; الشعر الإسلامي المعاصر بين الأصالة والحداثة | مجلة المجتمع

العنوان الشعر الإسلامي المعاصر بين الأصالة والحداثة

الكاتب محمد هدى قاطرجي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1978

مشاهدات 104

نشر في العدد 407

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 08-أغسطس-1978

لم يقف الشاعر المسلم في العصر الحديث، شعره على شكل واحد من أشكال الفن الشعري، وإنما لون في أساليب الأداء، دون أن يأسر فنه تعصبًا لشكل أو تحيزًا لمبنى، وإذا برزت في قصائد هؤلاء الشعراء ملامح الحداثة الفنية، فذلك لم يكن على حساب أصالة الشاعر وقصيدته كما مر ذكره في العدد الماضي.

وبعد أن وقفنا في القسم الأول من هذا البحث على ملامح الأصالة وسمات الحداثة في القصيدة العمودية، يجمل بنا أن نقف على نموذج من الشعر الإسلامي الحر، اتخذ من التفعيلة أساسًا في بنائه العروضي. ويجدر الإشارة إلى أن هذا التيار في الشعر الإسلامي لم ينحرف في مسارب الفتنة بالتقليد الغربي، وإنما حافظ على سمات الشعر العربي القديم في شكله ومضمونه، ويطيب لي أن أسوق شاهدًا على ذلك أبيات للمجاهد الشهيد شكري مصطفى، من قصيدته: من قبل الطوفان، فعلى الرغم من اعتماد هذه القصيدة على التفعلية إلا أن موسيقى الشعر العربي تبرز فيها بروزًا واضحًا، حتى أن معظم سطورها كانت تشكل بيتًا من أربع تفعيلات على شاكلة البحور المجزوءة؛ حيث إن الشاعر لم يتمكن من الانعتاق الكلي عن التركيب القديم للموسيقى العروضية، يقول:

في أرض الهجرة يا صاحبي طهر وسلام

وعبادة صدق وخشوع بين الآكام..

وفرار من سخف الدنيا.. ومن الآثام

وحكومة عدل وأمان

وواضح أن المحتوى الفكري لهذه الأبيات صادر عن عقيدة المسلم الملتزم، وقد وفق الشاعر في التعبير عنها ضمن أبياته ذات الشكل القديم الحديث، واللفظ السهل الواضح المنساب ضمن السطور الملتحمة في وحدة الشكل والمضمون، وأن أصالة شكري مصطفى الشعرية لم تمنعه من التوسل في التعبير بالشعر الحر، وهذا لا يعني أنه يحمل رؤية ثورية في الفن، فالشعر عنده وسيلة للتعبير عن الوجدان والعقيدة قبل أن يكون ثورة على الأطر والأشكال، وانظر معي إلى أنغامه المسلمة الحنونة الأصيلة التي اندفعت في هذا المقطع، ففيه يبرز وجدان الشاعر المصابر المكابر المصمم على خوض معركته مــــع الجاهلية، وتبرز الإيقاعات الشعرية التقليدية ضمن الشكل الحديث، يقول:

سجاني.. قيدي.. جلادي يا أولادي

بيتي المهجور من الدنيا.. الباكي يوم الأعياد

سجاني.. قيدي.. جلادي يا أولادي

قد بعث البيت المهجور

ونصيبي في الأرض البور

حتى أنتم يا أولادي

معركة الإسلام الكبرى

وأنا ولو أني في الأسرى

لم أسجد إلا لله

فليسجد من شاء ويركع

وليبحث الناس على أربع

الشاعر هنا مشدود بدوافعه الإسلامية إلى الجهاد والتصميم والارتباط بمستلزمات العقيدة، وفنه مشدود على رغم حداثته إلى موسيقى الشعر القديم وإيقاعاته، فذلك يتجاذبه القديم والحديث كما يلوح في المقطع التالي:

وكذا قبل الطوفان

أحبابي قبل الميزان

سأشيد في قلبي المسجد 

والحق وأركان المعبد

وسأبني في جسمي المجهد

صرح الإيمان

سأنور بالحق طريقي

إن شاء الله

وسأدهن بالصبر حروقي

إن شاء الله

وسأحمل زادي وعتادي

فالأرض الواسعة بلادي

الصورة تشخص المعاني التي ينبض بها قلب المسلم، وتحمل رؤية فنية تنم عن أصالة صاحبها، فهو يدهن حروقه بالصبر إذا لاحت في فكره الآية: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ (البقرة: 45)، واستخدام الشاعر لبعض الرموز مثل: الطوفان والميزان ضمن المعاني التقليدية، يشير إلى اتزان الرؤية الشعرية بين ما هو قديم وما هو حديث في الفن الشعري، وتبقى الموسيقى عنده تشد الأبيات الحديثة إلى القديم من خلال تردد القوافي الداخلية والخارجية: زادي وعتادي- جلادي يا أولادي- وحروقي طريقي. ويمكن لهذه العقيدة أن تكون مثلًا على رؤية الشاعر الإسلامي المتزنة، ومفهومه الفني الذي طبع بالجديد دون أن يتخلى عن تقاليده.

شهر الصيام في الشعر.

المسلم الصائم يظل مطوفًا في روحه الشفافة، محلقًا بإيمانه، يرقب قبول الرحمن، ومغفرته ورضوانه، وشعر الصائمين يعكس هذه الصورة الإيمانية الشفافة، فرمضان هو شهر التوبة لمن يرغب في متاب، وهو محطة مباركة للرجوع إلى الله، وقد صور أحد الشعراء هذا المعنى، حيث خاطب أصحاب الذنوب وذكرهم بالعودة إلى الله والتوبة في هذا الشهر الكريم، فقال:

قل لأهل الذنوب والآثام             قابلوا بالمتاب شهر الصيام

إنه في الشهور شهر جليل        واجب حقه وكيد الزمام

وأقلوا الكلام فيه نهارًا             واقطعوا ليله بطول القيام

واطلبوا العفو من إله عظيم      ليس يخفى عليه فعل الآثام

وقد سما الشاعر في أبياته عندما أسبغ على الليل والنهار مفهومًا رمضانيًّا، فالنهار كما هو معلوم صيام عن الطعام والشراب والشهوة، واشتغال بذكر الله الذي يتطلب قلة الكلام والهذر، أما الليل فله شأن آخر عند الشاعر.. إنه ليس للسهرات المسلية كما جرت عادات التسلية في رمضان، وإنما هو قيام في طاعة الله، وإحياء لسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وبذلك يلقى طلب العفو قبولًا عند الإله العظيم، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

ولهذا السلوك شأن عظيم، فهو حصن للمسلم من النار، وأمان الخائفين من عذاب الله، الذين يخشون مما فرطت أيديهم قبل التوبة ومبتغاهم في هذا الشهر الكريم رضوان الله سبحانه، والطمع بجنته وما فيها من نعيم مقيم، هذا ما عبر عنه شاعر آخر وهو صائم:

الصوم جنة أقوام من النار           والصوم حصن لمن يخشى من النار

والصوم ستر لأهل الخير كلهم      الخائفين من الأوزار والعار

والشهر شهر إله العرش من به     رب رحيم لثقل الوزر ستار

قد صام فيه رجال يريحون به       ثوابهم من عظيم الشان عفار

فأصبحوا في جنان الخلد قد نزلوا   من بين حور وأشجار وأنهار

الرابط المختصر :