينسب إلى الإسلام. فهل يعي المسلمون ذلك؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل