العنوان أدوية تسبب السرطان. حقيقة أم شائعة؟!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 13-فبراير-2010
مشاهدات 139
نشر في العدد 1889
نشر في الصفحة 14
السبت 13-فبراير-2010
قضية
«المجتمع» تتقصى الحقيقة عبر خبراء في الطب والدواء
أخطر من أنفلونزا الخنازير. المجتمع تواصل فتح الملف
- منتجات الأدوية العربية آمنة. والحديث يدور حول أدوية «مغشوشة»، أولها أعراض جانبية معروفة
- دول الخليج ومصر لا تسمح باستيراد أية أدوية غير مجازة من هيئة رقابة الدواء الأمريكية
- د. حسام عرفة: أدوية علاج السرطان قد تسبب المرض نفسه.. ولكن يجب عدم التهويل لأن الأدوية العربية مراقبة بشدة
- د. نجيب أبو كيلة: الأدوية المغشوشة معظمها خاص بمعالجة الضعف الجنسي وتهرب الدول عربية وأجنبية على السواء
أوائل يناير ۲۰۱۰م، نشرت صحيفة يومية خاصة تصدر في القاهرة تقريرا قالت فيه، نقلا عن مركز حماية ودعم صناعة الدواء في مصر، هناك حالة من القلق والانزعاج بسبب فوضى شاملة ومتعمدة تستهدف أسواق الدواء المصرية والعربية أخطرها انتشار أدوية في الأسواق -بعضها مغشوش- تؤدي للإصابة بمرض السرطان. واستند التقرير في تأكيده لهذه المعلومة على تحذيرات أطلقتها في الشهور الماضية هيئة الدواء والأغذية الأمريكية «FDA»، ووكالة الرقابة على الأدوية الأوروبية «EMEA»، عن وجود آثار سلبية لعدد من العقاقير المتداولة في دول العالم، ومنها مصر على المرضى تضاعف من أمراضهم!
ورصد التقرير عدة أمثلة لأدوية قد تتسبب في مشكلات صحية خطيرة للمرضى، مثل مرضى السكر، وهو العقار المعروف علميًا باسم «Insulin glargine»، وبالاسم التجاري «لانتوس جلارجين» طويل المفعول، وعلاقته بالإصابة بمرض «السرطان» «Cancer»، وذلك بعد دراسات تمت على ٣٣٠ ألف مواطن في أسكتلندا وإسبانيا وألمانيا.. ودواء السكر المعروف علميا باسم «Rosiglitazone» وبالاسم التجاري أفنديا» «Avandia»، وعلاقته بالإصابة بجلطات القلب بنسبة٤٠، ودواء معروف علميا باسم «Pioglitazone» والاسم التجاري «أكتوس» «Actos»، وعلاقته بالإصابة بأمراض الكبد بنسبة 35%.
وفي وقت لاحق، قالت الصحيفة نفسها: إن نيابة جنوب الجيزة بدأت تحقيقاتها في القضية التي كشفت عنها حول وجود أدوية في الأسواق تصيب المواطنين بأمراض خطيرة بينها السرطان وتقدمت على إثر نشرها «الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية» ببلاغ إلى النائب العام المصري للتحقيق في الواقعة. وأضافت إن النيابة استمعت إلى أقوال رئيس الهيئة التي قالت: إنها فوجئت بما ورد في التقريرين المنشورين بالصحيفة وطلبت تحديد المعلومات التي استند إليها التقريران، وكذلك الأبحاث الدوائية التي أكدت أن الأدوية المذكورة تصيب بأمراض خطيرة.
ولاحقًا قال د. عبد الرحمن شاهين المتحدث الرسمي لوزارة الصحة: «إن مركز حماية وصناعة الدواء ليس مصرحا له من جانب وزارة الصحة بجمع بيانات ومعلومات حول الأدوية»، مشيرا إلى أن المركز استشهد في التقرير المنشور بالصحيفة بعقاري «لانتوس» و«أفنديا» المستخدمين في علاج مرضى الكبد.
الأدوية المقلدة
وسبق أن حذر مؤتمر طبي حول علاج الأورام الخبيثة عقد في الأردن قبل عدة أشهر من الأدوية المقلدة والأدوية ذات النوعية دون المستوى لأنها قد تسبب الإصابة بالسرطان، وشدد المؤتمر على ضرورة تمكين مرضى السرطان من الحصول على أدوية ذات جودة عالية، لاسيما أن موضوع جودة الأدوية أصبح مشكلة عالمية نتيجة انتشار الأدوية المقلدة.
«المجتمع»، حققت في دقة هذه المعلومات وسألت خبراء أدوية وطب عن حقيقة هذا الأمر، وهل بالفعل هناك أدوية في الأسواق المصرية أو العربية يمكن أن تسبب مرض السرطان؟
وهل الحديث عن السرطان نتيجة تعاطي الأدوية يأتي من أدوية مقلدة فقط أم أدوية قديمة لم تطور؟ وهل هناك دراسات تمت في هذا المجال؟
وكانت المفاجأة التي أوضحها الخبراء أن ما نشر غير دقيق، وبه تهويل. ولكن هناك بالفعل بعض الأدوية العادية لها عموما آثار سلبية، وهذا أمر طبيعي يتم ذكره على الإرشادات الطبية المرفقة بعلبة الدواء، مثل التحذيرات التي ترد مثلا عن عدم تناول الحوامل لعقار ما، أو مرضى القلب أو المصابين بحساسية ما من نوع معين من العقار.
ولكنهم أشاروا إلى أن هناك أدوية مجهولة المصدر ومغشوشة تباع في الأسواق على نطاق محدود ينتجها أشخاص معدومو الضمير وغالبا ما ترد من آسيا. وخطورتها في أن المادة الفعالة فيها تكون مخالفة للمواصفات أو أقل من المعتاد، مما يؤدي إلى فشلها في علاج المرض أو التسبب في أمراض أخرى كالسرطان.
إطار علمي
بداية، يقول «د. حسام الدين عرفة»، رئيس قسم الأدوية والسموم بكلية الصيدلة بجامعة «الأزهر» إن «هناك بالفعل العديد من الأدوية المسرطنة وخاصة أدوية علاج السرطان نفسه، وإن هذا هو السبب الرئيس في المتابعة المستمرة المرضى السرطان الذين تعرضوا للعلاج الكيماوي، حيث يتم فحص هؤلاء بصورة دورية منتظمة كل خمس سنوات لمعرفة ما إذا كانت هذه الأدوية تسببت في حدوث أية تغيرات سرطانية أم لا».
لكنه -في الوقت ذاته- يؤكد قائلًا: إن الحديث عن التأثير المسرطن للأدوية يجب أن يوضع في إطار علمي سليم بدون مبالغة أو تهويل. فعلى سبيل المثال يمكن أن يحدث عقار ما سرطان الثدي بمعدل حالة في الألف، وهي بالطبع نسبة تختلف عن غيرها من الأدوية التي يمكن أن تحدث هذا النوع من السرطان بمعدل حالة في المليون مثلًا. وفي الحالة الأخيرة تعتبر مخاطرة استخدام الدواء مقبولة نسبيا عن الدواء الآخر».
وردًا على ما يقال: إن هناك أدوية مغشوشة في الأسواق تسبب السرطان يقول «د. عرفة»: إنه «فيما يخص الأدوية المقلدة والمغشوشة، هناك عقاقير تحتوي على نسبة قليلة من المادة الفعالة إضافة إلى بعض المركبات غير الضارة وفي هذه الحالة تكون المشكلة الرئيسة هي فشل وقصور في العلاج. أما في حالة غش الأدوية بأشياء أخرى ضارة فتعتمد الخطورة هنا على ماهية هذه الإضافات ومن ثم يجب تحليل هذه المركبات بشكل دقيق قبل الحكم عليها.
دراسات طبية ويطمئن د. عرفة المرضى فيما يتعلق بأدوية علاج السكر التي جرى الحديث عن خطر بعضها إعلاميا سواء تلك التي يتم إعطاؤها عن طريق الفم كأقراص أو حتى حقن الأنسولين ملخصًا الأمر على النحو التالي:
عقار البيوجليتازون «Pioglitazone» أثبتت الدراسات الإكلينيكية أن نسبة حدوث السرطان وتحديدا سرطان المثانة لم تتجاوز ٠,٤٤% وهي نسبة مقبولة من الناحية الطبية. أما فيما يتعلق بالآثار الجانبية فهي معروفة للأطباء والمرضى منذ تسويق العقار في السوق العالمية وليس هناك جديد في هذا الأمر.
عقار الروسيجليتازون «Rosiglitazone»: ينتمي للمجموعة الكيميائية نفسها، ولم يثبت أن له تأثيرا مسرطنا في الإنسان رغم ثبوت هذا الأمر في فئران التجارب. أما فيما يتعلق بالآثار الجانبية الخاصة فتتركز - مثلها مثل البيوجليتازون- على حدوث مشكلات بالقلب قد تؤدي إلى فشل وظائفه، وهذا يحدث أيضًا بنسب مقبولة طبيًا في بعض الحالات وليس كلها.
أنسولين الجالارجين «galargine Insulin :«لم يثبت حتى الآن حدوث أية سرطانات من هذا العقار في الإنسان، وإن كانت بعض التقارير تشير إلى حدوث بعض السرطانات في ذكور الفئران البيضاء - وهي غير الإنسان-وعمومًا لا تزيد الآثار الجانبية عن حدوث بعض الحساسية والالتهابات الجلدية.
والخلاصة -كما يؤكد «د. عرفة» أنه «يجب عدم التهويل أو التهوين من شأن موضوع غش الأدوية أو تقليدها، ويجب إجراء دراسة متأنية لهذا الأمر والتحليل الدقيق لمكونات هذه العقاقير المتداولة في السوق المصرية، ويجب ألا يتصدى لهذا الأمر إلا المتخصصون فلا يترك الأمر لأي شخص يطلق تصريحات بأن السوق المصرية أو العربية تعج بأدوية تسبب السرطان أو غيرها من الأضرار الصحية إذ إنه بالبحث في هذا الأمر نجد أنها أدوية مصرح بتداولها عن طريق الهيئات الطبية العالمية مثل هيئة الدواء والأغذية الأمريكية.
أدوية مهربة: أما «د. محمد نجيب أبو كيلة» المدير التنفيذي لوحدة أبحاث طبية تتعاون مع وزارة الصحة المصرية فيقول: إنه لا يوجد أدوية تسبب السرطان مباشرة، ولكن توجد أدوية مقلدة مغشوشة يمكن أن تسبب أمراضا أخرى مثل القلب والسرطان؛ لأن بها مواد غير معروفة تؤدي للفشل الكلوي أو الكبدي، وهي أدوية تستورد أو يجري تهريبها من الخارج ولا تصنع في مصر، ويؤكد أنه يجري تهريبها لدول عربية وغير عربية، منها بولندا والمجر؛ حيث هناك أدوية مغشوشة خصوصا أدوية الضعف الجنسي مثل «الفياجرا»، وهي مواد مكونة من مواد علمية مغشوشة بغرض الربح.
ويضيف: إن الأدوية التي يجري الحديث عن أنها تسبب للمرضى أمراضا أخرى مثل «أفانديا»، و«أكتوس»- لها خطورة في الإصابة بأمراض القلب ولكن على مجموعة محدودة من المرضى، وإن هذا يوضع ويجري التعريف به في النشرات الطبية للأدوية كآثار جانبية، مثل «التخثر القلبي» و«فشل الاحتقان القلبي». ولكنه يؤكد أنه طالما أن هناك نشرة مكتوب فيها الاحتياطات والخطورة في علب الدواء، فهي ليست بالتالي أدوية ضارة ولا يجوز أن يقال: إنها تؤدي للسرطان.
ويؤكد «د. أبو كيلة» أنه لا توجد في العالم كله أدوية تؤدي للسرطان، وأن دول الخليج لا تسمح بتداول أي دواء إلا بموافقة هيئة الدواء والأغذية الأمريكية.. كما أن مصر تعتمد على الأدوية التي وافقت عليها أيضا إدارة الرقابة الأمريكية على العقاقير وأن التحذير من أخطار هذه الأدوية الجانبية مثل «أنسولين الجالارجين»- أمر معروف منذ عام ٢٠٠٧م وليس جديدًا، وبالتالي لا مبرر لهذا القلق لأن الآثار الجانبية محددة على مجموعة من مرضى القلب.
ويؤكد أن القانون في مصر لا يسمح بأي مركب دوائي لم يتم الموافقة عليه في الدولة المنتجة، والباقي تنتجه شركات مصرية بموافقة وترخيص من الخارج، وبالتالي لا توجد فوضى في سوق الدواء في مصر فكل الأدوية خاضعة لوزارة الصناعة ومعايير الجودة.
لا يوجد دليل علمي ومن جانبه، يقول د. سامي زكي السيد رئيس قسم الأمراض المتوطنة بطب الأزهر: إنه لا توجد أدوية توزع أو تباع في مصر ليس عليها رقابة، ولا توجد أدوية تسبب السرطان مباشرة، وإنما هناك آثار جانبية لبعض الأدوية معروف تأثيرها منذ الستينيات، ويجري إبلاغ المرضى الذين قد يتضررون من تعاطيها على علب الدواء ويحذرهم الأطباء من هذا أصلا ولا يصرفون لهم هذه الأدوية أو على الأقل يعلمونهم بآثارها الجانبية، ويحذرونهم من التوقف عن تعاطيها لو ظهرت آثار جانبية.
ويقول: إنه لا يوجد دليل علمي على أن بعض الأدوية تسبب السرطان أو «اللوكيميا»، وإن ما يعلن عن بعض الأدوية المحدودة جرت بشأنها تجارب على الفئران لا البشر وهذه تختلف وإن هذا وراد فقط في حالة الأدوية المغشوشة - خصوصًا أدوية الضعف الجنسي- التي ليست عليها رقابة والتي لا يلتزم مصنعوها بأي شيء سوى الرغبة في الربح المادي، والمادة الفعالة فيها تكون إما أقل من المعدل الطبي أو غير صحيحة مما يسبب أعراضًا جانبية قد يكون منها إصابات في القلب أو السرطان .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل