العنوان أخي الصائم: القرآن والصيام يشفعان لك
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1983
مشاهدات 58
نشر في العدد 627
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 28-يونيو-1983
الشفيعان
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان
للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول
القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فيشفعان»[1].
في رمضان يختل نظام الفرد، فما كان ينام في الساعة العاشرة
ليلًا في غير رمضان يتغير موعد نومه في رمضان؛ ليكون تارة الثانية عشرة وأخرى
الواحدة، وكثير من الأمسيات بعد صلاة الفجر، ومرة يصحو للسحور وأخرى لا يصحو لغلبة
النعاس عليه، وإذا ما تذكر جرى ألوف من الناس يوم الحشر للأنبياء يسألون كل واحد
منهم، ألا ترى ما فينا؟ ألا ترى ما أصابنا؟ ألا تشفع لنا عند الله؟ فيرد عليهم ذلك
النبي، إن الله قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب مثله بعده، نفسي
نفسي، اذهبوا للنبي فلان، وهكذا ينتقلون من نبي إلى نبي في يوم عصيب، يكاد العطش
يقطع أمعاءهم، وهم يفقدون الأمر تارة بعد أخرى؛ حتى يصلوا إلى الحبيب محمد صلى
الله عليه وسلم، فيذهب ويخر تحت العرش، ويقول: أمتي أمتي، فيشفعه الله فيما شاء من
العباد.
ولكن يبقى هناك شفعاء غير الرسول صلى الله عليه وسلم، منهم
الشهداء، وكذلك القرآن، يأتي مجسدًا ينطق ويجادل عن صاحبه الذي كان يقرأه ويتدبره
ويعمل به ويحتكم إليه، فيقول لله: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، ثم يأتي الشفيع
الآخر الصيام ويقول: أي رب، منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، فيشفعان، عندما
يتذكر المرء ذلك، يهون عليه ما يلاقي من عطش وجوع وكبت للشهوة، ويهون عليه اختلال
نظامه اليومي وقلة نومه وسهره، مقابل هذه الشفاعة التي يبحث الناس عنها يوم
القيامة.
صِدّيق وشهيد
الصِّديق ذلك الإنسان الذي ارتقى أعلى درجات الصدق، ولذلك استحق
هذا اللقب أبوبكر رضي الله عنه الذي جاء له كفار قريش بعد حادثة الإسراء؛ ليشككوه
بما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة، فقال: إني لأصدقه في خبر السماء
بكرة وعشية، أفلا أصدقه في بيت المقدس.
ومنزلة الشهيد هي من أعلى المنازل عند الله، ذلك أنه يقدم أغلى
ما يملك لله سبحانه وتعالى وفي سبيله وهي نفسه، تذبح من أجل الله؛ لذلك أكرمه
الله، وجعله في أعلى المنازل، وأعطاه سبع خصال ليس لغيره منها، أن يغفر له في أول
دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج اثنين وسبعين زوجة من
الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج
الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته..
هذه المنزلة العظيمة يكون الصائم القائم في ليالي رمضان بمنزلة الشهداء والصديقين.
فعن عمر بن مرة الجهني رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت
الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان، وقمته، فمن أنا؟ قال: من الصديقين
والشهداء» [2]
الأشداق المشققة
عن أبي أمامه الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: «بينما أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلًا
وعرًا، فقال: اصعد. فقلت: إني لا أطيقه. فقالك: إنا سنسهله لك. فصعدت، حتى إذا كنت
في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة. قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار.
ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا.
قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم»([3]).
ذلك عذاب من يفطر في رمضان من غير عذر، ما أشده من عذاب وما
أكبرها من فضيحة، مقابل ذلك الإكرام العظيم لمن يصوم رمضان إيمانًا واحتسابًا
متحملًا كل ما فيه من مكاره، فهذا يشرب شربة بفمه لا يظمأ بعدها أبدًا، وذلك يظل
معلقًا تسيل من شدقه الدماء.
________________________
([1])
رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله محتج بهم في الصحيح.
([2])
رواه البزار وابن خزيمة. وصححه الألباني (صحيح الترهيب والترغيب)
رقم 993.
([3])
رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما- وصححه الألباني (صحيح
الترهيب والترغيب) رقم 995.