العنوان أرض الرعب والخوف.. في انتظار شارون
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003
مشاهدات 60
نشر في العدد 1568
نشر في الصفحة 18
السبت 13-سبتمبر-2003
«إسرائيل» تبلغ واشنطن بإمكانية اجتياح قطاع غزة.. والمقاومة تستعد وتتوقع الأسوأ
صحيفة هاآرتس:
الحكومة الإسرائيلية نقلت إلى إدارة بوش إشارات واضحة بأن عملية الاجتياح ما هي إلا مسألة وقت.
وزير الدفاع الصهيوني السابق: الاجتياح قد يحتاج إلى ثلاث فرق عسكرية تقوم بتنظيف غزة منزلًا منزلًا.. وهذا قد يتحول إلى جحيم.
خبراء عسكريون ومعهد جافي: يدهشني أن يفكر المسؤولون الإسرائيليون في الاجتياح.. إنها مغامرة محفوفة بالأخطار.
اجتياح قطاع غزة بصورة مشابهة لتلك التي تمت في الضفة الغربية العام الماضي بهدف القضاء على البنى التحتية لحركات المقاومة، يقع على رأس مخطط شارون وموفاز في المرحلة القادمة، إلا أنه ما زال أمرًا خلافيًّا وفق ما تظهره مواقف الأطراف المختلفة في الكيان الصهيوني. وإذا كان وزير الدفاع شاؤول موفاز من أشد المتحمسين لاقتحام عش الدبابير في غزة، فإن كثيرًا من الأوساط السياسية والعسكرية تحذر شارون من مغبة التورط في ذلك لأنه يمثل مغامرة محفوفة بكثير من الأخطار التي قد لا تحمد عقباها. ومع أن شارون يجد نفسه قريبًا من الناحية النفسية إلى موقف موفاز، إلا إنه ما زال حتى اللحظة يفضل التريث بعض الوقت قبل اتخاذ قرار حاسم بهذا الحجم قد تكون له تداعيات غير متوقعة.
مسلة وقت
موفاز قال قبل أيام إن «خيار عملية برية في غزة قائم، وإسرائيل تحتفظ لنفسها بهذا الخيار، وهي ستحققه ما إن تقرر ذلك». وفي الرابع من شهر سبتمبر الجاري أبلغ دوف فايسغلاس رئيس مکتب شارون، مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس في اللقاء الذي جمعهما في البيت الأبيض أن «هناك إمكانية لأن تضطر إسرائيل إلى دخول غزة كي تعالج حماس والجهاد الإسلامي». وقالت صحيفة هاآرتس الصهيونية إن الحكومة الإسرائيلية نقلت إلى إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش إشارات واضحة إلى أن عملية اجتياح واسعة النطاق في قطاع غزة «ما هي إلا مسألة وقت فقط». وفي دراسة خاصة أعدها مركز ستراتفور للدراسات بهذا الخصوص قبل فترة وجيزة، قال إن حكومة شارون «أبقت ورقة اجتياح غزة في يدها كي تترك لنفسها خيارًا واحدًا على الأقل تلوح به في حال تصاعدت العمليات الانتحارية»، لا سيما وأن حكومة شارون استنزفت تقريبًا كل ما في جعبتها من خيارات في التعامل مع استمرار عمليات المقاومة الفلسطينية.
اقتحام القطاع الذي تجدد بُعَيد عملية القدس الاستشهادية الأخيرة، طرح مرات عديدة في السابق، وعقب عملية «ريشون لتسيون» قرب تل أبيب في شهر مايو من العام الماضي، تسربت معلومات عن خطط جدية لاقتحام القطاع تم التراجع عنها في اللحظات الأخيرة. لكن ذلك لم يمنع القوات الصهيونية من القيام بعدد من التوغلات الجزئية لمناطق في القطاع بعد تقطيع أوصاله إلى منطقتين أو ثلاثة، غير أن تلك القوات كانت تواجه في كل تلك المحاولات مجابهة عنيفة من المقاومين الفلسطينيين وتتكبد خسائر في المعدات والآليات والأرواح. مصادر سياسية قالت إن تلك التوغلات المحدودة كانت بمثابة عملية جس نبض من قبل القوات الإسرائيلية لما سيكون عليه الحال إذا ما قررت القيام بعميلة اجتياح كاملة للقطاع.
تخوفات وتحذيرات
وتنبع مخاوف شارون من اقتحام القطاع من حجم الخسائر التي يتوقع أن تتكبدها قواته المهاجمة بسبب قوة حركات المقاومة هناك، وكذلك حجم الخسائر الهائلة التي يتوقع أن تقع في صفوف الفلسطينيين، وما سيترتب على ذلك من ردود فعل إقليمية ودولية واسعة؛ فشوارع غزة ومخيماتها الضيقة، حيث الكثافة السكانية الأعلى في العالم، والبيوت المتلاصقة، ستجعل عملية اجتياح القطاع ومخيماته عملية إبادة جماعية. رئيس حزب العمل وزير الدفاع السابق في حكومة شارون بنيامين بن اليعازر حذر من أن عملية اجتياح واسعة النطاق في قطاع غزة قد تتحول إلى ورطة كبيرة، مضيفًا: «أحتاج لدخولها إلى ثلاث فرق عسكرية تقوم بتنظيف غزة منزلًا منزلًا، وهذا قد يتحول إلى جحيم». ورأى بن اليعازر أن نجاح مثل هذه العملية غير مضمون وقد يسبب ورطة سياسية كبيرة لـ «إسرائيل».
زعيم المعارضة وزعيم حزب ميرتس السابق يوسي ساريد حذر هو الآخر من أن اجتياحًا واسعًا للقطاع سيكون خطأ تندم عليه «إسرائيل». وقالت صحيفة الديلي تلجراف البريطانية إن قطاع غزة في حال اقتحامه قد يتحول إلى كماشة جحيم تلتهم الجنود الإسرائيليين. ورأى المحلل السياسي الإسرائيلي أليكس فيشمان أن الدخول إلى أكثر المناطق الفلسطينية ازدحامًا بالسكان قد يسفر عن إزهاق عدد كبير من الأرواح، مؤكدًا أن هذا الخيار ينبغي أن يكون الخيار الأخير. في حين عبر الباحث في معهد جافي الإسرائيلي للدراسات الاستراتيجية عن استغرابه من مجرد طرح فكرة اجتياح قطاع غزة، وقال: «يدهشني أن يفكر المسؤولون الإسرائيليون بأنه من الضروري اجتياح هذا القطاع». وفي الوقت الذي حذر فيه خبراء عسكريون إسرائيليون من أن اجتياح غزة لن يكون عملية نزهة «بل مغامرة محفوفة بالمخاطر»، فإن الضباط والجنود الصهاينة لا يريدون مجرد التفكير في إمكانية أن يُطلب منهم القيام بمثل هذه الخطوة الخطيرة.
ضابط صهيوني عبر عن حالة الخوف الذي تنتابه من احتمالات أن يضطر للمشاركة في عملية من هذا النوع وقال: «نعم أنا أخاف بشدة من دخول غزة، الله وحده يعلم ماذا سيحدث لنا هناك. الفلسطينيون في جنين وقفوا أمامنا بكل ما تقع عليه أعينهم، فكيف بغزة أرض الرعب والخوف التي تتركز فيها المنظمات الإرهابية الفلسطينية! «إسرائيل» ستخسر كثيرًا من جنودها إذا اقتحمت غزة».
ويتفق الخبراء العسكريون على أن ما ينتظر القوات الإسرائيلية حال مغامرتها باقتحام القطاع سيكون أشد بكثير مما واجهته العام الماضي في اقتحامها لمخيم جنين الذي تكبدت فيه ٢٣ قتيلًا وعشرات الجنود الجرحى بعد معركة ضارية استمرت تسعة أيام، ويتوقع هؤلاء الخبراء أن تستغرق عملية اقتحام القطاع فترة طويلة قد تستمر شهورًا، وأن تكون على درجة كبيرة من الدموية. ضابط صهيوني قال: «رأينا الفلسطينيين وهم يفخخون كل مكان بعبوات ناسفة». وحذر القائد السابق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي من أن الجيش سيواجه وضعًا أسوأ بكثير مما واجهه في اقتحام جنين ومدن الضفة الغربية، خصوصًا إذا ما قرر الدخول إلى مخيمات القطاع.
المقاومة تتوقع وتستعد
وعلى الرغم من الجدل الدائر في الأوساط الإسرائيلية حول جدوى اقتحام القطاع وتبعاته العسكرية والسياسية، فإن حركات المقاومة منذ اقتحام الضفة الغربية في عملية السور الواقي في أبريل من العام الماضي، تتوقع الخيار الأسوأ ولا تستبعد اجتياح القطاع بصورة مشابهة في أي لحظة، وتبني استعداداتها وفق ذلك. وتقول مصادر حركات المقاومة في القطاع إنها درست بصورة معمقة تجربة مخيم جنين للاستفادة من دروسها وعِبرها في وضع خطط المواجهة في غزة.
القيادي البارز في حركة حماس الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أكد أن حركة حماس تعد نفسها جيدًا لمثل هذا الاحتمال في ضوء إمكاناتها المتاحة، وتضع من الخطط ما يساعد على إيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف القوات الإسرائيلية المهاجمة، مؤكدًا أن «ملحمة جنين امتد أثرها ليصل إلى قطاع غزة». وتتمتع حركات المقاومة الفلسطينية -لا سيما حركة حماس- بحضور عسكري قوي في قطاع غزة، وتشير المصادر إلى أن فصائل المقاومة هناك تملك أسلحة خفيفة ومتوسطة، فضلًا عن عدد كبير من الاستشهاديين على درجة كبيرة من الجاهزية والاستعداد للمواجهة. قبل أعوام تمنى رئيس الوزراء الإسرائيلي الهالك إسحق رابين أن يستيقظ ذات صباح ليجد البحر قد ابتلع قطاع غزة، وذات الأُمنية تمناها بصورة مشابهة بيريز وباراك ونتنياهو وشارون، لكن القطاع ظل شوكة تدمي حلوقهم لا يستطيعون لفظها أو ابتلاعها.
قطاع غزة في أرقام
تبلغ مساحة قطاع غزة نحو ٣٦٠ كيلو مترا مربعا، يسكنه نحو مليون وربع المليون فلسطيني يقيمون على ثلثي مساحة القطاع، في حين يسكن نحو خمسة آلاف مستوطن يهودي في ٢١ مستوطنة تقوم على الثلث المتبقي. وتعتبر الكثافة السكانية في المنطقة التي يسكنها الفلسطينيون من القطاع الأعلى في العالم، وتبلغ نحو ٩٢٣٠ نسمة لكل كيلو متر مربع مأهول. ويمتد القطاع مسافة تصل إلى نحو ٤٠ كيلو مترًا على البحر المتوسط، ويفصله عن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨ جدار إلكتروني ودوريات مشددة تجعل إمكانية خروج المقاومين من القطاع لتنفيذ عمليات في العمق الصهيوني أمرًا شبه مستحيل. وتعتبر مدينة غزة أكبر مدن القطاع ويبلغ عدد سكانها قريبًا من ٣٠٠ ألف نسمة، ومن أحيائها: الشجاعية، والتفاح، والدرج، والزيتون، والرمال، والصبرة، والشيخ رضوان. وحسب تقديرات المركز الفلسطيني للإحصاء فإن نحو ٨٥% من سكان القطاع هم لاجئون يقيمون في مخيمات القطاع الثمانية: «جباليا، الشاطئ، النصيرات، البريج، دير البلح، المغازي، خان يونس، رفح».