; أرض البخاري والترمذي المنسية في قبضة الصهاينة | مجلة المجتمع

العنوان أرض البخاري والترمذي المنسية في قبضة الصهاينة

الكاتب فاطمة إبراهيم المنوفي

تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2007

مشاهدات 67

نشر في العدد 1755

نشر في الصفحة 21

السبت 09-يونيو-2007

آسيا الوسطى 

بلاد ما وراء النهرين.. مستودع الثروات.. لماذا يهملها العرب والمسلمون؟

فاطمة إبراهيم المنوفي: كاتبة عربية مقيمة في قيرغيزستان

  • مساحتها حوالي أربعة ملايين ميل مربع وتتكون من خمس دول تنتمي شعوبها إلى العرق التركي عدا طاجيكستان ينتمي شعبها إلى العرق الفارسي

  • الاستثمارات "الإسرائيلية" في كازاخستان وحدها بلغت 800 مليون دولار حتى نهاية 2006م وهناك رجال أعمال – صهاينة يستثمرون في النفط والغاز والتعدين بما يعادل 275 بليون دولار

آسيا الوسطى.. هي أرض الإسلام، مهد المعرفة والثقافة، قطعة غالية عزيزة من العالم الإسلامي، أهملناها نحن العرب والمسلمين على مدى عصور وعصور وتركناها فريسة في يد أعداء الأمة، وهي التي أنجبت الكثير من النوابغ والعلماء الذين نسبنا معظمهم إلينا مثل البخاري، والترمذي، وابن سينا، والفارابي، ومسلم، والخوارزمي، والخراساني، والزمخشري، والبيروني، والجرجاني، والسجستاني، وغيرهم الكثيرون من العلماء والفقهاء والقادة، ومازال بإمكانها إنجاب المزيد والمزيد إذا ما رأت منا اهتمامًا.

آسيا الوسطى.. أرض التاريخ والحكايات، أرض الثروة والنفوذ، أرض العزة والشموخ، بها طريق الحرير، ذاك الطريق القديم الذي عرفه العالم منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وعلى مدى سبعة عشر قرنًا من الزمان، ممتدًا من الصين شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا، ينقل التجار عبره النفائس بين الشرق والغرب.

وقد أطلق عليها العرب بلاد ما وراء النهرين، والنهران المقصودان هما نهر جيحون ونهر سيحون اللذان يصبان في بحر «الأورال»، والاسمان مستعاران من أسماء أنهار في الجنة. 

آسيا الوسطى كتلة جغرافية واحدة تبلغ مساحتها حوالي أربعة ملايين ميل مربع، وهي محاطة بكل من روسيا والصين وأفغانستان وإيران وبحر قزوين، وهي مكونة من خمس دول سوفيتية سابقة مستقلة عن الاتحاد السوفييتي المنهار هي: كازاخستان وقيرغيزستان وطاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان، بالإضافة إلى تركستان الشرقية «إيغورستان» التي تقبع حاليًا تحت الحكم الصيني، وقد استولى الصينيون على تركستان الشرقية سنة «1174هـ - 1760م» بعد أن ضعف أمر المسلمين بها وقتلت القوات الصينية وقتها مليون مسلم.. وينتمي شعوب آسيا الوسطي إلى العرق التركي فيما عدا طاجيكستان فينتمي شعبها إلى العرق الفارسي.

آسيا الوسطى.. هي أرض الإسلام التي تتنافس عليها القوى الكبرى والصغرى، فهي ترسانة نووية سابقة وقوة اقتصادية صاعدة، وثروة نفطية هائلة، وموقع استراتيجي مهم، دخلت في الإسلام منذ القرن السابع الميلادي وبقيت في دائرة النفوذ الإسلامي حتى القرن السادس عشر، ثم حكمها قياصرة الروس. 

وفي القرن التاسع عشر تسارع عليها البريطانيون والروس فيما عرف باللعبة الكبرى، وفي القرن العشرين قبعت سبعة عقود تحت الهيمنة الشيوعية، السوفيتية. 

ولقد تعرضت شعوب هذه المنطقة لحملة شرسة من قبل الروس لمحو هويتهم وتاريخهم، وهي الحملة التي أجبروا خلالها على الاستعاضة عن الحروف العربية التي كانوا يستخدمونها بالأبجدية الكيريلية «الروسية» فانقطعت شعوب هذه المنطقة عن ثقافتهم المدونة بلغتهم بالأبجدية العربية القرون، وبعد زمن طويل استعادوا استقلالهم محتفظين بهويتهم الإسلامية التي لم يفلح الملحدون في طمسها، لكن سرعان ما بدأت اللعبة الكبرى الثانية بين أعدائنا ونحن نائمون. 

أنف الصهاينة: لا ينحصر الصراع العربي الصهيوني على الأراضي العربية المحتلة بل هو ممتد ومتشعب حيثما استطاع الصهاينة إلحاق الأذى والضرر بالمسلمين وبالعرب منهم خاصة، فآسيا الوسطى.. من صحاريها خرج الأتراك العثمانيون وأقاموا دولتهم التي فتحت القسطنطينية وطرقت أبواب أوروبا الغربية، وهي كذلك على مرمى حجر من منطقة الخليج العربي ذات الأهمية الأكثر استراتيجية بالنسبة للغرب، والأهم من كل ذلك أن آسيا الوسطي تمثل امتدادًا طبيعيًا للعالم الإسلامي وعمقه الاستراتيجي، لذلك عمل الكيان الصهيوني على التغلغل داخل آسيا الوسطى والسيطرة على ثرواتها، وإبعادها عن العالمين الإسلامي والعربي بشكل يسحب البساط من الدول العربية والإسلامية «تخوفًا من نقل التكنولوجيا النووية التي تمتلكها هذه الدول إلى العرب والمسلمين».

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق كانت «إسرائيل» من أوائل الدول التي أدركت أهمية ملء الفراغ الذي أحدثه انهيار هذا الكيان، وقد نفذ الكيان من خلال ما يسمى بخطر تنامي التطرف الإسلامي في آسيا الوسطى، والعمل مع الحكومات المحلية من أجل مواجهته، وقد استعان الكيان الصهيوني بأبنائه المهاجرين من الاتحاد السوفييتي والجاليات اليهودية الموجودة في آسيا الوسطى، في البداية ركزت «إسرائيل» على الجانب الاقتصادي، فأنشأت غرفة للتجارة والصناعة خاصة بالعلاقات مع دول آسيا الوسطى، كما أقر الكنيسيت في نوفمبر 1997م إنشاء لجنة برلمانية مختصة بشؤون أسيا الوسطى (1). 

بالطبع كانت تحركات «إسرائيل» مدروسة، ووفق خطط رسمت لها منذ خمسينيات القرن الماضي، وذلك ارتكازًا على استراتيجية ديفيد بن جوريون «1886 – 1973م» أحد مؤسسي الدولة الصهيونية، وهذه السياسة قائمة على مفهوم شد الأطراف، وإحاطة الدول العربية بدولة مسلمة غير عربية «كتركيا وإيران» مؤيدة لـ «إسرائيل»، فـ «إسرائيل» ذلك الكيان الغاصب المكروه والمنبوذ من كل جيرانه بحاجة إلى حلفاء من العالم بأسره ومن العالم الإسلامي خاصة.

وقد نجحت هذه السياسة في أواسط القرن الماضي في ضم تركيا وإيران وإثيوبيا إلى معسكر الصداقة، لكنها انهارت مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، وقيام الانقلاب الشيوعي في إثيوبيا، وبداية انكماش العلاقات مع تركيا، نتيجة وصول الإسلاميين تدريجيًا إلى سدة الحكم في تركيا، لذلك كثفت «إسرائيل» من محاولاتها لتطويق دول آسيا الوسطى المسلمة وإبعادها عن العرب والمسلمين بكل ما أوتيت من قوة.

كازاخستان في البؤرة الصهيونية

وقد كان الاهتمام «الإسرائيلي» الأكبر منصبًا على كازاخستان، التي تعد أكبر جمهوريات آسيا الوسطى، والتي تمتلك قدرات علمية ضخمة، إضافة إلى وقوع مطار بايكونور الفضائي الشهير بها، وهو مركز إطلاق سفن الفضاء وتجارب الصواريخ وأبحاث الفضاء في العهد السوفييتي، ولا تزال روسيا تستأجره حتى الآن، كما أن كازاخستان تمتلك ما يقرب من ربع احتياطي العالم من اليورانيوم الخام. 

وقد أدركت «إسرائيل» أنه من خلال تدعيم علاقاتها بكازاخستان تستطيع توفير كل متطلباتها من اليورانيوم اللازم لتعزيز ترسانتها النووية واحتياجات مفاعلاتها، كما تستطيع أن تصبح لاعبًا مهمًا في أسواق اليورانيوم العالمية بكل ما يضيفه ذلك من أهمية استراتيجية لها على الساحة العالمية.

ففي تسعينيات القرن الماضي قام وزير الأشغال الصهيوني السابق ليبرمان بزيارة كازاخستان وأوزبکستان وأبرم العديد من الاتفاقيات معهما، والأهم هو قيام شركة «سابيتون ليميتيد» الصهيونية بشراء أكبر مجمع لمعالجة اليورانيوم الخام في العالم في كازاخستان عام 1999م، وإلى جانب ذلك استفادت «إسرائيل» من قاعدة بايكونور الفضائية الكازاخية في إطلاق أكثر من قمر صناعي، كان أولها قمر صناعي «إسرائيلي» للأبحاث العلمية والاتصالات، تم إطلاقه في يوليو 1998م بواسطة صاروخ روسي 9، وحديثًا قام نائب رئيس الوزاراء الكازاخي كريم ماسيموف في نوفمبر 2006م بزيارة لـ«إسرائيل» لتوسيع أفق التعاون الثنائي في كافة المجالات.

كما نشرت صحيفة «جيروسليم بوست» "الإسرائيلية" في الثاني من مايو لعام 2007م، مقالًا بعنوان «لماذا تهتم "إسرائيل" بكازاخستان؟» (2).

وأشارت الصحيفة إلى أن "إسرائيل"، بحاجة إلى حلفاء في دول العالم الإسلامي، خاصة أنها «إسرائيل» ليس لها أي تأثير يذكر على الساحة الأوروبية، كما أشارت الصحيفة إلى أن كازاخستان من أهم حلفاء «إسرائيل»، فهي تعارض امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية، كما تساند «إسرائيل» في حربها على ما يسمى الإرهاب. 

وذكرت الصحيفة أن حجم الاستثمارات «الإسرائيلية» في كازاخستان قد بلغ 800 مليون دولار حتى نهاية 2006م، بالإضافة إلى أن رجال أعمال صهاينة قاموا باستثمارات في مجالات النفط والغاز والتعدين بما يعادل   275 بليون دولار.

في الحقيقة أن هذا السعي الصهيوني الدؤوب في دول آسيا الوسطى لم يسر في اتجاه واحد، فقد قابله حماس من جانب هذه الدول التي اندفعت لتوثيق علاقاتها وتعاونها مع «إسرائيل» التي مدت لها يد العون والمساندة في مجالات عدة، ولذا كان الرئيس القيرغيزي السابق عسكر أقاييف ثاني رئيس دولة مسلم يزور "إسرائيل"، في يناير 1993م بعد زيارة الرئيس أنور السادات لها في نوفمبر 1977م، ثم قام رئيس أوزبكستان إسلام كريموف بزيارة لـ «إسرائيل» في سبتمبر 1998م، أبرم خلالها اتفاقية أمنية. 

وقد صرح كريموف ذات مرة بأن «"إسرائيل" هي نافذتنا على العالم الغربي»، ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وهناك تواجد مكثف لقوات "إسرائيلية" في أوزبكستان كذلك قام رئيس كازاخستان نزار باييف بزيارة «إسرائيل» في ديسمبر 1995م، تم خلالها توقيع 14 اتفاقًا لتنظيم التعاون بين البلدين.

وقد لقي هؤلاء الرؤساء كل دعم وترحيب في دولة الكيان الصهيوني، وقد كشفت نشرة عسكرية "إسرائيلية"، من قبل، النقاب عن وجود خبراء عسكريين "إسرائيليين" في بشكيك عاصمة قيرغيزستان، للمساعدة على إنشاء وتدريب قوة تدخل سريع لمحاربة الحركات الإسلامية، ويتكون من أربع فرق عسكرية من روسيا، وقيرغيزستان، وكازاخستان، وطاجيكستان.

غياب إسلامي: ومع الأسف  الشديد، فإن النفوذ الصهيوني في آسيا الوسطي ما كان ليتم لولا الغياب الكامل لأي شكل من أشكال التحرك العربي أو الإسلامي المدروس، فكانت الشعوب المسلمة في تلك المناطق في شوق شديد لرؤية إخوانها العرب المسلمين يمدون لهم يد العون، ولكنهم لم يجدوا سوى اليد الصهيونية تمتد لهم بمشاريع تنموية ضخمة، في حين اقتصرت علاقات العرب والمسلمين غير حكومية مع شعوب آسيا الوسطى عند حدود العمل الدعوي غير المنظم، بالإضافة إلى بعض الأنشطة الاقتصادية، لكن ذلك لم يكن ليلبي احتياجات هذه الدول حديثة الاستقلال، والأهم من كل ذلك أن هذه الأنشطة كانت فاقدة لرؤية استراتيجية للعمل في هذه المنطقة الحساسة من العالم. 

ولتفعيل الدور العربي والإسلامي في تلك المنطقة الاستراتيجية، لا بد من الإسراع في إبرام اتفاقيات اقتصادية وثقافية وعلمية وعسكرية ونفطية مع هذه الدول الصاعدة وصياغة خطط للحفاظ على أمن أمتنا الإسلامية، فما زالت آسيا الوسطى بحاجة لمن يمد لها يد العون، يمكننا أن يكون لنا دور إعلامي في هذه الدول التي يتحكم بإعلامها الصهاينة، فيمكننا إقامة وسائل إعلامية تخدمنا وتخدم هذه الشعوب وتقطع الطريق علي الصهاينة، وذلك بالتعاون مع مفكري هذه الدول الراغبين في لعب دور عربي وإسلامي أكثر فاعلية.

كما أن آسيا الوسطي أرض خصبة للاستثمار، بها نفائس وكنوز كثيرة وثروات هائلة، فبدلًا من استثمار الأموال العربية في دول الغرب يمكننا الاستثمارات في مجالات عدة في هذه الدول الصاعدة وتحقيق أرباح هائلة، ومن أراد التأكد من هذا الكلام فعليه استشارة أهل الخبرة والاقتصاد.

الهوامش

(1)) Benjamin Beit-Hallahmi, The Is- raeli Connection: Whom Israel Arms and why 1988 1.B. Tauris p. 16

(2) Why Kazakhstan is important to Is- rael?

جريدة جيروزاليم بوست مايو 2007م.

الرابط المختصر :