; أدب: نظرية الشعر عند الرسول صلى الله عليه وسلم الحلقة الأولى | مجلة المجتمع

العنوان أدب: نظرية الشعر عند الرسول صلى الله عليه وسلم الحلقة الأولى

الكاتب أحمد الجدع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1979

مشاهدات 82

نشر في العدد 436

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 13-مارس-1979

في الوقت الذي تشهد فيه الحركات الإسلامية وقد سجلت انتصارات في المجالات الاقتصادية والسياسية وفي ميادين القتال المسلح ضد الاستعمار الأجنبي والطغيان المحلي، فإننا نأمل أن تسجل أيضًا قفزات في المجال الأدبي، خاصة وأن الأدب الحق إنما هو انفعال بالأحداث الجارية والوقائع الهامة، وتسجيل حي وتصوير دقيق لآمال الأمة وجهادها وبطولاتها وإنجازاتها... 

ولا يتسنى لأمة أن تقيم مجدًا أدبيًا وأن تنشئ أدبًا راقيًا ما لم ترسه على بنيان ثابت وأساس متين من أدبها السابق وتاريخها القديم. والأمة العربية تختص دون الأمم الأخرى بأن لها دينًا واضح المعالم، وكتابًا مقدسًا متصفًا بالإعجاز البياني فهو لهم معين فياض، وهو أساس يستطيعون أن يركنوا إليه ويعتمدوا عليه ويطمئنوا إليه.

ولما كان التراث الذي تمتع به الأدب العربي -بما أضفاه عليه الإسلام- تراثًا ساميًا، فإنه ليس أمام العرب مفر من أن يؤسسوا بنيانهم الأدبي المعاصر على قاعدة من هذا التراث.

ولما كان رسولنا الكريم -صلوات الله عليه- هو المبلغ للرسالة بأدق جوانبها وأوسع تفصيلاتها، فإنه لا بًدَّ لنا من الأخذ بالنظرية التي أرساها رسولنا للأدب العربي الإسلامي الأصيل بأنواعه وضروبه وفنونه.

وسوف نقصر حديثنا في هذا المقال عن نظرة الرسول للشعر، تاركين ما سواه لمقال آخر إن شاء الله.

* * *

لقد كلف الله رسوله بالرسالة والمجتمع العربي يولي الشعر اهتمامًا كبيرًا وينزله منزلة خاصة ويحله محلًا ساميًا، ويحيط الشعراء بهالة من المجد وبفيض من التقدير.

وكان هذا كله بسبب ما للشعراء وشعرهم من تأثير على المجتمع آنذاك، فقد كان الشاعر بشعره يرفع أقوامًا ويضع آخرين، وكان للشعر سطوة على القلوب بحيث تستطيع أبيات أن تثير الأحقاد وتبعث الضغائن وتسعر الحروب.

ولم يكن الشاعر يتحرز من شيء يرى أنه يوصله إلى غايته ويقربه من هدفه، فكان يختلق الأسباب ويكذب على الناس، ويلجأ إلى تزيين الباطل وتزويق الفحشاء وذم الفضيلة، ويسعى في سبيل ما يريد إلى اتهام الأنساب والتهكم بالأحساب.

هكذا كان وضع الشعر والشعراء عندما بدأ رسولنا في تبليغ رسالة السماء الشاملة، فماذا كان موقفه من الشعر والشعراء؟ وما الشعر الذي أقره وما الشعر الذي رفضه؟ وما المهمة التي رأى أن ينيطها بالشعراء في المجتمع الإسلامي الجديد؟

وبكلمة جامعة شاملة: ما النظرة الجديدة التي وضعها الرسول للشعر؟ 

للإجابة على هذا السؤال الكبير لا بد لنا أن نستعرض مواقف الرسول مع الشعراء، ولا بد لنا أن نعرض آراءه في الشعر الذي كان يلقى على مسامعه، لا بد لنا أن نرتب كل هذا ترتيبًا منطقيًا حتى نصل إلى النظرة الشاملة والكلمة الفصل في هذا الموضوع.

* * *

لقد سل الأعداء كل الأسلحة في وجه الإسلام ورسوله والمؤمنين، وكان مما أثر في نفوس المسلمين سلاح الشعر الذي سلط على رؤوسهم، حتى إن رسولنا الكريم لم يسلم من سهام الشعر وقذائف الشعراء، فقرر عليه السلام أن يرد على هذا الهجوم، فاستدعى الشعراء المسلمين وطلب منهم أن يخوضوا معركة الشعر، وطلب منهم أن يستخدموا من ألفاظ الشعر ومعانيه ما يؤذي الأعداء، ولا يخرج عن تعاليم الإسلام، ووجههم إلى طلب معايب الأعداء وإظهارها... 

وقد دعا الرسول الأنصار لهذه المهمة دعوة عامة؛ لأنه عليه السلام يعرف تفوقهم في هذا المضمار، فقال: «وما منع الذين نصروا لله بسيوفهم أن ينصروه بألسنتهم».

وخص بهذه الدعوة نفرًا من الأنصار ممن تفوقوا في فن الشعر، وعلى رأس من دعاهم لهذه المهمة حسان بن ثابت -رضي الله عنه-، فقال له مرة: «اهجهم وروح القدس معك» وقال له ثانية: «أجب عني أيدك الله بروح القدس» وقال له ثالثة: «اهجهم وهاجمهم وجبريل معك» وقال له رابعة: «اهج قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشق النبل».

هذه الدعوات المتلاحقة تنبي بجلاء على ما أولاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- للشعر والشعراء من اهتمام، ومن معالم هذا الاهتمام أيضًا ما روته السيدة عائشة -رضي الله عنها- من أنه عليه السلام كان يضع لحسان منبرًا في المسجد يقوم عليه فينافح عن رسول الله، ورسول الله يقول: «إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله».

إذن فلم يكن حسان ينشد شعره في المسجد فحسب، بل كان ينصب له فيه منبرًا.

فأي مكان أرفع من هذا المكان؟ وأي منزلة أسمى من هذه المنزلة؟ 

ولما لاحظ حسان أن عمر بن الخطاب -بعدما تولى الخلافة- لا يعجبه أن ينشد حسان شعره في المسجد، قال له حسان: «قد كنت أنشد فيه، وفيه خير منك» -يعني رسول الله-. فقال له عمر -رضي الله عنه، وكان وقافًا على الحق-: صدقت!

* * * 

وكما دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- الشعراء للرد على افتراءات المشركين، دعاهم كذلك للرد على شعراء الوفود التي وفدت على المدينة لمقابلة الرسول وللاطلاع على دعوته، وكانت هذه الوفود تصطحب معها شعراءها، وكثيرًا ما كان هؤلاء الشعراء يلقون شعرهم أمام الرسول ويضمنونه عرضًا لقولهم، وفي بعض الأحيان تعريضًا خفيًا بالتهديد والوعيد، فكان عليه السلام يستدعي شاعره حسان ليرد على هؤلاء الشعراء، وكان شاعر الرسول في كل موقف ينتصر، وفي كل قصيدة ينتصف، وكيف لا يكون منتصرًا ومنتصفًا وهو ينافح عن الرسول الأمين وعن دعوة الحق المبين؟ وكيف لا تهزم شعراء الوفود وهم يدافعون عن الجاهلية المقيتة، وينافحون عن باطلها وعدوانها؟

جاء وفد تميم بشاعرهم الزبرقان بن بدر، فأنشد أمام الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- قصيدة يفتخر فيها بقومه، ويدعي بأن لهم الزعامة والرياسة، ويلمح إلى ما يميلون إليه من النصرانية حيث عندهم تنصب البيع!

نحن الكرام فلا حي يعادلنا

                   منا الملوك، وفينا تنصب البيع!

فأرسل رسول الله إلى حسان، وطلب منه أن يجيبهم، ولما استمع حسان إلى قصيدة الزبرقان -وقد أعادها أمامه- قال قصيدته المشهورة:

إن الذوائب من فهر وإخوتهم

                   قد بينوا سنة للناس تتبع

فقام شاعر آخر من الوفد، الأقرع بن حابس، فأنشد ردًا على حسان، وتماديًا في الفخر على رسول الله:

أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا

                   إذا اختلفوا عند ادكار المكارم

وأنا رؤوس الناس من كل معشر

                   وأن ليس في أرص الحجاز كدارم

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قم يا حسان فأجب».

فقال حسان، وكان طبيعيًا وقد تمادى القوم في الفخر، أن يقسو حسان في الرد:

نصرنـا وآوينا النبي محمدًا

                   على أنف راض من معد وراغم

هبلتم! علينا تفخرون؟ وأنتم

                   لنا خول ما بني ظئر وخادم!

فقال عليه السلام مخاطبًا شاعر الوفد: «لقد كنت غنيًا يا أخا دارم أن يذكر ما قد ظننت أن الناس قد نسوه منك»!

فاعتذر القوم، واعترفوا بخطئهم، وسلموا بالهزيمة، ثم أسلموا.

* * *

وفي أسفاره وغزواته كان عليه السلام يدعو الشعراء ليحملوا الناس بشعرهم، فيخففون عنهم عناء السفر ومشقته، فكان الشعراء يلبون الدعوة وينطلقون بشعر جميل يسير على الألسنة فيكون له وقعه وأثره، بل أن هذا الواقع والأثر ربما كان أبعد مما توقعه له الشاعر، فقد دعا الرسول منصرفه من خيبر كعب بن مالك أن يحدو بهم، فانطلق كعب بهذين البيتين الرائعين:

قضينا من تهامة كل حق

                   وخيبر، ثم أجممنا السيوفا

نخيرها، ولو نطقت لقالت

                   قواطعهن: دوسًا أو ثقيفا!

ويردد الجيش المنتصر، الذي فرغ لتوه من خيبر، هذين البيتين، فترجع صداهما الصحراء، ويتناقلهما الناس، فتسمع بهما دوس، فتهاب رسول الله وجيشه، وتخشى مصيرًا كمصير يهود خيبر، فتسرع إلى رسول الله مسلمة مؤمنة، سامعة مطيعة!

فأي أثر عظيم أحدثه هذا الشعر؟ وأي نصر مؤزر أحرزه هذا الشاعر؟!

... يتبع

الرابط المختصر :