العنوان أربكان والجنرالات
الكاتب مصطفي محمد الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
مشاهدات 64
نشر في العدد 1323
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
- القول إن رئيس الأركان التركي الجديد أقل تشددًا مع الإسلاميين يعكس رغبات واشنطن أكثر مما يعكس الحقيقة
- هل يقع التحالف بين الجيش والحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يدعي زعيمه دنيز بيقال أنه الكمالي الوحيد على المسرح السياسي؟
- لا يستبعد المراقبون التقاء حزب الفضيلة مع التيار الثالث الذي بدأ في الظهور في تركيا ويطالب بإلحاح بتعديل الكمالية
- يتردد العسكر بين إجراء انتخابات مبكرة أو تأجيلها.. وهم يفكرون في اعتماد النظام الفرنسي بإجراء انتخابات على مرحلتين ليتحالف الجميع ضد الإسلاميين في المرحلة الثانية ويسقطون حزب الفضيلة بالطرق الديمقراطية!
«أربكان والجنرالات» هو عنوان كتاب جديد صدر في إسطنبول في الأيام الأخيرة يتناول قضية حزب الرفاه وتأسيس حزب الفضيلة، ودور أربكان في الحزب الجديد، وأخيرًا يتحدث الكتاب عن مستقبل تركيا في ظل الصراع المحتدم منذ ٧٥ سنة، والذي أخذ أشكالًا متعددة، ففي المرحلة الأولى التي بدأت عام ۱۹۲۳م واستمرت قرابة ٢٧ سنة، استخدم فيهما العسكر القمع والقسوة المبالغ فيهما، حتى أخمدوا أنفاس الشعب، وألغوا المعارضة، وألبسوا الناس قبعة الأوروبيين على رغم أنوفهم.
أما في المرحلة الثانية، التي بدأت مع قرار تعدد الأحزاب بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أعلنت السُلطة فيها مجموعة من التغييرات:
- تعدد الأحزاب بعد مرحلة الحزب الواحد.
- وإعلان حكم القانون بعد انتهاء مرحلة القتل على الشبهة أو الهوية.
- والإعلان عن حرية الشعب في انتخاب ممثليه وأن البرلمان هو الذي يحكم بإسم الأمة.
- والإعلان عن هوية جديدة لتركيا، فهي جزء من أوروبا، دخلت مؤسساتها طمعًا في نَيِل العضوية الكاملة في النادي الأوروبي، ودخلت الحلف الأطلسي الذي يمثل الجناح العسكري للوحدة الأوروبية.
ولكن لماذا قبلت المؤسسة العسكرية هذه التغييرات؟ وهل تنازلت بذلك عن امتيازاتها المكتسبة؟ الحقيقة أن أحدًا لا يتنازل عن مكتسباته باختياره، فالظروف والواقع المحلي والعالمي فرضت هذه التغييرات، فتصاعد المدّ الإسلامي بعد عام ١٩٥٠م هو الذي أملى على المؤسسة العسكرية تنفيس الضغط حتى لا يحدث الانفجار، وعندما تصاعدت قوة هذا التيار واقتربت من الخطوط الحمراء المرسومة له سلفًا، وضع له الجيش حدًا بانقلاب عام ١٩٦٠م والذي كان بمثابة عملية جراحية تخلصت من مندريس وضبطت الأمور، وأعادتها إلى الحدود المقبولة والخطوط المتفق عليها سلفًا.
وتكرر السيناريو عدة مرات، تكرر عام ۱۹۷۲م، وعام ۱۹۸۰م، وعام ١٩٩٧م.
في عام ١٩٧٢م أصدرت المؤسسة العسكرية مذكرة أسقطت بموجبها الحكم المدني القائم يومذاك وأعادت تشكيله بما يناسبها.
وعام ۱۹۸۰م قام انقلاب عسكري بقيادة رئيس أركان الجيش الجنرال كنعان إفرين، وعام ۱۹۹۷م، أحدثت المؤسسة العسكرية انقلابًا مدنيًا فأسقطت حكومة أربكان وحلت حزب الرفاه وفرضت حكومة مدنية هزيلة تتحكم فيها وبقراراتها، وعلى الرغم من تكرار السيناريو، إلا أن الأمور تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، تعقيدات تجعل الجميع في ورطة لا يعرف كيف يخرج منها، ولا يعرف بالمقابل الكثير عن احتمالات المستقبل.
وكمهتم بالقضية التركية، فقد حملت أوراقي واتجهت إلى منطقة بحر «مرمرة» الهادئة التي تحيط بها أشجار الزيتون من كل جانب، والتي يمتاز فيها البحر بهدوئه، إذا جلست على شرفة فندقك في الليل سمعت نغمات البحر، تنساب عذبة رائعة تأخذ بالألباب.
هناك.. في هذا الجو الجميل، جلست مع أحد صناع السياسة التركية، الذي تحمّل من أجل بلده كل عذابات المؤمنين، الذين لايتنازلون عن مبادئهم ومثلهم وأفكارهم مهما تكن الظروف.
إغلاق الرفاه
تحدثنا عن نهايات حزب الرفاه، الحزب الذي قُدِم للمحاكمة وهو الحزب الأول في البرلمان، وفي الوقت الذي كان رئيسه رئيسًا لوزراء تركيا، وصدر قرار حلّه دون أن يقنع هذا القرار أحدًا لا من أنصار الحزب ولا من خصومه، ولقد كان لحلّ حزب الرفاه - بعد خروجه من السُلطة- من الآثار في واقع الأمة، أكبر من آثاره وهو في سدة الحكم.
ففي اللقاءات التي نظمها الجيش مع مختلف الفعاليات في البلاد، أهل القانون، والاقتصاد والإعلام والحكم والأحزاب، وكان الغرض منها وضع هؤلاء جميعًا في جبهة واحدة تساند مواقفه ضد «الرجعية وأهلها» في هذه اللقاءات فوجئت المؤسسة العسكرية بالذي حدث:
- مجموعة لا بأس بها من أهم الإعلاميين والكُتاب الصحفيين لم يوافقوا الجيش على قراراته، واعتبروها مخالفة لكل ما سعوا لتثبيته في صحفهم وإعلامهم، من حرية العمل السياسي، وحقوق الإنسان والديمقراطية، ولقد أوضحوا لمن جمعهم أن الهجمة الأخيرة تقضي على كل المكتسبات التي توقعنا إحرازها خلال السنين الأخيرة، ولهذا فليس من المفاجئ أن يتصدى للمؤسسة العسكرية شخصيات محسوبة على الاتجاه العلماني الأتاتوركي، في التلفزيون أو الصحف، مما شكّل تيارًا يحسب له حساب في المعادلات السياسية.
- وحتى على مستوى الائتلاف الحاكم، فباستثناء اليسار الممثل بأجاويد «نائب رئيس الوزراء» من داخل الحكم، ودنيز بيقال من خارجه، فإن حزب تركيا الديمقراطية بزعامة حسام الدين جندروك وحزب الوطن الأم بزعامة مسعود يلماظ اعترضا على تدخل الجيش في السياسات الداخلية بهذه الطريقة السافرة، واعترضا لا على النتيجة، فهما الأحرص على حرب الرفاه والفضيلة من بعده، ولكن من حيث الشكل، فقد ظهرت الحكومة أمام الناس مجرد «طرطور» يحرك رأسه كلما ضغط العسكر على «الزر»، الأمر الذي دفع برئيس حكومة اللوكسمبورغ أن يصف يلماظ في اجتماعات المجلس الأوروبي بالرئيس المعين، ويلماظ وجندروك لا يسرهما مواجهة الانتخابات القريبة بمثل هذه التصرفات، وبخاصة أن قاعدة هذين الحزبين قاعدة يمينية، وبالتالي تضم عناصر متدينة، فكيف سيقنعون ناخبيهم بتصرفاتهم في إقفال المدارس الدينية والتشدد في تطبيق قانون الحجاب وغيره؟
- ولقد أثارت تصريحات نائب رئيس الأركان «جفيك بر» أن الأصولية الإسلامية لا تزال تتصدر المخاطر التي تواجه تركيا، وأن الحكومة تتهاون في مكافحة هذه الظاهرة، وأنه ليس هناك إسلام معتدل وإسلام متطرف فكلها حركات متطرفة المطلوب تصفيتها.
أثارت هذه التصريحات أركان الحكم، ولكنهم سرعان ما تراجعوا فعاد مسعود يلماظ «رئيس الحكومة» ليقول إنه يقدّر يقظة الجيش في حماية الدولة العلمانية ومؤسساتها، مما حمل بعض الصحف على القول: إن يلماظ لم يقعد فوق الوحل فقط، ولكنه يغوص فيه إلى أذنيه.
ولقد تقدم حزب الفضيلة بمشروع قرار بفتح تحقيقات بحق الجنرال «برّ» بسبب تصريحاته السياسية المستفزة المخالفة لنصوص الدستور التي تحظر على العسكريين التصريحات السياسية.
- أما مشكلات تركيا الرئيسة: مثل قضية الأكراد المتصاعدة، والتضخم الذي تزداد نسبته كل يوم، والاضطرابات العمالية، وقضية حجاب الطالبات، والتفتيش الأسبوعي على مدارس تحفيظ القرآن، وإغلاق المرحلة المتوسطة من مدارس الأئمة والخطباء، وإغلاق حزب الرفاه، وإطلاق مساجين المخدرات والسرقة والسطو على الأعراض، وتسريح الضباط الإسلاميين، والحرب الاقتصادية ضد المؤسسات الإسلامية ومنها مؤسسة «الموسياد» النشيطة، وتصفية دوائر الدولة من «العناصر الرجعية» كالمدارس والجامعات وغيرهما، ومحاربة جمعيات الأوقاف الخيرية، مازالت تتفاقم وتزيد من بلبلة المجتمع الذي ينتظر الانتخابات ليصفي حساباته مع هذه الأحزاب ومن يدعمها.
ولقد استنكر حزب الفضيلة على لسان رئيسه المهندس رجاني كوتان كل هذه الإجراءات الاستثنائية وطالب بالاحتكام إلى القضاء والقانون الذي يتساوى أمامه الجميع، أما الرجعية -التي يرفضها الفضيلة- فهي محاولة الرجوع إلى الأربعينيات يوم كان حزب الشعب يحكم الناس بالحديد والنار، أما فصل المدرسات من وظائفهن ومنع الطالبات المحجبات من جامعاتهن، فهو مخالف للدستور يستحق من ينفذه العقاب، وهو مخالف لكل ما تعارف عليه البشر من حريات وحقوق الإنسان.
● وأسأل محدثي عن حقيقة الأوضاع الداخلية لحزب الفضيلة فهناك من يقول إن صراعًا يدور بين الشباب الذين يؤيدون زعامة رجب الطيب أردوغان «رئيس بلدية إسطنبول» للحزب -الذي حُكِم عليه بالسجن مؤخرًا- بينما يعتبر البعض انتخاب رجائي كوتان استمرارًا لسياسة المؤسس الذي يمسك بمعظم الخيوط بيده، ويزيدون على ذلك بأن الطيب أردوغان كان يريد تأسيس «حزب» تشارك فيه شرائح من كل الاتجاهات، وما يردده البعض من أن أربكان لا يرتاح لأردوغان باعتباره المنافس الوحيد لزعامته، وإنه ارتاح للحكم الذي أصدرته المحكمة ضده والذي قد يقضي على مستقبله السياسي على هذه التساؤلات، ويجيب الرجل فيقول:
• إن أصحاب القضايا الكبيرة لا ينزلون إلى مثل هذه المستويات، وبخاصة أن رجب الطيب أردوغان من رجال الفكر الذي نما وترعرع في أحضان حزب الرفاه، وهو يدعم حاليًا حزب الفضيلة بكل قوته، أما أن أربكان لا يرغب فيه ولا يريده، فقول منكر، لا يستقيم مع الواقع، ولقد أعلن الحزب على لسان رئيسه أن أردوغان هو مرشحه القادم لبلدية إسطنبول.
قد تكون بعض الشرائح التي تحيط بالزعيمين تلعب دورًا في التحريض والتحريش بينهما، ولابد من أن يكون للإعلام المعادي كجريدة ملليت التي بدأت تطنب في مدح الطيب أردوغان وتفسح له مكانًا في صدر صفحاتها دور في إفساد ذات البين.
حزب الطريق القويم
● ولكن ماذا عن تانسو تشيللر؟ وهل دخولها في ائتلاف حكومي مع حزب الرفاه ومكن الإسلاميين من الحكم، أغضب عليها العسكر؟
• ويجيب محدثي: المشكلة لا تكمن في عداء العسكر لهذا الحزب، إنما في تركيبة الحزب وقيادته ومبادئه، فحزب الطريق القويم الذي دخل البرلمان بـ ١٣٤ نائبًا، استطاعت الأحزاب وبخاصة الوطن الأم أن تشتري ثلث نوابه، وكان الثمن المعلن خمسة ملايين دولار لكل نائب، وحتى التسعون نائبًا الباقون لا ينضبطون مع قيادة الحزب.
وليست هي التجربة الأولى في تركيا، التي يدخل فيها نواب الأحزاب أوكازيون البيع والشراء، فقد تكررت العملية أكثر من مرة، حيث تحكم اتجاهها قوى الضغط والاتجاه السياسي.
مشكلة حزب الطريق القويم تكمن في مبادئه ومواقفه، فهو حزب «شانه شأن الأحزاب الأخرى» وجد المرحلة محددة، وبالرغم من انقضائها، إلا أنه مازال يتشبث بالحياة، يزعم حزب الطريق القويم أنه مع الحريات، ومع حقوق الإنسان، ومع ذلك عندما كان شريكًا للرفاه في الحكومة كان يعارض الحجاب، ويدعم كل المواقف التي تخالف حقوق الإنسان، مبادئه شعارات للاستهلاك تتغير حسب الظروف.
● في الثلاثين من أغسطس ۱۹۹۸م تسلم الجنرال حسين كيفريك أوغلو منصب رئيس أركان الجيش خلفًا للجنرال إسماعيل حقي كراداي، ولقد تفاءل البعض بتعيين كيفريك، وإقصاء جفيك بر إلى قيادة الجيش الأول في إسطنبول، وكان متوقعًا أن يحل محل قراداي وهو المشهور بتصريحاته العدائية للإسلاميين؟
• يجيب محدثي: إن قضية الجيش أكثر تعقيدًا من ذلك، فالجيش التركي شأنه شأن جميع جيوش الشرق الأوسط ومعظم بلدان العالم الثالث، سُلطة حقيقية تحكم البلاد، في بعضها يحكم مباشرة، وفي بعضها يحكم بالواسطة، في بعضها لا يرى إلا نفسه أو حزبه أو الزعيم الملهم، وفي بعضها يسمح بقدر «ما» من الحرية، ولكنه لا يسمح بتجاوز الخطوط الحمراء المحددة سلفًا.
وعندما نقول إن الجيوش سُلطة، فإننا نعني أنها تملك مؤسسات اقتصادية كبيرة، توزع أرباحها على الضباط كل حسب رتبته ونفوذه، ومؤسسات سياسية تحكم البلاد من خلف الستار، ومؤسسات دستورية تحصل نتيجة الانقلابات المتعاقبة على نصوص دستورية تحمي وجودها، هذه المؤسسات تغطي نفسها بالمبادئ، فهي في بعض البلاد تحتكر الوطنية، وفي بعض البلاد تحتكر تحرير فلسطين، وفي بعض البلاد تحمي العلمانية التي أرسى قواعدها أتاتورك كما هو الأمر في تركيا.
والحقيقة أنها مؤسسة تحمي نفسها، وتؤمن مصالحها، وتدافع عن نفوذها وامتيازاتها وعمولاتها الهائلة.
بناء على ذلك فلا أهمية للقول إن التغيير الأخير الذي حدث في رأس الهرم العسكري له مردود إيجابي على الإسلاميين، فسُلطة الجيش لا يمكن أن تقبل المنافسة لا من الإسلاميين ولا من غيرهم، والكلام الذي نشرته النيويورك تايمز ولمّح إلى أن القائد الجديد للجيش سيكون أقل تشددًا تجاه الإسلاميين يعكس رغبات واشنطن، أكثر مما يعكس الحقيقة، فالولايات المتحدة كما استنكرت إغلاق الرفاه، تستنكر اليوم الضغط عليهم أكثر من ذلك، حتى لا يتحول الضغط إلى انفجار.
نقطة واحدة لم تكن في حسابات الجيش هي أن الشعب الذي كان ينظر إلى الجيش نظرة احترام وتقدير، بدأت نظرته تضعف أو تتحول! إن فشل حكومة اليمين وضعف اليسار وتصاعد أسهم القوى الإسلامية وقضايا أخرى مثل «قبرص، والحرب الكردية، والتسلح الإيراني، ودور سورية، واليونان، وبلغاريا، وأرمينيا، وإسرائيل، وغيرها من القضايا» باتت تقض مضجع العسكريين وتلح عليهم في إحداث تغيير سياسي عن طريق الانقلاب، فهل ستسمح القوى الإقليمية والدولية بمثل هذا الانقلاب الذي أصبح لا مفر منه لإعادة التوازن؟
هناك من يشير إلى دنيز بيقال «رئيس الحزب الاشتراكي الديماقراطي» الذي يدعي أنه الكمالي الوحيد على المسرح السياسي، والمقرب من الجيش وهو المستفيد الأكبر من الوضع الحالي، وهو الذي يقود خطة العودة إلى تركيا الثلاثينيات، الجيش يحتاج إلى سياسي مدني مثل بيقال، وبيقال «وقد أفلس شعبيًا» يحتاج إلى الجيش لتنفيذ مخططاته، ولا نستغرب أن يتم تطبيق هذه المعادلة في وقت من الأوقات.
الأتاتوركية الحديثة
في تركيا اليوم فريقان من الناس، فريق يعتبر أتاتورك الشيطان الأكبر، وفريق يعتبره الزعيم الملهم.
وفي السنوات الأخيرة بدأ بالبروز فريق ثالث، هو الأهم في حسابات المستقبل فريق محسوب على أتاتورك، لكنه لم يعد مقتنعًا بالكمالية ويطالب بإلحاح بتعديلها، حتى أن أجاويد «نائب رئيس الوزراء» الكمالي العتيق رئيس أحد حزبي اليسار أعلن أنه من الضروري إعادة النظر في العلمانية دون إلحاق الضرر بالفكرة، ولكن لا يمكن تطبيق علمانية فترة اتاتورك لأنها خلقت مشاكل في المجتمع التركي.
ولا يستبعد المراقبون أن يلتقي حزب الفضيلة يومًا مع هذا التيار على حلول وسط تشكل مخرجًا للأزمة المستمرة في تركيا.
الدستور التركي ينُص على أن تركيا دولة علمانية، والأحزاب السياسية على اختلاف اتجاهاتها تعتبر العلمانية إحدى مقومات الأمة، ولقد تعرض الإسلاميون لهذه القضية، وفي لقاءات أربكان الصعبة مع قيادات العسكر في فبراير ١٩٩٧م، قدم للعسكر صيغًا متعددة للعلمانية المطبقة في دول الغرب، والتي تنُص على أن العلمانية تعني عدم تدخل الدولة في الدين، وقال أربكان يومها: إن حزبنا يقبل العلمانية بهذا المفهوم ولكنه يرفض العلمانية المطبقة حاليًا في تركيا والتي تشرف على الدين وتتحكم به وتبعد الإسلام عن كل مظاهر الحياة السياسية والإدارية وبخاصة في التعليم.
قوانين جديدة
تحاول القوى المتحكمة حاليًا، إرجاع عقارب الزمن سبعين سنة إلى الوراء، عن طريق فرض مجموعة من القوانين القسرية، تطول الإسلاميين في كل شرائحهم فقد صادقت اللجنة الدستورية لمجلس الأمة التركي «البرلمان» على مشروع قانون يقضي بفصل كل موظف من موظفي وزارة الداخلية وبقية الدوائر الرسمية، يثبت قيامه بأعمال تستهدف تغيير المبادئ الأساسية للجمهورية التركية «أي يثبت عليه الانتماء الإسلامي».
ويُخول مشروع القانون وزير الداخلية حق فصل كل موظف من موظفي الوزارة بعد تقرير بحقه من قبل اثنين من المفتشين وتقرير سجل سري من اثنين منهم حول قيامه بعمل من شأنه الإخلال بوحدة الدولة وشعبها وتغيير مبدأ من مبادئ الجمهورية أو نشاط هدام انفصالي، ويقضي المشروع كذلك بعدم استخدام المفصولين بموجب أحكام هذا القانون بتاتًا في الدوائر والمؤسسات العامة والبلديات أو الشركات والمؤسسات التي تملك الإدارة المحلية أكثر من 50% من رأسمالها.
وفي سياق آخر أقر مجلس الأمة التركي مشروع قانون يخوّل دائرة الشؤون الدينية حق إدارة كافة المساجد والجوامع الموجودة في تركيا والإشراف عليها، خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر وصادق مجلس الأمة في جلسته الأخيرة قبل بدء عطته الصيفية على مشروع قانون آخر يستوجب الحصول على موافقة دائرة الإفتاء عند بناء أي جامع أو مسجد على مستوى البلاد.
● ولكن ما موقف الإسلاميين من كل هذه الاستفزازات، وهذه القوانين الجائرة، وهذه الحرب الاقتصادية والاجتماعية الموجهة ضدهم؟ ماذا يحدث إذا قررت الدولة منع حزب الفضيلة، هل سيلجأ الإسلاميون إلى العمل السري والعنف؟
• يجيب محدثي: إن الفضيلة ومن قبله الرفاه والسلامة حزب سياسي يعالج الأمور بالأساليب الديمقراطية السلمية. ويطالب بالتغيير عن طريق تداول السُلطة السلمي المشروع.
فالعنف لن يحقق شيئًا، سيصبرون على الأذى، وسينتظرون حتى يحين الوقت المناسب وتعود الديمقراطية فيعودون إلى ممارسة دورهم في ظل نظام ديمقراطي.
● تتداول أوساط الأحزاب، والإعلام أن تركيا مقبلة على انتخابات مبكرة، وحدد البرلمان يوم ١٨ من أبريل ۱۹۹۹م كموعد لانتخابات مبكرة في البلاد، ثم عادت أحزاب الحكومة تنقض مواقفها، وتؤكد أن الانتخابات ستجري في موعدها أي في عام 2000م.
سألت محدثي عن هذا الأمر وخلفياته؟
• فأجاب:
- الانتخابات البرلمانية ليست في مصلحة المؤسسة العسكرية التي أكدت استطلاعاتها أن حزب الفضيلة مازال متقدمًا على بقية الأحزاب، والأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة، مترددة بين الدعوة إلى انتخابات مبكرة لتنقذ شعبيتها التي تزداد تدهورًا كل يوم، وبين تأجيل الانتخابات لعلها تحصل على بعض المكاسب التي تمكنها من استرداد بعض شعبيتها.
وعلى الرغم من التباين بين أحزاب الحكومة فقد أعلنت عن تحالفها في الانتخابات القادمة وهذا التحالف هزّ أركان اليسار الذين لا يتصورون قيام مثل هذا التحالف بينهم وبين اليمين، ولقد تمثل هذا الاحتجاج باستقالة آيدين دوغان من حزب الشعب، وممتاز سويسال من حزب اليسار الديمقراطي، وهما ضمير اليسار في تركيا، ولقد دفع هذا التحالف أحزاب المعارضة فتنادت إلى لقاء بدعوة من حزب الفضيلة، شارك في اللقاء حزب الطريق القويم، وحزب الحركة القومية، وحزب الوحدة الكبرى، وحزب الولادة من جديد، وأسفر هذا اللقاء عن تشكيل جبهة المعارضة أطلقوا عليها اسم «المنتدى الديمقراطي» الذي قد تنضم له أحزاب أخرى، وأعلن هذا التجمع أن هدفه ترسيخ الديمقراطية في تركيا، وإعادة أوضاع البلاد إلى طبيعتها وتأمين السلم الاجتماعي بين الأتراك عن طريق إعادة فتح مدارس الأئمة والخطباء وإلغاء قضية الحجاب والحد من تدخل الجيش في سياسات البلاد والحد من صلاحيات المحكمة الدستورية ومنع حلّ الأحزاب السياسية ورفع الحظر السياسي عن قادة الأحزاب التي تم حظرها.
● وأسأل محدثي: ما الضمانات التي اتخذها العسكر للحيلولة دون عودة الرفاه باسمه الجديد؟
• ويجيب: لا يوجد شيء مضمون، وإن كانوا يفكرون في اعتماد النظام الفرنسي في الانتخابات بحيث تجري على مرحلتين، في الأولى تشارك جميع الأحزاب، وفي الثانية يشارك أول حزبين فائزين.
وهكذا يتحالف الجميع ضد الإسلاميين في المرحلة الأخيرة، وبذلك يتمكنون من إسقاط الفضيلة بالطرق الديمقراطية، وإذا فاز الفضيلة رغم كل هذه الإجراءات، فعندها سينقلب السحر على الساحر، وقد يفاجأ الجميع بدور أكبر للحركة الليبرالية وأنصار الديمقراطية الذين لا يخفون انزعاجهم من هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية، بالإضافة إلى تدهور أوضاع الحريات العامة والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان.
● وأسأل محدثي عن إمكانية عودة أربكان إلى البرلمان عبر خوضه الانتخابات كمستقل؟
• فقال: لاشيء يمنع من ذلك.
أین نجح الرفاه و أين أخفق؟
● وسألت محدثي عن إنجازات الرفاه؟
• فأجاب: قبل الحديث عن إنجازات الرفاه لابد من القول إننا لم نكن وحدنا في الحكومة، فالقرار كان مشتركًا، وكثيرًا ما تراكمت الإنجازات على طاولة رئيسة الحزب الآخر رافضة توقيعها، ومع ذلك فيمكننا تسجيل الإنجازات التالية:
لقد نجحت الحكومة في إدارة الاقتصاد، فقد استقر الوضع الاقتصادي، وتناقصت الديون الداخلية، وتوقف التضخم، ووضع حد لتسريب المال العام، واستغلال النفوذ، ووضعنا لأول مرة ميزانية متوازنة، الصادرات فيها بقدر الواردات بدون فرض المزيد من الضرائب أو الاستدانة من الخارج.
قضية سوسرلك التي وقعت قبل سنتين والتي قتل فيها عبد الله كاتلي -أشهر شخص هارب في تركيا-، وكان برفقة ضابط كبير وعضو في البرلمان، أثارت الحديث عن العلاقات بين رجال الجريمة المنظمة «المافيا» وكبار رجالات السُلطة في تركيا، ولقد كشف اعتقال ركن آخر من أركان المافيا في باريس مؤخرًا النقاب عن العالم السفلي للجريمة المنظمة في تركيا، ومدى حماية كبار رجالات السياسة لهذا العالم القذر.
كشفت هذه الحادثة تورط الجميع ونظافة الرفاه، الأمر الذي جعل رئيس الوزراء الحالي «مسعود يلماظ» يتلكأ في الكشف عن جوانب الموضوع رغم وعوده المتكررة بذلك.
الرفاه وحده الذي يؤمن التوازن بين الشرق والغرب، بين الشرق الإسلامي الذي هو جزء من عالمنا وفيه نجد أنفسنا وتاريخنا، وبين الغرب الأوروبي الذي نقيم معه مصالح تجارية واقتصادية، وإذا كان الغرب الأوروبي يرفض إنضمامنا إليه تابعًا، فإن الشرق الإسلامي يرحب بنا في مركز الصدارة.
وما مجموعة الثمانية الاقتصادية التي تم تشكيلها والتي ضمت أكبر ثماني دول إسلامية في العالم، إلا نموذجًا لما يستطيع حزبنا أن يفعله في هذا الجسر الذي نشكله والذي يصل الشرق بالمغرب.
الرفاه وحده الذي يؤمن السلام الداخلي وينهي القضية الكردية المفتعلة وذلك بواسطة رفع مستوى علاقات الأخوة الإسلامية بين الشعبين وتحسين مستوى علاقات حُسن الجوار مع الدول المعنية بهذا الصراع، والأكراد الذين لم تعترف السُلطات بقضيتهم، بل كانت تنفي وجودهم، اعترف لهم حزب الرفاه في مؤتمره العام عام ١٩٩٤م بالحق في الحصول على محطة تلفزيونية خاصة بهم، و مدارس تعلم أبناءهم بلغتهم، وجميع الحقوق الطبيعية التي منحها الله للبشر.
والكردي المسلم هو ضحية صراع بين حزب العمال الكردستاني المستهتر الذي كان سببًا في تدمير ثلاثة آلاف قرية وترحيل أكثر من ثلاثة ملايين إنسان من ديارهم، وبين جيش مستفيد من القضية لتأكيد هيمنته على البلاد.
● وأسأل محدثي عن الشائعات التي تملأ الساحة بأن حزب الفضيلة يبتعد عن مبادئ الرفاه، ويتنكر لإسلاميته، ويقترب بالتدريج من الأحزاب الليبرالية التي تطالب بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ويستدل هؤلاء بتعيين ناظلي إلى جاك الصحفية الليبرالية في قيادة حزب الفضيلة؟
• ويواجهني محدثي بوجهه المليء بالثقة الموحي بالاطمئنان ولسان حاله يقول: ما كل ما يُعلم يُقال.
ودعته، ودعوت له ولإخوانه بالسداد والتوفيق والنصر في هذه المعركة الشرسة.