; أدب.. عدد 575 | مجلة المجتمع

العنوان أدب.. عدد 575

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1982

مشاهدات 70

نشر في العدد 575

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 15-يونيو-1982

خاطرة:  أين ذاك العنفوان؟

في مقولة لأحد المفكرين، يرى أن الشاعر يأتي إلى هذه الدنيا؛ ليقول شيئًا واحدًا، ثم يعيش العمر كله یکرره ويردده.

ولم أجد في هذه الأيام أكثر انطباقا لواقعية هذه الكلمة من حالة الشاعر الكبير عمر أبو ريشة، الذي كان له - في عز الشباب - صولات وجولات في مجال الإبداع الشعري، والكلمة الجريئة، والموقف الشجاع أمام الطغيان والاستبداد، وكان ذاك في الأربعينات والخمسينات من هذا القرن، ثم أرخى الزمان عباءته على الشاعر المجيد، فعاد مجرد «مسجل» يردد ما قاله من قبل، ففي أمسية أدبية خاصة جرت في السعودية مؤخرًا في منزل أحد أدبائها بجدة، لم يجد أبو ريشة ما يقوله غير أن يردد أبياتًا قالها منذ ثلاثين سنة أو أقل قليلا عن الحسناء الأندلسية، وعن السفح الذي صار ملعبًا للنسور، وعن رثاء بشارة الخوري، ومعبد كجراو في الهند.

إنها لمأساة كبرى أن يقف الشاعر مقيد اليد والفكر واللسان أمام الأهوال، التي تعصف بأمته، ثم لا يجد إلا أن يقول: 

أنا مثل غيري لا يراني***من كوى سجني كيان!!

وهو الذي كان يقول:

أمتي هل لك بين الأمم؟ ***  منبر للسيف أو للقلم

رب وامعتصماه انطلقت  *** ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها*** لم تلامس نخوة المعتصم

على أننا لا نزال ننتظر من أبي ريشة «شيئا» يقوله، فيما يجري حوله من أحداث، وإننا لمنتظرون.

إعلامنا والأحداث:

یا طغاة الدنا اسمعوا وارحمونا***

قد شربنا الردى فاسمحوا واقبرونا

الجياع العراة الحفاة*** 

والثكالى.. مئات.. مئات 

الحيار بأرض الجناة***

 والورى في ركاب الغزاة 

والضنا قد أمات الحياة. ***

كيف نرضى بقايا الفتات؟ 

كيف نرضى بوأد الأباة.***

اخجلوا من أنين البنات***

 اخجلوا من نحيب الدعاة

 ألف آه تذيب الحياة *** 

قد توارى وميض الحياة

حسام الدین حامد

قصة قصيرة

  عُرس الشهيد

 بقلم: مازن عبد الحكيم

(١) 

«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله..» راح «سعد» يردد هذا الحديث النبوي الشريف، وهو في طريقه إلى المدرسة، ينقل كتبه ودفاتره بين شماله ويمينه، وصورة «درس» الأمس تعبر مخيلته بإلحاح شديد، إنها الصور الأولى عن درسه الأول في مسجد الحي، يتابع شريط الذكريات بلذة وشغف، «الأستاذ» يقول في شرح الحديث: الشاب المؤمن نور في الأرض، ونور في السماء، وكلما استبق الإنسان سني العمر وابتدأها في طاعة الله ازداد في ميزان الله قدرا، ومكانة، وعلوا.

ويخفق القلب البريء لهذه الكلمات، ويحاول «سعد» أن يتخيل للمرة الألف صورة الجنة، التي وعد بها المتقون، وفي كل مرة جديدة يتخيلها بشكل جديد، وصورة أخرى.

وينتهي اليوم الدراسي، وتنتهي الحصص الخمس، وكأنها شهور خمسة أو سنون، ولعلها المرة الأولى التي ينبهه فيها أستاذه لشروده المتكرر، حقًّا، لقد كان شاردا طوال اليوم، يسبح في الخيالات النورانية الساحرة، وقد ملكت منه كل الحواس. 

ها هو أخيرًا يحث الخطى نحو البيت، يدخله بسرعة، يبعثر أغراضه هنا وهناك، ينتقل بين الحجرات باضطراب واضح، يكرر النظر في الساعة الكبيرة، يتابع العقارب الحادة تدور ببطء شديد، يسأل أمه بلهفة، ووجنتاه المصبوغتان بالحمرة تحت خصلات الشعر الأشقر الذهبي تفضحان ما يدور في نفسه من توتر: أمي، كم بقي لأذان المغرب؟ ألم يحن الوقت بعد؟!، وتستغرب الأم هذا السؤال، فغلامها الأصغر ابن الأربعة عشر لم يسألها هذا السؤال طوال حياته، وتجيب رغم ذلك: ليس كثيرا يا «سعد» لم يبق إلا القليل. 

المسجد غاص هذا اليوم برواده المؤمنين، ولا عجب فهو الأول من رمضان، الرجال الكبار في أيديهم المصاحف يرتلون ويقرؤون، بعض الشباب يتنقلون من زاوية لأخرى، يمسحون الغبار، ويرتبون المصاحف، ويسوون السجاجيد، وفوق «السدة» الصغيرة، وعلى البساط الملون كالربيع تحلق العديد من الأطفال، لا يجاوز كبيرهم التاسعة من العمر، وأستاذهم الشاب بدا وسطهم كالقمر المنير بثوبه الأبيض الناصع، و«طاقيته» المزركشة الموشاة، وشعيرات ذهبية شقراء بدأت تنبت في أنحاء الوجه البريء، اللسان اللاهج الجريء، يتلو على الأطفال سور القرآن، وبين الحين والحين يتوقف «سعد» عن الشرح؛ ليسأل أحدهم عن معاني الكلمات، أو أحكام التجويد، ثم يتابع الشرح والتفسير؛ ليقطعه مرة أخرى بفكاهة بريئة أو قصة معبرة أو حكاية قصيرة، تثير في النفوس الغضة الطرية أجمل الصور والرؤى والخيالات.

وعلى موائد الإفطار يتحلق أهل الحي جميعا، يستغفرون ويسبحون بانتظار أذان المغرب، وبلحظة البداية ترتفع كالومضة السارية تكبيرة الأذان، ويمضي الصوت الندي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وفؤاد الأم المتلهف يخفق في حنو، وهي تسمع بأذنيها صوت وليدها «سعد» يرتفع كالنسمة المنعشة، ويتهادى كالأمواج العذبة، يتغلغل بين الضلوع عميقا، بلا استئذان.

البلد كأنها بركان هادر، طوفان مخبوء في عيون الناس، في القلوب، في الحناجر والضلوع، أينما توجهت ونظرت، رأيت الأكف مشدودة القبضات، والعيون منشأة بالدموع حينًا، وبظلال اللهيب أحيانا أخرى، و«سعد» بين الطوفان يتنقل، يمشي، يصيح، العيون تصرخ في سكون، الأكف تدفعه من بعيد، الشفاه المزمومة تستنجد فيه الإيمان.

 والعزيمة والشباب، الجموع تسير، وسعد يسير، وخلف خصلات الشعر الذهبي الملامح تتكامل، الصورة تلو الأخرى. 

وتعبر صورة «مظاهرة» الأسبوع الماضي «مظاهرة» «جامع الروضة» صورة العشرات يسقطون، أولهم كان «مازن» أخوه في الله، وصديق الحي منذ سنين، زرع «المخابرات» رصاصهم في رقبته، في وسط الرقبة، شلال الدم الذي اندفق في الهواء، ما زالت صورته مرسومة في أعمق الأعماق.

 يتبع

منتدى القراء

  • الأخ ابن البلد- المغرب

وصلت قصتاك، وقد نشرتا في عددين سابقين (٥٦٩ و٥٧٣)

  • الإخوة الأفاضل:

محمد حسن العرشاني – اليمن، أبو  عبدو – حمص، ظاهر محمد عماش- الجهراء، عبد الرحمن عمر – جدة، شفاء – اليرموك، الأخت ص. ش.. غ م ط - السعودية، حسام الدين حامد، عامر الطاهر – الرياض، أبو بلال الدمشقي، محمد سعيد جابر، أحمد عبد الفتاح مخيمر، حسان الشام، أحمد صفوان – الرياض، عبد المالك أحمد تراوري - الكويت.

 إذا كانت مشاركتكم الطيبة قد سرتنا، فإنها أيضا قد سببت لنا شيئا من الحرج، فبعض القصائد وقع فيه خلل بالوزن، وهو شرط أساسي في النظم العمودي، وكان بعضها الآخر مطولا، والبعض الآخر كان مختارا من شعراء آخرين، ولمحنا في قصيدتي حسان الشام وعبد المالك همومًا ذاتية مفرطة، خرجت بهما عن الموضوعية، والهم الجماعي الذي تعانيه.

 ومن منطلق أخوي رائده النصح نقول: بالنسبة لإحكام النظم لا بد من القراءة الدائمة في دواوين الشعر مع قراءة بعض الكتب في العروض، مثل كتاب «ميزان الذهب» للسيد أحمد الهاشمي، أو «العروض الواضح» للدكتور ممدوح حقي، وأهلا دائمًا بالأخوة جميعا والسلام.

نشرت المجتمع في عددها (٥٦٥) قصيدة للأخت أمينة قطب، كانت قد وجهتها إلى زوجها الشهيد كمال السنانيري - رحمه الله -، وقد أثارت القصيدة مشاعر الأخ رضا بوصبيع من جامعة باتنة بالجزائر، فكان الصدى هذه الأبيات الطيبة:

أختاه

أختاه يعوزني البيان وقد خبت فيَّ الدماء

أبت القوافي نجدتي وقد استمعت إلى النداء

 نفسي أعزي أم أعزي أختنا؟. لمن العزاء؟

هذا أبونا في الجهاد وفي الشدائد والبلاء 

فمصابنا ومصابها سيان قد ملأ الفضاء

لبيك يا أختاه إنا كلنا جند الفداء 

وسيعرف الأقزام أنا لا يزعزعنا اللقاء

مهما طغوا وتجبروا فمصيرهم حتما فناء 

سنخوضها شعواء عنهم تترك الباغي هباء

ونريهم أن الشدائد قد تزيد لنا مضاء

 وسيعلمون غدا بأن الله ينصر من يشاء

لا تحزني أختاه عنه فإنه لبى النداء

 في دار خلد ليس فيها من ينافق في غباء

فالله للمظلوم في الظلماء يصغي للدعاء 

إنا عيال الله يا أختاه... هل نخشى الفناء؟!

فاستبشري خيرًا فإن الله يجزل في العطاء

 ولنحتسب عند الإله مصابنا والابتلاء

رضا بوصبيع - الجزائر

تداعيات

للأخ: مصطفى الحموي 

جلست وقد هجع الغافلون

 وكيف استبد بنا الظالمون

 فخلت اللواعج بين الجفون

 وضاق الفؤاد بما يكتم

 نساء تجود بأولادها 

وجند تجود بأكبادها

 وتغدو الطيور بأجسادها

 وفي كل منزلة مأتم

 أمن أجل أن يسلم الواحد 

ويزرع أولاده الوالد

 أمور يحار بها الناقد

 وسيقت إلى النطع سوق الغنم 

وكل امرئ لم يمت بالخدم

 فما حرك الضيم فيها الشمم 

فلا الكاسرات ولا الضيغم

أفكر في أمسنا والغد

وجاروا على الشيخ والأمرد

وإن جهنم في مرقدي

فأرسلت العين مدرارها

على الموت والموت لا يرحم

على الأرض والأرض لا تعلم

فإن عطشت فالشراب الدم

تشق بها الفيد أزرارها

تطل الدماء وتفنى الألوف

لتحصدهم شفرات السيوف

وتدمي فؤاد اللبيب الحصيف

مغاويرها ورجال الأدب

فقد قتلوه بسيف الغلب

ولا رؤية الدم فيها الغضب

ولا الشاة تمدح جزارها

الرابط المختصر :