العنوان أدب - العدد 831
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1987
مشاهدات 87
نشر في العدد 831
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 25-أغسطس-1987
رثاء لفقيد الدعوة
الشيخ محمد غياث أبو النصر البيانوني
-رحمه الله-
أنأسو أم نقيم على الجراح *** ونرثي أم يعد من النواح
ونشكو بثنا أم قد كفانا *** بأن الرزء أكبر من فصاح
لقد جل المصاب فكم رُزئنا *** ورزء اليوم جل عن البواح
عشية جاء نعيك بات قلبي *** يلوي بالأسى غض النواحي
أبا النصر الحبيب أكان يجدي *** فداؤك بالنفيس وبالقراح
ولكن المنية ليس منها *** فكاك في غدو أو رواح
رضيناها إلى الأخيار تزجي *** نعيم الخلد في الملأ الملاح
بكاك بكل أرض قوم صدق *** ولن ينساك صحبك في السلاح
وتبكيك المنابر، وهي ثكلى *** وقد كانت تململ للصباح
وهل ننسى المواعظ والوصايا *** فكمْ شدت قلوبًا للنجاح
وكمْ أيقظت من ركبوا هواهم *** وأمسكت النفوس عن الجماح
وكمْ أفصحت عن هدي وصدق *** وكمْ ناديت حي على الفلاح
نشأت على الهدى خير السجايا *** يزينك حسن أخلاق الملاح
وأصل صالح قد طاب فرعًا *** به عبق الهدى ملء القداح
حباك الله همة ذي علاء *** وأوتيت الثبات بكل ساح
وكنت على العدا ليثًا هصورًا *** يهابك من يقيم على النباح
لقد كانت حياتك فخر شيخ *** حباك من الفضيلة والصلاح
سقيت الدعوة الغناء جهدا *** سخيا رغم أقوام شحاح
سأذكر ما حييت وكيف أنسى؟ *** وذكراك الحبيبة في وشاحي
وفي نجواك كمْ أثلجت صدري *** وفي نصح صدوق عن فصاح
وفي نهي عن الغفلات تخشى *** على قلبي سهام الاجتياح
وفي نكت يجملها صفاء *** من الروح الزكية والمزاح
وفي ظرف ولطف لا يجارى *** وفي ذوق وجود ذي فواح
سأذكر ما حييت وكيف أنسى *** وقد عبقت شمائلكم براحي
وعهدًا يا أخانا أنت فينا *** بروحك والمحبة والسماح
وأخلاق رويناها بصدق *** كما رويت أحاديث الصحاح
فلن ننسى الوفاء لمن رعانا *** وحث خطى القلوب إلى الفلاح
فبشرى قلبك الزاكي بأنا *** على العهد الوثيق بلا انزياح
هنيئًا للذي أفنى شبابًا *** بدعوته الكريمة ذي ارتياح
يجاهد لا يكل بلا امتنان *** ولم تعصف به هوج الرياح
مضيت على الطريق فلا تبالي *** سهام الشر أو وقع الرماح
وأعیت جسمك العلل الدواهي *** فصارعت الأسى حتى الرزاح
وكابدت السقام بكل جأش *** ولم تذكر سوى نزر مباح
إلى أن كل «كبدك» بالجراح *** وناداك الإله إلى الفلاح
ففاض الروح بالبشرى قريرًا *** وأصوات الملائكة بالصداح
إلى الملأ المحبب روح عبدي *** وحي على الجان على الرداح
ونم فالخلد دونك والأماني *** وما قدمت مرور الرباح
تغمد يا إلهي قبر عبد... *** برحمتك العميمة والسماح
قضی غض الشباب على جهاد *** يقارع في الحواضر والبطاح
نزیل جوار جوادك كمْ دعانا *** إلى تقواك والحق الصراح
كريم لا يضام جوار رب *** کريم، عنده خير المراح
عليك الرحمة العظمى أمينا *** بها من كل هول أو جناح
أخوك المحب
رضوان سعيد
لله
لله لا للقهر والطاغوت نعلنها قوية كنا وما زلنا على درب الهدى نأبى الدنية
لا ذل لا إرهاب حتى تستقيم لنا سوية.
أو أن نموت أعزة وشعارنا نفس أبية.
أرواحنا مهما غلت لإلهنا رب البرية.
أبو محمد إقبال
قصة قصيرة:
رسول الموت
استلقى على فراشه الوثير، الناعم الملس وقد تسور حوله الأهل والأقارب وهو ينظر إليهم نظر المغشى عليه، وفجأة انتفض انتفاضة وصرخ صرخة استجابت لها أركان الغرفة التي كان بها كأنما ضرب على رأسه بمطرقة حديد، وتكاد تسمع دقات قلبه التي أخذت تطرق صدره فتراه يرتفع وينخفض، وارتفع الصياح والنياح وخرج من بين تلك الأصوات صوت ضعيف يريد أن يجد له مكانًا في آذان الجالسين يقول:
- أنا ما زلت حيا.
فخبتت الأصوات وانحدرت الدموع من الأعين تعبر هي أيضًا عن مشاعرها، وبرز من بين الجالسين شيخ صالح اتجه إلى الرجل وجلس عند رأسه وقال له ملقنًا:
- قل لا إله إلا الله.
فسكت الرجل وكأنه لم يسمع، فأعاد الشيخ قوله كرة أخرى:
- قل لا إله إلا الله.
فانتفض الرجل وأخذ يصيح كمن طوق شخص عنقه محاولًا خنقه، ثم شهق شهقة وتطلع ببصره إلى السماء، ثم سكنت جوارحه، وساد خلالها صمت رهيب من هول المفاجأة، وشدة الصدمة، ولما تيقن للجميع أنه فارق الدنيا، تعالى الصياح واشتد النياح وبقي جسده ساكنًا فقد غدا في عالم آخر، وقام الشيخ وألقي عليه بملاءة بيضاء، وقال:
- إنا لله وإنا إليه راجعون
ثم حمل إلى المغسل ليغسله، فتناوله وشرع في صب الماء على جسده والميت باستغراب ودهشة يقول:
- من هذا الرجل؟ وماذا يفعل بي؟
إنه يغسلني... ولكن لماذا يغسلني؟ إلى أين سيذهب بي؟...
وما هذه الملابس البيضاء التي يلبسني إياها؟ ولكنها ملابس بلا أكمام... إنه يلفني فيها لفًا؟ ومن هؤلاء الرجال؟ وإلى أين يحملونني؟ إنهم يدخلون بي إلى المسجد... إنهم يصلون علي. ولكن صلاة بلا ركوع أو سجود عسى الله أن يرحمني ويرحم ضعفي وحالي وقلة حيلتي...
إنهم يحملونني مرة أخرى... ولكن إلى أين؟
ومن هؤلاء الناس الذين تجمعوا حولي وكل منهم يريد أن يحظى بحملي؟ إنهم يسرعون بي...
يا ويلي... يا ويلي... إلى أين يذهبون بي؟
ما هذا المكان الموحش؟ إنها قبور؟!
يا ويلاه يا ويلاه يا ويلاه...
وما تلك الحفرة؟ هذا هو قبري؟ هذه الحفرة التي ستحتضنني...!!
يا ويلي ماذا فعلت في دنياي؟
أعيدوني... أعيدوني...
لا... لا... لا تدخلوني هذه الحفرة المظلمة الموحشة. ويسمع صوت الأرض تناديه:
- یا بن آدم... يا بن آدم... أنا بيت الوحشة، أنا بيت الظلمة... أنا بيت الدود... ألم يحذروك مني... فماذا أعددت لي؟
ويهال التراب عليه وهو يصرخ ويستغيث ولكن لن ينفعه ماله أو ولده وأنى له ذلك وهم الذين أودعوه تلك الحفرة وهالوا عليه التراب وذهبوا عنه ليلقى مصيره...
إما سعادة فلا شقاء بعدها...
وإما شقاء فلا سعادة بعدها...
وأخذت الرياح تتلاعب بالأتربة في ذلك المكان الموحش بين القبور والموتى وانطلق صوت يقول:
یا ابن آدم... یا ابن آدم... إن مصيرك إلى هذا القبر... إنه ينتظرك...
ولا بد لك أن تاجه عاجلًا، أو آجلًا. فاعمل لهذا اليوم...
وتزود... وتزود
﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ (البقرة: 197)
﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾
فتنبه أخي في الله من غفلتك واستيقظ قبل أن توقظ في وقت لا ينفع فيه الندم. والعاقل من اتعظ.
أبو عبد الله الكندي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل