العنوان أربع إشكاليات لثقافة المتطوع في المجتمع الإسلامي المعاصر
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2001
مشاهدات 0
نشر في العدد 1475
نشر في الصفحة 66
السبت 03-نوفمبر-2001
عرفنا في المقال السابق مفهوم ثقافة التطوع وتحلل اليوم الإشكاليات الأربع التي تعاني منها هذه الثقافة في المجتمع الإسلامي المعاصر والتي قد تختلف حدتها من بلد إلى آخر ولكنها في معظم الحالات تمثل قاسمًا مشتركًا يمكن أن يساعدنا في تفسير انخفاض فاعلية العمل التطوعي في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية وهذه الإشكاليات هي:
١- إشكالية التسييس: تجلت هذه الإشكالية عندما سخرت السلطات الحاكمة كافة أنماط الخطاب الثقافي لخدمة سياساتها، ومن ثم جرى إدماج ما يتعلق بثقافة «التطوع» ضمن ثقافة الهيمنة التي فرضتها الدولة، كما خضعت البنى المؤسسية للأعمال التطوعية للتفكيك وإعادة الهيكلة والتنميط وفقًا للمسطرة الحكومية. ولما كانت الجماعات الحاكمة في النظم الثورية خلال عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات قد تبنت أيديولوجيات سياسية مفارقة في كثير من جوانبها للتراث السياسي والثقافي للمجتمع، فقد تفاقمت إشكاليات «تسييس» ثقافة التطوع، إن ضاق الفرق بين ما هو طوعي وما هو إجباري حسب منطق السلطة وهمشت الثقافة الدينية- أو اختزلت في أفضل الحالات في مقولات مؤيدة لسياسة الدولة- الأمر الذي أدى إلى ضمور «ثقافة التطوع» بعد تهميش منبعها الأكبر وهو الثقافة الدينية الأصيلة.
وبالرغم من التحولات التي أدت بمعظم الأنظمة العربية إلى الابتعاد النسبي عن فلسفات الحكم الشمولي والسلطوي- خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين- إلا أن إشكالية تسييس ثقافة العمل التطوعي لم تنته، وأخذت أبعادًا جديدة في ظل موجة العولمة وما ولدته من خشية مشروعة في بعض الحالات لدى الدولة على أمنها وسلطتها من مقولات ومفاهيم وشعارات يجري ترويجها باسم التطوع، أو المنظمات غير الحكومية أو المجتمع المدني، وبعد أن كان التسييس يجري في السابق من جهة الدولة على حساب المجتمع، أضحى في السنوات الأخيرة مزدوجًا تمارسه الدولة وعديد من الهيئات التطوعية والاجتماعية المدنية في آن واحد، وبخاصة تلك التي تتبنى الثقافة الوافدة في مجال التطوع.
٢- إشكالية اختلال الأولويات داخل ثقافة التطوع السائدة وتجلى ذلك في التركيز على بث مفاهيم وأفكار التطوع حول قضايا لا تحتل أولويات متقدمة في سلم الاهتمام العام للمجتمع، واختزال مفهوم التطوع وصيغه فقط في كل ما يخدم تلك القضايا، الأمر الذي تؤكده ممارسات الخطاب الثقافي الوافد حيث يولي اهتماما كبيرًا بأفكار التطوع والعمل الأهلي في قضايا المرأة والسلام والبيئة أكبر من قضايا محو الأمية والبطالة والرعاية الصحية، التي تحتل أولوية متقدمة بالنسبة لمعظم المجتمعات العربية.
وربما أسهمت إشكالية التسييس المشار إليها في ظهور إشكالية اختلال أولويات ثقافة التطوع إما لاحتكار السلطة للشأن الثقافي العام في مرحلة سابقة كما أوضحنا وإما بسبب توجيه عديد من فعاليات العمل التطوعي لاهتمامها ناحية مواجهة الدولة والسعي لتحرير الشأن الثقافي التطوعي من هیئتها، وإما للأمرين معًا.
وفي جميع الحالات فإن هذا الاختلال لا يخدم أيًا من الطرفين «المجتمع أو الدولة» وإنما ينطوي على سلبيات كثيرة لكليهما.
٣- إشكالية جمود وتقليدية الخطاب الفكري: الذي يمارسه معظم قيادات العمل التطوعي نظرًا لحالة التكلس الذي تعانيه بعض هذه القيادات.
وعدم قدرتها على إنتاج خطاب ثقافي تطوعي يتسم بالفاعلية والتجديد والتجاوب مع متغيرات الواقع وبنظرة عامة على خطاب الثقافة السائدة للتطوع المجتمع العربي المعاصر يتضح أنه تقليدي في قسميه الموروث والوافد.
إن جمود خطاب ثقافة التطوع وتقليديته- على هذا النحو- تجعله غير قادر على التوسع وكسب قواعد اجتماعية جديدة نظرًا لأنه يشق طريقه إليها وسط صعوبات كثيرة تكتنفه بسب جموده الداخلي.
ويسبب سيطرة قيم الثقافة الفردية وانصراف معظم أفراد المجتمع لحل أزماتهم الخاصة، كما أن هذا الجمود يجعله حبيسًا لأطره المحلية والقطرية، وعاجزًا عن التفاعل أو التوافق مع الخطاب العالمي لثقافة التطوع، ناهيك عن أن يسهم في صياغة هذا الخطاب والنتيجة النهائية لذلك.
في استمرار قابلية ثقافة التطوع بالمجتمع العربي للتأثر بثقافة الآخر والتبعية لها، دون القدرة على التأثير فيها أو تجنب سلبياتها.
٤- إشكالية ازدواجية المرجعية المعرفية لثقافة العمل التطوعي في المجتمع العربي:
حيث يستند القسم الموروث منها إلى المرجعية التراثية الدينية، بينما يستند القسم الوافد إلى المرجعية الوضعية العلمانية وتتسبب هذه الازدواجية في ظهور كثير من التناقضات والانقسامات داخل خطاب الثقافة السائدة للتطوع؛ إذ يعمد أنصار الموروث إلى التركيز على المضمون الديني الإسلامي للتطوع مع إعطائه تفسيرًا ضيقًا لا يتسع في كثير من الحالات لغير المسلمين، وذلك كلما وجدوا أنصاره «الوافد» يركزون بدورهم على المضمون المادي الدنيوي للتطوع وينفون- أو يتجاهلون- أي أبعاد روحية أو دينية له ويزدرون- في كثير من الأحيان- الخطاب الذي يمارسه أنصار «الموروث» بل ويحرضون السلطة ضدهم في بعض الأحيان.
ولا يعود مثل هذا الانقسام إلا بآثار سلبية على ثقافة التطوع بصفة عامة، ويفاقم- بشكل خاص- من إشكالية اختلال الأولويات داخل هذه الثقافة على النحو الذي شرحناه فيما سبق.
وتسبب إشكالية «ازدواجية المرجعية» ضررًا آخر لثقافة التطوع في المجتمع العربي بإسهامها في إيجاد منافسة غير متكافئة بين المكون «الموروث» والمكون «الوافد» حيث لا يجد أنصار «الوافد» مانعًا- حسب مرجعيتهم المعرفية- يمنعهم من قبول التمويل الأجنبي أو العمل طبقًا لأجندة أولويات لا تخدم المجتمع العربي الذي يعملون فيه بالضرورة فضلًا عن الآثار السلبية لتلك الأجندة الأجنبية على نظام القيم والأخلاقيات في مجتمعنا العربي ليس ذلك فحسب، وإنما يؤدي هذا التمويل الأجنبي، إلى خلق حالة من التناقض في منظومة القيم والمبادئ التي تقوم على أساسها ثقافة التطوع فبينما تؤكد الثقافة الموروثة أهمية قيم الاعتماد على الذات والتضحية والبذل والعطاء من ذات اليد والإيثار، تأتي الثقافة التطوعية الوافدة- بقبولها التمويل الأجنبي- لتؤكد قيم التواكل على الغير أو التطوع بأموال الآخرين واستمرار الخضوع وذل المسألة.