العنوان أربكان والأكراد المتضررون من العملية العسكرية في شمال العراق
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997
مشاهدات 75
نشر في العدد 1254
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 17-يونيو-1997
أثرت العملية العسكرية التركية في شمال العراق التي بدأت في ١٤ من شهر مايو الماضي لضرب معسكرات حزب العمال الكردي على هيئة نجم الدين أربكان -رئيس الوزراء التركي- إقليميًّا وداخليًا.
صحيح أن العملية الأخيرة هي واحدة من العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش ضد عناصر ذلك الحزب سواء منذ عام ١٩٨٦م تحت مظلة اتفاقية ثنائية بين بغداد وأنقرة تتيح للقوات المسلحة التركية دخول الأراضي العراقية أو بعد عام 1990م مستغلة الفراغ الحالي هناك بسبب قرارات الأمم المتحدة، ذلك الفراغ الذي ساهم في الوقت ذاته في نمو قوة حزب العمال.
إلا أن حدوث العملية المرفوضة دوليًا وإقليميًا في عهد نجم الدين أربكان آثار الشكوك حول إمكانية تنفيذ حلوله الخاصة بالقضية الكردية داخل تركيا تحت شعار الأخوة الإسلامية والذي حصل بسببها على الحصة الكبرى من الأصوات الكردية التركية، وقد انعكس ذلك التدخل بالسلب على أربكان، وظهر ذلك في الاجتماع الاحتجاجي الذي شارك فيه أكثر من (۳۰) ألف كردي في مدينة أضنة في 8 يونيو الجاري، وطالب فيه مراد بوزلاق زعيم الحزب الشعبي الديمقراطي كردي، القوات التركية بالانسحاب منتقدًا صمت النواب أمام جريان الدم في شمال العراق.
كما تهدف العملية إلى ضرب محاولات أربكان للتقرب من الجوار الإقليمي، والعراق وسورية، وإيران، إذ إن الدول الثلاث شجبت التدخل التركي بشدة وطالبت بالانسحاب الفوري من شمال العراق وهو الموقف الذي اتخذته كافة الدول العربية، بل إن الأمر قد يتطور للأسوء خاصة بعد اتهامات الجيش لكل من سورية وإيران واليونان وأرمينيا بتزويد حزب العمال الكردي بصواريخ روسية كانت سببًا في سقوط مروحيتين: الأولى من طراز كوبرا، والثانية جاجوار، وهي محاولة لتحميل آخرين فشل العملية العسكرية، ثم حاول الجيش إقحام أربكان في تحمل نتائج الفشل عندما ادعى في بيان رسمي أن العملية تفتقر إلى التمويل اللازم، وبالطبع يتناقض ذلك الادعاء مع قواعد المنطق العسكري، إذ لا يمكن القيام بعملية يشارك فيها ٥٠ ألف جندي خارج البلاد دون تأمين التمويل اللازم لها، مما يعني أن تلك الادعاءات التي نفاها أربكان ونائبته تشيلر ووزير الدفاع والمالية تأتي في إطار محاولات العسكر تشويه صورة أربكان أمام الرأي العام، وقد تجاوبت بعض الصحف مع هذه الادعاءات كالعادة، بل وجهت اتهامات الخيانة لرئيس الوزراء.
وحين أعلن أربكان أمام الهيئة التنفيذية لحزبه يوم 8 يونيو الجاري انتهاء العملية وهو الخبر الذي طيرته وكالة أنباء الأناضول شبه الرسمية لم يسلم من غضب العسكر، إذ صرح الجنرال شفيق نائب رئيس الأركان بعد ذلك التصريح بساعة بأن العمليات مستمرة محرجًا بذلك رئيس وزرائه الذي اضطر إلى إصدار بيان مكتوب قال فيه: إن العملية حققت أهدافها وما زالت عمليات التطهير مستمرة إلا أن القسم الثاني في الجملة يتناقض مع بيان سابق لرئاسة الأركان بأنه تم تطهير المنطقة.
وهكذا يقدم العسكر أربكان كبش فداء لفشلهم في الحملة العسكرية، إذ كان يجب عليهم إعادة النظر في الحملة بعدما ثبت بالقطع وجود أسلحة متقدمة لدى حزب العمال، وعلى رأسها الصواريخ التي أسقطت المروحيتين ومحاسبة وحدات الاستخبارات العسكرية على عدم كشف ذلك، وخاصة أن خسائر تركيا في الطائرة الجاجوار ليست بالبسيطة، إذ قتل فيها 9 ضباط كبار منهم القائد الميداني للعملية، ومساعدين وجندي، وبالتالي فإن الانسحاب أمر ضروري في تلك الحالة، وهو ما يدركه أربكان! الذي لم يتلفظ ها بأكثر من قوله إن العمليات العسكرية انتهت وهي حقيقة دون أن تعني تحديد موعد الانسحاب.
ولكن لأن العسكر لا يريدون تدخل أربكان في شؤونهم فقد صرحوا بعكس ما قال، علاوة على محاولة قطع الطريق أمامه من الاستفادة سياسيًّا من ذلك التصريح الذي جاء في إطار جهود أربكان لإرضاء كل من الرئيس المصري حسني مبارك الذي تردد في حضور قمة الدول الثمانية في اسطنبول بعد غد (15 يونيو) بسبب الاحتلال التركي لشمال العراق، علاوة على التعاون الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل، وهي نفس مبررات الرئيس هاشمي رفسنجاني لعدم الحضور.
وبالتالي فإن العملية العسكرية في شمال العراق ساهمت في الإضرار بهيبة أربكان داخليًا وخارجيًا من خلال رسالة فحواها أنه ليس صاحب القرار في أنقرة، وربما زاد على ذلك خطأ أربكان الاستراتيجي عندما كان يبرر التدخل بأنه جاء بناء على دعوة من مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني لمواجهة عناصر حزب العمال الكردي، مما يعطي شرعية دولي للبارزاني ويساهم مستقبلًا في تمزيق العراق رغم تصريحاته الدائمة بأنه مع وحدتها الترابية كما يعطي بغداد حقًا بالتدخل في تركيا بدعوة من عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردي .... ! لا فرق بينهما، ويشاركهما جلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، ذلك أنهم يعملون جميعًا على إقامة دول كردية.
ويكون أربكان بذلك المتضرر من الثاني العملية العسكرية بعد القرويين الأكراد في شمال العراق الذين ينالون نصيبهم الدامي من القتال دون ذنب أو جريرة سوى أنهم يعيشون في تلك المناطق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل