العنوان أدِّب ولدك
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1953
نشر في الصفحة 50
السبت 21-مايو-2011
يقول ابن قدامة المقدسي: مهما بدت من الصبي مخايل التمييز. فينبغي أن يحسن - أي المربي - مراقبته أي متابعته تربويا ومطالعة أحواله، فإن قلبه جوهرة ساذجة، وهي قابلة لكل نقش فإن عود الخير نشأ عليه، وشاركه أبواه ومؤدبه في ثوابه، وإن عود الشر نشأ عليه وكان الوزر في عنق وليه، فينبغي أن يصونه ويؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق فإذا ظهرت في وجهه أنوار الحياء وكان يحتشم ويستحيي من بعض الأفعال حتى يراها قبيحة، فهذه هداية من الله تعالى إليه، وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب. ومن كانت هذه حاله فهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فينبغي ألا يهمل عن رعاية الاعتناء في حقه بحسن الأدب.
تناولت في المقال قبل الماضي التربية بالحب، تبعه مقال مرتبط به كان عنوانه الله الله في أولادكم. ولكي يتحمل الآباء والأمهات مسؤولياتهم تجاه الأولاد، ويؤدوا الأمانة التي كلفهم الشرع إياها تجاه تأديبهم.. يجب أن يتمكنوا من أدوات التربية بالحب وآلياتها، ومن ثم وجدت من المفيد أن أقدم للآباء والأمهات والمربين بعض الوصايا التربوية التي تشكل في مجموعها آلية التربية بالحب، وسوف أخصص مقالا لكل حرف من الحروف الهجائية، ومن هنا جاءت تسمية سلسلة المقالات الثماني والعشرين، وسميتها هجائية الحب، وفيما يلي الحلقة الأولى من هذه السلسلة، وهي حرف الألف.
● أولا : الألف (أدب):
أدب أولادك بنين وبنات)، وأحسن تأديبهم، فما من إنسان إلا وله مؤدب ومرب. يقول النبي صلي الله عليه وسلم«أدبني ربي فأحسن تأديبي» (رواه ابن السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء»، وأورده الشوكاني في الفوائد المجموعة. وإن كان البعض قد ضعفه فقد قال ابن تيمية: إن معناه صحيح.
● مجالات تأديب الأبناء
أولا: في مجال العقيدة والعبادات والأخلاق من المفيد في سياق حديثي عن تأديب الآباء لأولادهم أن أتناول ما ورد في القرآن الكريم، ويمثل لنا منهجاً محدد المعالم في تأديب الأولاد في العقيدة والعبادات والأخلاق، فقد جاء على لسان لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) ﴾ (لقمان).
وذاك موقف آخر يربي فيه رسولنا صلي الله عليه وسلم عبدالله بن عباس على العقيدة السليمة القوية، عندما كان يركب الدابة خلف النبي صلي الله عليه وسلم فقال له: يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. ومن شرح هذا الحديث ذكر الشيخ ابن العثيمين أن ابن عباس و كان صغيرا ناهز الاحتلام، أي في سن يتراوح بين الخامسة والسادسة عشرة وأقل، عندما وجه إليه النبي صلي الله عليه وسلم هذه الوصايا.
● ثانيا : في مجال آداب الطعام
من مواقف النبي صلي الله عليه وسلم التربوية في صحفة الطعام التأديبية للنشء في آداب الطعام ما حدث عندما طاشت يد عمر بن أبي سلمة في صحفة الطعام - وكان غلاما آنذاك - فقال له صلي الله عليه وسلم مؤدبا وموجها ومربيا: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» (رواه البخاري). ولله در الشاعر إذ يقول في سياق آداب الطعام:
وإذا مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن *** بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
ولا يحدق إلى الطعام وإلى من يأكله *** فإن هذه دليل على البخل
ومن آداب الطعام التي ينبغي أن يغرسها الآباء في نفوس الأبناء أن نعوده التأني في الأكل، ومضغ الطعام جيداً، وأن يلطف اللقمة - أي يقطعها صغيرة دقيقة - حتى لا تزحم فمه، فتكون مدعاة لتناثر الطعام فيه، ولا يلطخ ثيابه الطعام.
● ثالثا : التأديب بالعلم والأخلاق
من الآداب التي ينبغي للمربين أن يربوا عليها الأولاد أن يشغلوا الأبناء بالقرآن وتحصيل العلم، فيحبب الأب ذلك إلى نفس ابنه، ويربيهم على الملبس الوقور، والزهد في الدنيا، وحسن الرياضة للنفس، فينغرس في قلبه حب الصالحين والاقتداء بهم. ومن تأديب الأولاد أن يحفظهم المربي الأشعار الهادفة، وأن يعلمهم فنون الأدب النافعة، وأن يغرس فيه القيم الأخلاقية كالصدق والأمانة، والتسامح، والعفو والتعاون والشجاعة والإقدام.
ويجب على الآباء أن يربوا أولادهم على التواضع، وتجنب الافتخار على رفاقهم بشيء مما يملكه آباؤهم، فينشأ الابن على حب الناس، والتواضع معهم، وتجنب التكبر عليهم، وإدراك أنه لا فرق بين شخص وآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح.
كما يجب أن نغرس في نفوس أولادنا العطف على الصغير، وتوقير الكبير، وآداب الاستماع والتحدث، وأن يتجنب فاحش القول، والزور، والكذب، واللعن، والسب، وأن يتجنب من يقعون في ذلك الفحش من القول وأن يتربى على الصبر واحترام معلمه ومن هو أكبر منه.
● رابعا: التأديب باحترام الأولاد ومراعاة مشاعرهم
ويحسن بالآباء - عند تأديبهم لأولادهم - أن يثيبوا الأولاد على سلوكهم الإيجابي تشجيعا لهم، وأن يتغافلوا عن بعض صغائرهم، وأن يعاتبوهم سرا - وليس جهراً أمام الآخرين - إن هم أخطؤوا ، لأن الأطفال والمراهقين حساسون، ونقدهم جهرا أمام الآخرين يثير حساسيتهم، ويسبب لهم الحرج، ويجعلهم يشعرون بالافتضاح أمام الناس، وقد يؤدي ذلك إلى ردود أفعال غير محمودة منهم تجاه المربين، ومن الحكمة الا يكثر الآباء من نقد الأبناء، أو توجيه اللوم أو العتاب إليهم أمام الآخرين.
● خامسا : التأديب برياضة البدن
ومن تأديب الأبناء تعويدهم الرياضة والتربية البدنية والحركة، حتى لا يصابوا بالكسل، كما يحسن أن يتدربوا على الفروسية وركوب الخيل والرماية، يقول صلي الله عليه وسلم : ثلاثة لا تعد من اللهو لهو الإنسان بفرسه ولهوه بقوسه، ولهوه بأهله .
● سادسا : التأديب بتجنب الأخطاء
1- تجنب القهر والاستبداد
يظن كثير من الآباء والأمهات أن وصايتهم على أولادهم تعني القهر واصدار الأوامر التي على الأولاد أن يطيعوها طاعة عمياء، ومن ثم جاء اعتقاد الآباء والأمهات بالاستبداد في إدارة الأولاد، فيحسب الآباء والأمهات أن مقام الوالدية يقتضي أن يكون رأي الولد وعقله وفهمه دون رأي والديه وعقلهما وفهمهما، تماماً كما يحسب الزعيم المستبد أنه أعلى من رعاياه، وأعقل من أفراد شعبه جميعا، ومن هنا يأتي القهر والاستبداد، وهما ليسا من أبجدية التربية بالحب.
٢- تجنب معاقبة الأولاد دون إعلامهم بوجه الخطأ، وهنالك يشعر الابن بأنه مضطهد ومظلوم، ويؤدي ذلك إلى اضطراب العلاقة بينه وبين المربي. بل لا يصح أن يكتفي المربي بإفهام المتعلم وجه الخطأ فحسب، إنما يجب أن يعلمه السلوك الإيجابي البديل ويقول الشاعر للمربي في هذا المعنى التربوي
لا تقل ذا عمل ناقص *** جن بأوفى ثم قل: ذا أكمل
٣-الحذر من عدم التدرج في العقاب
فكثير من الآباء يترك مراتب العقاب الأولى، ويقفز إلى آخر المراتب أو الوسائل كالضرب الشديد، برغم أنه يمكن أن يستخدم مع أولاده، عندما يخطؤون، وسائل خفيفة من العقاب، كإظهار رفض للسلوك بالقول أو بالإشارة أو بإهمال المخطئ، أو بحرمانه من مصروف أو نزهة متجنبا العقوبات الغليظة التي قد تؤدي إلى أضرار جسيمة، ومن صور العقوبات الجسيمة التي ينبغي تجنبها حرمان الأولاد من الطعام، أو حبسهم في مكان مظلم، أو ربطهم في عمود وتقييد حركتهم أو تقييدهم وتكبيلهم بالحبال، أو حبسهم في مكان قذر أو الإكثار من تهديدهم بأمور تشكل خطورة على حياتهم.. فمن الأهمية بمكان أن يسبق الثواب العقاب، وأن نتدرج في وسائل العقاب إن اضطررنا إليه، وأن يكون العقاب على قدر السلوك السلبي وألا نبالغ فيه، حتى لا يشعر الابن بأنه مظلوم، فيسبب له ذلك اضطرابا نفسيا، وربما يؤدي به إلى كراهية المربي.
٤- عدم إهمال الخطأ
عندما أدعو الآباء إلى الرفق بأبنائهم لا أقصد أبداً أن نهمل أخطاءهم دون أن نواجهها، بل قصدت أن نتعامل مع أخطائهم وفق الأسس التربوية فها هو سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم في موقف معاوية بن الحكم رضي الله عنه . ولنترك سيدنا معاوية يروي الموقف حيث يقول: كنت حديث عهد بالإسلام، فدخلت الصلاة، فعطس أحدهم، فقلت: يرحمك الله فنظر الصحابة إلى شذرا، فعطس ثان فقلت: يرحمك الله، فضربوا على أفخاذهم، فإذا برسول الله صلي الله عليه وسلم - فوالله ما رأيت معلما أفضل منه، لا قبله ولا بعده - فإذا به ينتحي بي مكاناً بعيداً عن أعين الناس، ويعلمني ويقول لي: يا معاوية، إنما جعلت الصلاة للمناجاة ... والشاهد هنا أن سيدنا معاوية أخطأ. لأنه تكلم بكلام ليس من الصلاة، ولقد أعجبه أسلوب النبي صلي الله عليه وسلم في التربية والتهذيب والتأديب، لأنه لم ينقده على الملأ وإنما ابتعد به عن مرأى الناس ومسمعهم ثم وجهه توجيها لطيفا رقيقا، حفظ عليه شعوره، ولم يجرح أحاسيسه فرسول الله صلي الله عليه وسلم لم يترك الموقف، وإنما واجهه تربويا، وقوم سلوك معاوية بن الحكم وفق الأسس التربوية الإنسانية التي تراعي مشاعر المتعلم.
● سابعا: وفر له البيئة الصالحة
فإذا ما أردنا الحصانة والمنعة لأولادنا فيجب علينا أن نهيئ له البيئة النظيفة والرفقة الصالحة، لأن أطفالنا وشبابنا يمرون بمرحلة يكونون فيها على اتصال قوي بأطراف خارج إطار الأسرة، سواء كانت هذه الأطراف مؤسسات أم أفرادا من زملاء المدرسة أو النادي أو غيرهما ، كما أنهم - أقصد أولادنا - يميلون إلى التأثر بأقرانهم، وخاصة إذا كان أفراد الأسرة متشددين، فإن فضول الابن يجعله يبحث عمن يفهمه خارج الأسرة، وربما يتحد مع جماعة الرفاق لحمايته مما يظن أنه ظلم له من قبل أفراد أسرته.
ومن هنا أنصح الآباء باختيار مدارس لأولادهم على أساس ما تبثه المدرسة من قيم أخلاقية، فكثير من الآباء تبهرهم هالة المدارس الأجنبية دون الاهتمام بالجانب الديني والتربية الإسلامية، وبمرور الأيام يجد ابنه قد تغير تغيراً كبيراً مذهلا وهنالك تقع الكارثة، ولا ينفع الندم، ولا يجدي الصراخ !!
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل