; أدب الرحلات | مجلة المجتمع

العنوان أدب الرحلات

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1993

مشاهدات 108

نشر في العدد 1044

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 06-أبريل-1993

: دعوة للعودة إلى تراث الرحالة المسلمين الأوائل (كابن جبير والبيروني) في العلوم التطبيقية والجغرافيا، لتجاوز الانهزامية الفكرية المعاصرة وإحياء منهج التربية الشاملة بالتعرف على عوالم الأرض.

كنا نحن أبناء الإسلام وما زلنا نتعرف على أمجادنا الحضارية وتاريخنا الزاخر وتراثنا الفكري الثري بتتبع كتابات ومؤلفات السلف الصالح في العقائد والفقه والحديث والرحلة في طلبه، وإن كانت هذه النظرة الضيقة والمحدودة قد تجني على الحضارة والفكر وتطمس جانبًا أو جوانب مهمة من إنجازات السلف الصالح رضوان الله عليهم، الذين لهم في كل غنيمة سهم.

إن بداية الانحراف الفكري لدى أجيالنا الحاضرة من أبناء الإسلام بدأت ليس من قلة ما ينشر ويتداول من كتب التفسير والحديث والفقه وأصوله، وإنما من الانهزامية أمام إنجازات الغرب المادية حيث يشعر هؤلاء أن دين الإسلام لا يدعو للتقدم والمدنية والاستفادة من المنجزات المباشرة من تراث المسلمين الزاخر في العلوم التطبيقية التي كانت تدرس في جامعات الأندلس وغيرها.

وموضوعنا الذي نحن بصدده هو «أدب الرحلات» وهو ما نحن بحاجة إليه في واقعنا المعاصر اقتداء بأولئك السلف الذين بلغوا آفاقًا واسعة وتركوا آثارًا بالغة المدى في هذا المجال، استمدوا ذلك من رغبتهم الصادقة في نشر الدعوة والجهاد في سبيل الله، ومن ترامي أطراف ممالكهم الواسعة من خلال الفتح الإسلامي، والرحلة في طلب العلم، فعرفوا لذلك علوم النجوم وسير الكواكب والأجرام السماوية ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، وسجلوا ملاحظاتهم الدقيقة خلال الترحال في فجاج الصحراء المترامية الأطراف أو قمم الجبال وعميق الوديان، وتيسر لهم التعرف على طبائع النبات والحيوان والإنسان على السواء، فسجلوا كل ذلك في أشعارهم ونثرهم وأخبارهم، إضافة إلى الباعث العظيم على الرحلة إلى بيت الله الحرام فريضة على من استطاع إليه سبيلًا، أن يأتوا إليه مندفعين صوب جزيرة العرب، ففيض من القُصّاد لا ينقطع على مر الزمان من كل فج عميق، مما يتيح للعالم الإسلامي التلاقي وتبادل الرأي والخبرة، ويهيئ فرصًا واسعة لتبادل الآراء وحكاية تجارب السفر وما مروا به من بيئات اجتماعية وطبيعية متباينة، فلو نظرنا في رحلة ابن جبير والرحلة المغربية للعبدري وابن رشيد وما دوّنوا من ملاحظات وما تكبدوا من مشاق في سبيل الحصول على معلومات متعددة الألوان، لوجدنا العجب العجاب.

ولمعرفة الطرق نشأت الحاجة إلى كتب المسالك والممالك لابن حوقل والاصطخري وغيرهم، إضافة الى رجال عديدين قطعوا السنين يجوبون العالم الإسلامي ومنهم من زار المناطق النائية غير الإسلامية، وكل هؤلاء أودعوا خلاصة تجاربهم ورحلاتهم في كتبهم القيمة مثل المسعودي في مروج الذهب ومعادن الجوهر والمقدسي والإدريسي. ومن ذلك كتب أُلفت في وصف بلاد معينة بدقة بالغة متناهية كتاريخ بغداد للخطيب البغدادي وتاريخ دمشق لابن عساكر وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي، وتميزت مثل هذه التقارير والمشاهدات بالوصفية الدقيقة والمعلومات الطبوغرافية، فمثلا نجد في وصف أوروبا الشمالية وسيبيريا والفولجا وبولندا واسكندنافيا وألمانيا موجودة في معجم البلدان لياقوت الحموي والبيروني، ووصف إفريقيا وسواحلها الشرقية والشمالية والجنوبية والغربية، في معجم ياقوت أيضًا والإدريسي في نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مما يثير إعجاب الجغرافيين المعاصرين في دقته واستيعابه.

أما التخوم الصينية وآسيا الوسطى والجنوبية فنجدها في كتب الجيهاني والجرديزي والبلخي والبيروني في زين الأخبار وحدود العالم، حيث اجتاز مشاهير الرحالة معظم تلك الجهات وخلفوا لنا أوصافًا نافعة ذات جوانب متعددة، وفاقت رواياتهم القيمة ما يبالغ به الغرب عن ماركو بولو، وكتب رشيد الدين كتابه الضخم جامع التواريخ عن الصين والهند وأوروبا وصور الأقاليم، حيث اعتمدت الخريطة الصينية على علم الجغرافيين والرحالة المسلمين، ولو نظرت في ما كتبه ابن حوقل والمسعودي عن مكران والسند وما كتبه الاصطخري والمقدسي عن الهند والبيروني في كتابه الحافل عن الهند وابن بطوطة والإدريسي من معلومات وافرة، أدركت ذلك الاهتمام والتقصي.

فمثلًا نجد الكلبي منذ القرن الثالث صنف كتاب البلدان الكبير والصغير والأقاليم والحسن الهمداني في وصف جزيرة العرب وأبي الأشعث الكندي في جبال تهامة والخوارزمي في كتابه صورة الأرض والكندي في رسم المعمور من الأرض والمسالك والممالك لابن خرداذبة والبلدان لليعقوبي والمسالك للمروزي وفتوح البلدان للبلاذري وابن الفقيه، والأعلاق النفيسة لابن رسته، وابن فضلان الذي قابل ملك البلغار وزار إقليم الفولجا، وقدامة بن جعفر في طرق البريد، وأبو دلف الذي زار كشمير وكابل وسواحل مليبار في الهند وسجل ذلك في عجائب البلدان... إلخ.

وقد استطردت كثيرًا ولدي الكثير عن هؤلاء العظام وما أنجزوه وسنوه من سنن حسنة لشباب الإسلام المعاصرين، الذين عليهم الإسلام ينتشر ويزداد، وما ظهر الإسلام في جزائر الفلبين وأمريكا الشمالية والجنوبية وأدغال إفريقيا إلا بجهودهم، وتجشموا المشاق وتحملوا العناء لنشر الدين.

فما أحوجنا أن نتعرف على عوالم الأرض وأنماط البشر ونكتشف قرى الصحراء ونجوب المناطق النائية والجبال، ونشاهد حقائق الوجود من وحش ونبات في بيئتها الفطرية، ونتخلى عن سياحة المترفين الذين لا يعرفون إلا الطائرات والفنادق ويزعمون أنهم زاروا البلاد والتقوا بأهلها دون المرور بجميع مدنها وقراها وآثارها ومساجدها وعجائب خلق الله فيها، إن مثل هذه الزيارات والرحلات منهج متكامل للتربية تؤثر بصماته على حياة الإنسان وتجعله إنسانًا حقًا.

وفي مذكرات شكيب أرسلان في حاضر العالم الإسلامي وما دونه الصواف في رحلاته والندوي في مذكراته والعبودي في تجولاته الواسعة، عبرة للمعتبر والمتفكر والمستفيد.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل