العنوان أرواحهم في حواصل طير خضر مشاهد إنسانية من قافلة الشهداء العامرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000
مشاهدات 53
نشر في العدد 1432
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 26-ديسمبر-2000
يومًا بعد يوم .. يواصل أهلنا في فلسطين انتفاضتهم المباركة.. مقدمين شهيدًا بعد شهيد.. وبين لهيب الانتفاضة تبرز بطولات مختلطة بمشاهد إنسانية جياشة.. نقدم منها هذه الصور..
أرواحهم في حواصل طير خضر
مشاهد إنسانية من قافلة الشهداء العامرة
يلقى الشهادة ليلة زفافه
كان مقررًا أن يزف إلى عروسه في يوم استشهاده نفسه.. لكن جماهير مخيم الفوار للاجئين بالخليل التي توافدت لحضور حفل الزفاف وجدت نفسها تزف العريس سامر محمد حسن إلى قبره بعد أن سقط شهيدًا.
وكان من المفترض أن يحتفل سامر وأهله ورفاقه بحفل زفافه، ولكن رصاصة واحدة من جندي صهيوني غاشم استقرت في صدره كانت كفيلة بأن تحول الفرح إلى حزن ودموع حيث سقط الشهيد حينما أنهى لتوه شراء الحاجيات اللازمة للذهاب إلى ليلة الحناء والليلة التي تسبق زفاف العروسين، حسب التقليد الشعبي والتراثي الفلسطيني.
ولدى مروره بالقرب من مدخل المخيم، حيث كانت تجري مواجهات بين جنود الاحتلال وشباب الانتفاضة وقف العريس سامر إلى جوار إخوانه بمشاركتهم الدفاع عن المخيم وفي الحال استقرت رصاصة في صدره، واضطر زملاؤه إلى نقله إلى عيادة المخيم، بعدما منعت قوات الاحتلال نقله إلى المشفى في مدينة الخليل، وأسلم الروح إلى بارئها في العيادة الصغيرة.
احتار زملاؤه الغاضبون ماذا يقولون لوالد العريس الشهيد الذي استقبلهم هو وأبناؤه الستة بحرارة وبشاشة، ظانًّا أنهم جاؤوا كي يشاركوا نجله فرحة الزفاف ولكن وجوه الشباب كانت تنطق بغير لغة الفرح وسرعان ما أجهش عدد من الشبان بالبكاء، وعلى الفور أدرك الوالد بحس الأبوة الجياش أن شيئًا قد حصل لنجله العريس - ابن الثمانية عشر عامًا- من شأنه أن يلغي كل الترتيبات، وهكذا تحولت ليلة الحناء والفرح إلى ليلة حزن ووجد الوالد الفقير نفسه في بيت لتلقي التعازي بينما كان مستعدًا لتلقي التهاني.
أما عروس الشهيد فقد كانت في انتظار عائلة عريسها، حسب تقاليد ليلة الحناء لكنهم تأخروا كثيرًا.. وبحدسها أدركت هي الأخرى أن شيئًا ما حصل لعريسها وسرعان ما تبددت الشكوك باليقين ليأتيها نعي عريسها وخبر استشهاده، فتغرق في معمعة الأحزان.
جماهير غفيرة رفعت الشهيد على الأكف لتزفه إلى قبره، وقد انطلق موكب التشييع الذي شارك فيه نحو ١٥ ألف مواطن من منزل والده باتجاه مسجد المخيم الرئيس، حيث صُلي عليه بعد صلاة الجمعة، ومن ثم نقل إلى مقبرة القرية.
تجدر الإشارة إلى أن الشهيد كان الجريح الأول في المخيم في انتفاضة الأقصى، فقد أصيب برصاصة معدنية في إحدى ساقيه، لكن هذه الرصاصة لم تحل دون استمرار مشاركة في فاعليات الانتفاضة، فأصيب بعد يومين من الإصابة الأولى مرة ثانية بعيار ناري معدني في الكتف.
وقال العديد من زملائه إنه كان مثالا للتضحية والعطاء، وقد تمتع بجرأة عالية وبإخلاص قلّ نظيره لوطنه وقضيته، ولم يكن غريبًا أن يحظى بمنزلة الشهداء ليلة زفافه.
غيّبته رصاصة الغدر عن مائدة الإفطار
لم تتمكن أصناف الطعام والحلوى على مائدة الإفطار في منزل المواطن سمير صدقي طبنجة في نابلس من نشر مشاعر الفرح والبهجة في الأيام الأولى من رمضان كعادتها كل عام، وذلك بسبب غياب الركن الخامس من الأسرة الطفل سامر (۱۲ عاما) الذي استشهد في مطلع انتفاضة الأقصى برصاص الجيش الصهيوني.
ومع انطلاق أذان المغرب تلتف عائلة طبنجة، التي تقيم في حي خلة الإيمان حول مائدة الإفطار التي تعدها أم سامر لزوجها ونجليها يوسف وأحمد، بينما اختطفت طائرة الكوبرا الصهيونية الشهيد سامر بعد تعرضه لرصاصة مباشرة من النوع الثقيل استقرت في قلبه.
الوالدة أم سامر ما زالت تتذكر طفلها الوديع، وقد زادت مشاعرها حرقة في رمضان وكيف لا -كما تقول- والشهيد كان يطلب منها أصنافًا محببة من الطعام مع دخول الشهر المبارك وهي اليوم تذكره كلمات رأت تلك الأصناف التي كان يفضلها نجلها وفلذة كبدها.
وتضيف «كان يحب أكلة الملوخية، ولذا كنا نطبخها في اليوم الأول من رمضان، ولكن هذا العام كسرنا القاعدة بعد أن ارتقى سامر إلى العلى»، وتقول كان سامر يصوم منذ كان في الصف الأول الابتدائي رغم صعوبة ذلك، وكان يصر على مواصلة الصيام رغم إلحاح البعض عليه. وكانت لحظة الفرح عنده عندما ينطلق مدفع رمضان من إحدى الساحات التي يشرف عليها منزله.
يوم الشهادة ما زال محفورًا في ذاكرة الأم، فقد عاد سامر من مدرسته مرتديا بدلته الرياضية، ولدى سماعه أصوات إطلاق النار في محيط ضريح يوسف، خرج لمشاهدة مجريات الأحداث من حيه الذي يشرف من بعيد على المكان وعندئذ حلقت طائرة الكوبرا الصهيونية في الجو، وألقت برشقات من الرصاص الثقيل في كل اتجاه، وكان نصيب سامر رصاصة قاتلة.. قتلت طفولته قبل روحه.
ومع دموعها.. تفخر أم سامر بأن الجيران والأصدقاء الذين تلتقيهم يذكرون نجلها بكل خير، كونه الطفل المهذب في حيه ومدرسته. وفي لفتة أخرى تشير إلى زيارة أصدقائه في المدرسة من الحركة الطلابية الإسلامية وتقديمهم درع الشهادة بمناسبة شهر رمضان المبارك. وتختتم أم الشهيد حديثها بقولها إذا كانت مائدة الإفطار قد افتقدت سامر هذا العام، فإن مائدة الإفطار في جنة الخلد تحتضنه الآن مع الشهداء وطيور الجنة.
هذه العائلة قدمت شهيدة وجريحة وخمسة معتقلين
أضحت عائلة عبد الحق من بلدة قصرة قضاء نابلس نموذجًا مصغرًا لمعاناة الشعب الفلسطيني، بعدما قدمت طفلة شهيدة لم يتجاوز عمرها العامين وشابة جريحة، وخمسة معتقلين دفعة واحدة.
لم تبدأ معاناة هذه الأسرة الفلسطينية منذ انتفاضة الأقصى فحسب، بل إن مشوارها مع ممارسات الاحتلال سبق ذلك بسنوات طويلة عندما زج بالوالد عبد العظيم في السجن عدة سنوات، لكن تاريخ الأول من شهر أكتوبر الماضي كان موعدًا غير طبيعي لفراق أعز طفلة على العائلة سارة ابنة العامين التي توفيت بعد إصابتها برصاصة أطلقها مستوطن يختزن في خلجات قلبه حقدًا دفينًا على أهل الأرض الأصليين، وذلك بالقرب من البلدة أثناء عودتها مع والدها من عيادة طبية في نابلس حيث عولجت هناك.
كان وقع خبر استشهاد الطفلة كالصاعقة على جميع أبناء العائلة والقرية، لأن ابتسامتها لم تفارقها منذ إقامة حفلة لها في أروقة البيت العائلي، وهي ترتدي زيا ابيض كالعروس في يوم زفافها.
وحلت صورة الطفلة البريئة، وهي تنزف دما ووالداها يودعانها محل صورتها وهي بين يدي والدها تطير من الفرح، وهي الصورة التي التقطت لها يوم الحفل.
وفي يوم استشهاد الطفلة، أصيبت عمتها ابنة الـ ١٨ عاما، والتي ما زالت ترقد في المستشفى، نظرًا لحاجتها للعلاج، وتجري استعدادات لنقلها إلى مشافي الأردن.
ورغم الألم الذي اكتوت بناره الأسرة التي تقيم في منزل واحد، إلا أن الاحتلال أصر على أن يواصل إجراءاته القمعية ضد هذه العائلة الممتحنة، فاعتقل خمسة رجال من أبنائها في حملة مداهمة للبلدة، وهم عبد العظيم (والد الشهيدة سارة) وشقيقاه ربيع ومصطفى ونجله ربيع، إضافة إلى فتح الله الذي أخلي سبيله لاحقًا.
وخيم الحزن والأسى على منزل عبد الحق بعدما اختطف رصاص المستوطنين طفلته البريئة، وغرس جرحًا عميقًا في فتاة يافعة، وزج بخمسة في السجن إمعانًا في معاقبتهم؛ لأنهم ساهموا في فضح السياسات الصهيونية أمام الرأي العام العالمي بعد نشر صورة الطفلة ملطخة بالدماء.
وأدى اعتقال الرجال الخمسة إلى وقف المساعي لنقل الجريحة إلى المستشفى، فيما بدت مشاعر الحزن مخيمة على أركان المنزل ولم تفلح زيارات الأقارب والجيران في إزالة جو الحزن المخيم على العائلة في أيام رمضان رغم أنها أظهرت عمق التلاحم الوطني الاجتماعي بين مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني. ومع غروب شمس كل يوم واقتراب موعد الأذان تبدأ ألسنة أبناء أسرة عبد الحق في الدعاء من أجل أن يلتئم شمل العائلة ولو جزئيًّا بعدما ودعت الأسرة الطفلة سارة إلى الرفيق الأعلى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل