العنوان أدب: العدد 713
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1985
مشاهدات 103
نشر في العدد 713
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 16-أبريل-1985
محطة:
شيطان من يستظهر خطب الرؤساء، ولا يحفظ حتى «الصمديه»؟!
ويلملم أشتاتًا من صحف الزيف، ويجعلها دستورًا للأبناء،
للجيل المنكوب المغلوب على أمره.
شيطان من يغفو، والطوفان يزمجر.
مجنونًا في يده أزرار نووية.
أين المهرب؟
شيطان من يهرب.
شيطان من يرضى بهوان.
شيطان، شيطان، شيطان.
د. الكيلاني.
حسرة وندم في المشيب : حسين النجمي
أقمت بعد مشيب الشعر تنتحب *** وقد قضيت شبابًا كله لعب
أما علمت بأن العمر منصرم *** وأن للعبد نحو الله منقلب
أما فطنت بأن الموت منتظر *** وأنه كل يوم منك يقترب
وأنه في غد يأتيك ممتثلًا *** أمر الآلة وهل من أمره هرب؟
ما شغل الفكر في الأكوان معتبرًا *** فسوف يأتيك من أحكامها العجب
وأشغل النفس بالتقوى فإن لها *** أجرًا عظيمًا لدى الرحمن يحتسب
وإن تفاخر أقوام بنسبتهم *** وحقروك وقالوا إنهم عرب
فقل لهم أقصروا في فخركم فأنا *** لملة الحق والإسلام أنتسب
وأنني في اتباع الحق مفخرتي *** ومن كتاب الهدى للحق أكتسب
وقد رأت في الهدى روحي سعادتها *** إن السعادة لا يأتي بها النشب
وأن من حرموا الإيمان قد خسروا *** أجسادهم بشر لكنهم خشب
وإنني سأعيش العمر مجتهدًا *** أدعو إلى الله في الأقطار أغترب
قصة قصيرة.
بين القصر والقلعة.
بقلم: محمد المحمود.
في الصباح الباكر من فجر يوم الخميس ۲۸ حزيران، وبالتحديد في تمام الساعة الثالثة وقبل طلوع الشمس- كانت العاصمة تغط في سباتها العميق، وكانت أنفاس الياسمين والأنداء المنبعثة من فروع (بردى) تتمازج وتتغلغل في حنايا الشوارع والأزقة، وفي أعماق المنازل والمباني الشاهقة.
في ذلك الصباح الصيفي الندي كانت هناك حركة غير عادية، ويقظة شديدة في عدد من المؤسسات: القصر، مبنى المخابرات العامة، سجن المزة، سجن القلعة، وللفائدة كانت هذه المؤسسات مع عدد آخر من المؤسسات الأمنية المشابهة لا تعرف النوم منذ أشهر عدة، لكنها في هذا الصباح تشهد تطورًا لم تعهده من قبل.
كان ساكن القصر على طرف الخط الساهر في تلك الليلة، وكان الدكتور حسين خلوف وكوكبة من إخوانه المعتقلين على الطرف الثاني من ذلك الخط.
ساكن القصر يروح ويغدو بين الهاتف واللاسلكي، ومن حوله الأعوان والمساعدون يصدر الأوامر والتعميمات، أما كوكبة المعتقلين فقد كانت تجمع من زنزانات سجن المزة، وتشد على أيدي أفرادها القيود والسلاسل، وعلى رؤوسها عصابات القماش والمطاط، لمنعها من رؤية الطرق والأمكنة التي سوف تمر بها من أعماق سجن المزة إلى الساحة الداخلية الحصينة من سجن القلعة مرورًا بشارع المزة، وكيوان، وبرامكة، وجسر الحرية (فكتوريا)، وساحة المرجة، وشارع السنجقدار فالقلعة التاريخية المطلة على سوق الحميدية، وجامع بن أمية، وضريح صلاح الدين الأيوبي.
- نحن الآن نمر في ساحة المرجة، سيدي.
سمع ساكن القصر الجمهوري هذه العبارات من جهاز اللاسلكي، فهز رأسه وتذكر أن هذه الساحة قد شهدت إعدام شهداء السادس من آيار على يد الطاغية جمال باشا، كما شهدت إعدام عدد من أحرار بلاد الشام في العهد الفرنسي البائد، فابتسم ساكن القصر لهذه الذكريات، ولم يشأ أن يطردها بمرسوم جمهوري، ولعله لا يستطيع ذلك.
- نحن الآن أمام جامع السنجقدار، سيدي، المصلون بدأوا يتوافدون لصلاة الفجر، قال ساكن القصر في نفسه:
- إذن مازال الناس يصلون، فما فائدة المراسيم الجمهورية؟
قطب جبينه حزنًا، أرهف سمعه، اقترب من جهاز اللاسلكي:
- نحن ذاهبون إلى الإعدام يا شباب ألا تفرحون بلقاء الله؟
- يا مرحبًا بلقاء الله يا أبا علي، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال ساكن القصر:
- أنا وحدي أسمع أصوات أربعة عشر منهم، يكبرون ويهللون، ماذا يفيدهم؟
- خسئت يا ساكن القصر، (قالت الملائكة، والياسمين، وأنداء فروع بردی التي عبقت في سماء العاصمة الفيحاء، وتغلغلت في شرايين الوجود والأحياء.
قال الدكتور حسين في نفسه:
- يا عاصمة الأمويين ودار الأيوبيين، نحن على العهد، فكيف أنت؟ يا جامع السنجقدار، أيها الصديق العزيز، هل تذكر ليالي رمضان التي أمضيتها في رحابك أيام الدراسة الجامعية؟ وهل تذكر زيارة والدي العجوزين حينما وصلا من مدينة أبي الفداء في أواخر الليل، وانتظرا صلاة الفجر في رحابك ريثما أحضر إلى صلاة الجماعة؟ إنك تذكرني بجامع السلطان في بلدة أبي الفداء، وبدروس أستاذنا الشيخ محمد الحامد رحمه الله، يا شيخي الحبيب، ها أنا متوجه في طريقي إليك. لقد كنيتني أبا علي، وأنا شاب يافع، ولقد سميت ولدي عليًا إكرامًا لذكراك، وتقديرًا لجهودك التي أثمرت جيلًا مؤمنًا يتابع حمل الرسالة والأمانة، وآمل أن أكون عند حسن ظنك، وأن ألتقي بك في الفردوس الأعلى بجوار الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.
- سيدي الرئيس. نحن ندخل الآن من الباب الخارجي للقلعة إلى الساحة الأولى بالترتيب المتفق عليه. لا شيء غير عادي في الطريق.
قال ساكن القصر في نفسه:
- بالترتيب المتفق عليه: سيارات الحراسة الأمامية أولًا، ثم سيارة السجناء، ثم سيارات الحراسة الخلفية. لا شيء غير عادي، جيد. بعد قليل يكون ردنا على جريمة مدرسة المدفعية، «اختلطت في وجهه علامات الغضب والفرح»، صحيح هؤلاء لا علاقة لهم بالجريمة، لكن لا بد من إرهاب الناس. هذه المجموعة مناسبة للتعبير عن تهديد عام لكل من تسول له نفسه بشيء فيهم الأطباء والمهندسون والطلاب والعمال، «رفع صوته ليسمعه الحاضرون»: هل نقل حسن سلامة إلى حقل عرطوز العسكري؟
- نعم سيدي. نحن الآن في حقل عرطوز في وضع الاستعداد لتنفيذ الحكم.
جاء هذا الجواب من قناة أخرى في جهاز اللاسلكي.
أمسك ساكن القصر ملف المحكوم عليهم الخمسة عشر، وتوقف عند ملف الدكتور حسين خلوف:
ولد عام ١٩٤٣ في حي البارودية من مدينة أبي الغداء، تربى في أسرة متوسطة الحال. درس المراحل التعليمية في بلدته حتى نال الشهادة الثانوية عام ١٩٦٢، التحق بدار المعلمين الابتدائية مؤقتًا إلى أن ظهرت نتائج القبول في كلية الطب، فانتسب إلى كلية طب الأسنان في العاصمة، ثم تخرج فيها عام ١٩٦٧. ثم أدى الخدمة العسكرية وبعد انتهائه منها استقر في مدينته حتى تاريخ اعتقاله يوم الخميس في ١٢/٤/١٩٧٩.
قال ساكن القصر:
- أليست مناسبة جيدة أن ننفذ فيه الحكم أيضًا يوم الخميس؟
«وابتسم ابتسامة. تابع الملف»:
- كانت له أثناء دراسته الجامعية جلسة روحية يوم الجمعة بعد صلاة الفجر مع مجموعة من زملاء الجامعة وأبناء مدينته.
قال ساكن القصر:
- وها نحن نصنع له جلسة روحية هنا تذكره بجلساته السابقة فيها!
قالت الملائكة ومآذن المساجد وأرواح الياسمين وأنفاس بردی:
- كذبت يا ساكن القصر...., و..
أحس الدكتور حسين أنه قد اقترب أكثر من لقاء شيخه محمد الحامد، ورنت في أذنيه من جديد كلماته تقول:
«وطدوا عزمكم -أيها الطلاب- أن يحمل كل منكم الإسلام، ويدعو له، ولو بقي وحيدًا في الدنيا، وكفر الناس، عضوا عليه بالنواجذ، ولا يؤتين الإسلام من قبلكم».
قال جهاز اللاسلكي في القصر الجمهوري:
- سيدي الآن تتخذ الإجراءات للتأكد من هوية المحكومين، وتحضيرهم لتنفيذ الحكم، لقد طلبوا السماح لهم بالوضوء لأداء الصلاة، فرفضنا طلبهم.
قالت أحجار القلعة في العاصمة.
- نحن نشهد أن أربعة عشر شابًا قد تيمموا وأدوا صلاتهم بخشوع واطمئنان، ونشهد أن ساكن القصر هو الخصم والحكم. وأن هذه المدينة قد فتحت صفحة جديدة في تاريخها الحديث.
وقالت غرفة في سجن القلعة تطل على الباحة الداخلية حيث نصبت أعواد المشانق لهؤلاء الشباب الأربعة عشر، وهي الغرفة التي توفي فيها الإمام ابن تيمية:
- أنا أشهد أن هؤلاء الشباب هم على طريق ابن تيمية الإمام المجاهد.
عاد ساكن القصر إلى ملف الدكتور حسين فقرأ:
متزوج وله ثلاثة أولاد، بنتان وصبي، ووالداه ما زالا على قيد الحياة. أخوه الأكبر متوار عن الأنظار، تلاحقه عناصرنا الأمنية، وأخواه الآخران معتقلان
رهينتان بسبب الأخ الفار، لذلك يقوم الدكتور حسين بالإنفاق على أقاربه الذين يزيد عددهم على عشرين فردًا، وعلى عدد من الأسر الفقيرة وأصحاب الحاجة.
تذكر ساكن القصر الجمهوري محاكمة الدكتور حسين التي عرضت على مشاهدي التلفزيون، قال له القاضي:
- هل كنت تأخذ الأموال من «التنظيم»؟
أجاب الدكتور حسين بل كنت أدفع اشتراكًا شهريًا قدره ثلاثمائة ليرة سورية: وعندما سأله:
هل تطلب استرحام المحكمة؟
أجاب:
- لا، بل أطلب الرحمة من الله عز وجل.
اقترب ساكن القصر من جهاز اللاسلكي، وأرهف السمع:
-الله أكبر، والنصر للإسلام.
كان ذلك هتاف الدكتور حسين بعد سماع نص حكم الإعدام، فردد معه إخوانه الثلاثة عشر:
- الله أكبر والنصر للإسلام.
كما ردد المعتقلون المحشورون في زنزانات سجن القلعة، وهم بالمئات، بصوت مجلجل واحد الله أكبر والنصر للإسلام الله أكبر والنصر للإسلام.
- سيدي!! سيدي! لا يهم، لا يهم هتاف المحكومين، فكل شيء محسوب حسابه السيطرة كاملة على السجن والشوارع والمدينة.
كان أذان الفجر مازال يتردد في سماء العاصمة، ومازال ينبعث من كل المآذن في كل مساجد المدن السورية وأريافها الله أكبر الله أكبر.
مرة أخرى تساءل ساكن القصر:
- ما فائدة المراسيم الجمهورية إذًا؟!
نودي على الدكتور حسين خلوف، فعبقت ريح الشهادة في أنفه، وتذكر آخر حديث له مع أخ يشاركه في إقامة بناء فقال له: أرجو أن تقطع الحديث، فلا حاجة لي بالبناء، وأعلمك أنني لن أتوارى خوفًا من الاعتقال، بل سأتابع عملي، ولعل الله -عز وجل- يكتب لي الشهادة في سبيل الله ثم تذكر آخر لقاء مع أمه وأبیه وزوجته وأولاده، وهو يقول لهم: تودعوا مني، فإني أحس أن أمنيتي قد قربت.
أجفل ساكن القصر هتاف عالٍ صك أذنيه، فتراجع قليلًا إلى الخلف:
-الله أكبر. الآن نلقى الأحبة محمدًا وصحبه.
كان ذلك صوت الدكتور حسين وتجاوبت معه أصوات المحكوم عليهم بالإعدام، ثم أصوات المعتقلين بالمئات، وأصوات الملائكة، ورددت الأصداء جدران سجن القلعة وحجارته واحدة واحدة، وملأت الأصوات عنان السماء، وامتزجت بنداءات المآذن لصلاة الفجر الله أكبر الله أكبر. في ضفاف بردى إلى ضفاف العاصي. ومن عاصمة الأمويين والأيوبيين إلى عواصم العرب والمسلمين.
منتدى القراء
- يسعدنا أن نبتدئ هنا مع إخوتنا القراء ومنهم:
- الأخ أبو هادي/ يوغسلافيا.
قلت عما أرسلت أنه «محاولات شعرية» والمحاولة تعني البداية والتجربة، وما أرسلت كان كذلك، أما «شعرية» فوصف يعني أنه لا بد من حد أدنى للتجويد من ناحيتي العروض والنحو، ولك تحياتنا.
- وأرسل الأخ عبد الله سعيد الصفار من الرياض:
هذه الأبيات بمناسبة المجاعة التي تجتاح بعض الديار الإسلامية وهي بعنوان: مسلم جائع
مسلم جائع ومثلي كثير *** ويعيد الحياة فضل يسير
أین إخواننا الذين أضاعوا *** جل أموالهم وأين النصير
نحن في حومة المجاعة صرعى *** والأشقاء ليس فيهم ضمير
يتباكون والحقيقة أنا *** بغزير الدموع لا نستجير
غالنا الجوع فارتحلنا سراعا *** بعدما أمحلت وجف الغدير
وتركنا الديار نرجو سواها *** ليس إلا الهباء فيها يطير
بين موج السراب أو في ثنايا *** حمام للظامئين عسير
أسرتي في الطريق ماتت وأخرى *** مات منها قبل الوصول الصغير
من يعش عرضة الوباء سريعًا *** بعد جوع ذبابه لا يطير
كل أحلامنا فتات من العيش *** وماء وكسرة وحصير
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل