; أخيرًا.. مبارك فتح باب التعديل الدستوري!! | مجلة المجتمع

العنوان أخيرًا.. مبارك فتح باب التعديل الدستوري!!

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 05-مارس-2005

مشاهدات 117

نشر في العدد 1641

نشر في الصفحة 18

السبت 05-مارس-2005

  • خطوة مهمة لو توافرت لها الضمانات.. وأزيلت من أمامها الحواجز التي يمكن أن تفرغها من مضمونها. 

تقدم الرئيس المصري حسني مبارك يوم السادس والعشرين من فبراير الماضي -على نحو مفاجئ -إلى مجلسي الشعب والشورى «غرفتي البرلمان» بطلب إجراء تعديل دستوري بشأن طريقة اختيار رئيس الجمهورية؛ ليزداد الجدل اشتعالًا في مصر حول قضايا الإصلاح السياسي والدستوري.
ويدور النقاش منذ فترة ليست بالقصيرة حول الحاجة إلى تعديل الدستور المصري ليواكب المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها مصر منذ أكثر من عقدين من الزمان، والتي أدت إلى أن أصبح الواقع المعيش يتناقض بشكل واضح مع بعض مواد الدستور غير أن الرئيس مبارك كان يرفض باستمرار أي مساس بالدستور -واستعر النقاش في العامين الأخيرين على وجه الخصوص بعد الدعوات المتكررة التي أطلقتها واشنطن لإحداث إصلاح سياسي ديمقراطي في مصر وفي عدد من دول المنطقة، ومع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي في أكتوبر المقبل.
والغريب أن تأتي الخطوة الرئاسية بعد أن أعلن «توافق» عدد من أحزاب المعارضة على قبول تأجيل المطالبة بتعديل الدستور إلى ما بعد الاستفتاء على مرشح الرئاسة حسب النظام القديم.
ووفق نص الدستور الحالي، يتم اختيار رئيس الجمهورية على مرحلتين؛ تبدأ المرحلة الأولى بإقرار مجلس الشعب بأغلبية الثلثين لشخص مرشح واحد. هو في العادة الرئيس مبارك كما جرى في الدورات الأربع السابقة، ثم يطرح هذا الاختيار للاستفتاء الشعبي، حيث يصوت الناخبون بنعم أو لا على شخص واحد فقط، بید أن التعديل المقترح يفتح -الباب في حال إقراره -أمام انتخابات رئاسية يشارك فيها أكثر من شخص.
وفي خطاب له بمحافظة المنوفية مسقط رأسه، أعلن الرئيس مبارك أنه أحال لمجلس الشعب طلب تعديل المادة ٧٦ من الدستور وإضافة المادة ۱۹۲ مكرر، ليتم انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السرِّي المباشر من جميع أفراد الشعب الذين لهم حق الانتخاب، مع تحقيق الضمانات التي تكفل تقدم أكثر من مرشح إلى الشعب ليفاضل بينهم ويختار منهم بإرادته الحرة، وتشكيل لجنة عُليا مستقلة ومحايدة للإشراف على العملية الانتخابية.
غير أن خطاب الرئيس تضمن بندين آخرين ضمن ما أسماه بالمبادئ الأساسية التي يراها كفيلة بتحقيق الغرض من التعديل، هذان البندان يمكن أن يمثلا قيدًا يفرغ التعديل من محتواه، إذا واصل «ترزية القوانين» تفصيل التعديلات على النهج الذي سبق أن قاموا به مرارًا وتكرارًا. أما البند الأول فهو: «كفالة الوسائل اللازمة لضمان جِدِّية الترشح للرئاسة ومن ذلك أن يحصل من يرغب في الترشيح على تأييد من ممثلي الشعب المنتخبين في المؤسسات الدستورية وفي المجالس الشعبية المحلية».
فقد تتحول وسائل ضمان جدية الترشح إلى شروط تعجيزية في ظل الواقع الراهن، فالحزب الحاكم يسيطر بأغلبية كبيرة على مقاعد مجلس الشعب، ولا يملك أي من أحزاب المعارضة مقاعد تزيد على أصابع اليد الواحدة، وأكبر كتلة منظمة وهي كتلة نواب الإخوان المسلمين تقلص عددها إلى ١٥ نائبًا، فماذا لو اشترط التعديل الدستوري حصول المرشح على دعم ٥٠ نائبًا وهي نسبة ليست كبيرة قياسًا على عدد أعضاء مجلس الشعب، ولكنها تمثل شرطًا تعجيزيًّا بالنسبة للوضع الراهن؟ أما المجالس المحلية فتكاد تكون حِكرًا على الحزب الحاكم ولا تملك أحزاب المعارضة فيها شروى نقير!!
وكيف يمكن لأي قوة سياسية الوجود داخل البرلمان بأغلبية مؤثرة تسمح بتقديم مرشح لرئاسة الجمهورية إذا استمرت عمليات تزوير الانتخابات العامة والمحلية التي تحُول دون وجود قوة أخرى سوى الحزب الحاكم؟ ومن هنا يمكن القول بأن التعديل الدستوري يظل غير مجد ولا فعَّال ما لم يقترن به إجراء انتخابات حرة ونزيهة وتحت إشراف قضائي كامل.
ويطلب البند الثاني: «إتاحة الفرصة للأحزاب السياسية لأن ترشح أحد قياداتها وفقًا للضوابط التي ترونها -أي مجلس الشعب -لخوض أول انتخابات رئاسية تُجرى في ضوء هذا التعديل. وهذه الإشارة قد تتحول إلى نص دستوري يحول دون تقدم مرشحين من خارج الأحزاب السياسية، ولعل المقصود بذلك الإخوان المسلمون والمستقلون، وهو أمر يتعارض مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين جميعًا.

المعارضة خطوة.. ولكن

ولذلك نجد أن المعارضة التي رحبت باقتراح تعديل الدستور اعتبرته في الوقت ذاته غير كافٍ، إذ طالبت جماعة الإخوان المسلمين باستكمال تغيير القوانين المقيدة للحريات، وإلغاء حالة الطوارئ المعمول بها منذ عام ١٩٨١م. في حين قال حسين عبد الرازق الأمين العام لحزب التجمع اليساري: إن المرشحين للرئاسة سيختارون عمليًّا من قِبَلِ الحزب الحاكم، لأن هذا الحزب هو الذي يسيطر على جميع المجالس النيابية في مصر.
وطالب جورج إسحق منسق الحركة المصرية من أجل التغيير بتعديل المادة (۷۷) من الدستور لتنص على انتخاب رئيس الجمهورية لولايتين متتاليتين بحد أقصى أربع سنوات لكل ولاية.

استعداد مسبق

وعلى الفور، وفي اليوم نفسه الذي تلقى فيه رئيس مجلس الشعب الطلب الرئاسي، شرع مجلسا الشعب والشورى في إجراءات تعديل الدستور، وقرر المجلسان بدء المناقشات في الطلب، وإعداد مشروع قانون بشأنه في غضون ١٥ يومًا، لكن د. فتحي سرور رئيس مجلس الشعب لم يتوقع صدور القانون قبل مضي شهرين ونصف الشهر، لأن الدستور المصري من الدساتير الجامدة وليس من الدساتير المرنة حسب قوله -ويتمشى تصريح سرور مع جدول الأعمال السابق لطلب التعديل، فقد سبق أن صرح كمال الشاذلي وزير شؤون مجلس الشعب وأمين التنظيم في الحزب الوطني الحاكم بأن المجلس سيسمِّي الرئيس مبارك في مايو المقبل مرشحًا للرئاسة، وأنه سيؤدي اليمين القانونية رئيسًا للجمهورية في سبتمبر.
وقد انتقدت أحزاب المعارضة هذا التصريح باعتباره يصادر المستقبل ويقرر ما هو آت دون أن يضع في الاعتبار رأي البرلمان ونتيجة الاستفتاء. 
ويتضح من سرعة تغطية الإعلام الحكومي للحدث أن أجهزة عدة كانت على علم مسبق بالأمر، وأنها قد استعدت له وجندت مختلف طاقاتها لإبرازه. والعجيب أن يتبارى الكثيرون من رموز الحكومة والحزب الحاكم لمدح المبادرة الرئاسية واعتبار يوم إعلانها يوم عرس ديمقراطي.. وأنها تحسِّن سمعة مصر في المحافل الدولية...إلخ، وينسى هؤلاء أنه إذا كان الأمر كذلك فماذا عن تأخر اتخاذ هذه الخطوة السنوات؟ ولماذا كانوا حتى الأمس من أشد مناهضي تعديل الدستور؟
وكانت المعارضة للتجديد للرئيس لفترة خامسة قد أخذت في التصاعد، ولجأ أحد تنظيماتها وهو «الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية» أي «كفى» إلى الشارع المصري، ونظمت مظاهرات في القاهرة تعارض التجديد للرئيس مبارك وترفض السعي لتوريث السلطة لابنه جمال.

مرشحون!

وقد أعلنت ثلاث شخصيات على الأقل عن رغبتها في منافسة الرئيس مبارك على المنصب وهم النائب السابق محمد فريد حسنين، ود. سعد الدين إبراهيم رئيس مركز ابن خلدون للدراسات والذي سبق محاكمته بتهمة تلقِّي أموال من الخارج، والكاتبة نوال السعداوي التي صادر الأزهر رواية لها منذ أيام لأنها تمس الدين، ولا يعدو الأمر أن يكون تحديًا رمزيًّا في موقعة غير متكافئة، كما دعت جماعة تطلق على نفسها اسم «الحركة الشعبية السلمية للإنقاذ» الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى لترشيح نفسه للرئاسة، معتبرة أن موسى يحظى بثقة المصريين. ولديه القدرة على إنقاذ مصر والعالم العربي من الأوضاع الراهنة. 
لكن هذه الحركة ليس لها وجود في الشارع ولا تعدو أن تكون أحد منتديات الإنترنت التي ينفث الشباب عبرها عن مكنونات أنفسهم.

هل تغير الموقف الأمريكي؟

من تداعيات أحداث سبتمبر ٢٠٠١م في نيويورك وواشنطن أن بدأ الضغط على مصر لإجراء إصلاحات سياسية، ولا يزال كثير من المراقبين يتشككون في جدية هذه الضغوط خاصة أنها لم تتجاوز التصريحات حتى الآن، وقد لجأ نظام الحكم المصري إلى محاولة كسب المعارضة إلى صفِّهِ ضد هذه الضغوط باللعب على وتر حساس، وهو رفض التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لمصر، ولكنه في الوقت نفسه لم يقدم شيئًا من جانبه ولم يستجب لمطالب المعارضة، وقدم نفسه للغرب على أنه الوحيد القادر على الحكم وأن البديل هو «بعبع» التيار الإسلامي الذي يطلقون عليه «التطرف والإرهاب».
وهناك وِجْهَتَا نظر فيما يتعلق بجدِّية الضغوط الأمريكية، الأولى ترى أن الأمريكان راغبون في استمرار الحال وغير جادين في طلب التغيير.
أما وجهة النظر الثانية، فترى أن الموقف الأمريكي قد تغير بشكل كبير بعد أحداث سبتمبر بعد أن اكتشفوا أن كلفة دعم الاستبداد عالية جدًّا، يدفعها الأمريكان من دمائهم وفي بلادهم وأنهم الآن جادون في طلب التغيير، وأنه حتى بالنسبة للعقبة الكؤود بالنسبة لهم، وهي احتمال أن تأتي الانتخابات بالإسلاميين إلى الحكم، فإن الأمريكان لا يعارضون تولِّي الإسلاميين للسلطة ضمن توافق معين يضمن مصالح الطرفين، ويستشهدون على ذلك بالموقف الأمريكي من حزب العدالة التركي، والائتلاف العراقي الموحد، الذي يضُم حزبين شيعيين إسلاميين، سيتولى زعيم أحدهما تشكيل الحكومة، بل إن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت صرحت أثناء زيارتها الأخيرة لمصر في يناير الماضي أمام أعضاء غرفة التجارة المصرية الأمريكية بالقاهرة بأنه لا مانع من نجاح الإخوان المسلمين في انتخابات حرة ونزيهة.. وأن يفوز، من يفوز مضيفة: «من قال إن الإسلاميين غير ديمقراطيين؟ إن تجربة تركيا نموذج مشجع». 
وفي إطار الضغوط الأمريكية، أجلت كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية زيارة لها لمصر، ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول كبير بوزارة الخارجية الأمريكية قوله إن: «الأمر يتعلق أكثر بمسألة إعطاء المصريين مزيدًا من الوقت للعمل بشأن قضايا الإصلاح الديمقراطي». 
وقد جاءت مبادرة تعديل الدستور بعد الإعلان عن تأجيل زيارة رايس!
من جانب آخر، ذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن مصر أجلت مؤتمرا لوزراء خارجية ثماني دول عربية لدعم التطور الديمقراطي كان مقررًا أن تستضيفه يوم ١٩ فبراير الماضي؛ ردًّا على ضغوط واشنطن المتزايدة لإطلاق سراح أيمن نور رئيس حزب «الغد»، المحبوس احتياطيًّا منذ يناير الماضي على ذمة اتهامات بتزوير توكيلات تأسيس الحزب.
أما الصحف الأمريكية فقد وصفت النظام المصري بـ «الدكتاتوري». 
وحين وقع ٥٠ خبيرًا ومفكرًا من المتخصصين في السياسة الخارجية والأمن القومي في الولايات المتحدة وأوروبا على ميثاق جديد يصوغ إستراتيجية موحدة للتعامل مع التحديات التي تواجه القوتين في مناطق العالم المختلفة، أشار الميثاق الذي جرى توقيعه السبت الماضي إلى أنه ينبغي أن «تؤكد واشنطن وأوروبا على أن تشجيع التطور السلمي المجتمعات ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان في الشرق الأوسط الكبير هو هدف إستراتيجي ومركزي في سياساتهما الخارجية؛ ولهذا فإن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ستقوم بإنشاء مؤسسة مستقلة للديمقراطية في الشرق الأوسط، وستقدمان معًا ۱۰۰ مليون دولار كل عام للسنوات الخمس القادمة لتغطية نفقات هذه المؤسسة».
وقدم الميثاق -الذي يتألف من ١١ صفحة، وصيغ في شكل اتفاقية بين الحكومات تمهيدًا للتوقيع عليها -مقترحات محددة للتعامل مع إمكانيات السلام والديمقراطية في الشرق الأوسط، علاوة على قضايا عربية ودولية أخرى. 
يبقى القول: إن مطالب الإصلاح تفوق ما أُعلن عنه.. وأن الشق الصغير الذي فُتح في باب التغيير يحتاج إلى توسعة وإلى ضمانات بألا توصد أبواب أخرى على طريق حق الشعوب في تقرير إرادتها واختيار من يمثلها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل