; أخطاء مناهج التعليم | مجلة المجتمع

العنوان أخطاء مناهج التعليم

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1985

مشاهدات 63

نشر في العدد 733

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 17-سبتمبر-1985

ما يردده الغربيون بأن الصحوة الإسلامية تشكل تهديدًا للعالم غير الإسلامي قول مردود بدليله وحجته

 

المسلمون يتطلعون في مطالع القرن الخامس عشر الهجري إلى جامعة تربوية إسلامية بدلًا عن الجامعة العلمانية.

 

 أولًا: أول أخطاء مناهج التعليم هو صدورها من فكر مادي وثني غربي، ذلك أن ما يطبق في البلاد العربية والإسلامية من مناهج توضع في كتب ومقررات هو مأخوذ أساسًا من معاهد التبشير والكليات اللاهوتية ومدارس الإرساليات، وهو من محصلات الفكر الغربي المسيحي النزعة اليوناني الأصل بمفاهيمه التربوية التي تختلف عن مفاهيم الإسلام أساسًا، ولا يلتقي معها إلا في أقل القليل، فهي أولًا لا تستجيب لحاجات الطالب الأساسية، ومتطلباته من عقيدة وسلوك وعرف مختلف، هناك حيث لا يعبأ بالعرض ولا بالعقائد ولا بالغيرة ولا بالبكارة وهذه الأشياء جميعها لا قيمة لها ولا اعتبار لها، بينما هي في مجتمعنا الإسلامي من صميم القيم الأخلاقية والاجتماعية وهذا ما يسمى "تناقض الأساس النفسي والاجتماعي".

 

ثانيًا: الازدواجية في النظم التعليمية: من حيث إدخال مناهج وأنظمة تختلف مع طبيعة المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية، وهي تمثل المجتمع الغربي وتحدياته وتجيب على تساؤلاته، ومن هنا دخلت مناهجنا ودراستنا مناهج وتصورات تتناقض مع الإسلام.

 

إن ما نتطلع إليه اليوم في مطالع القرن الخامس عشر الهجري، وبعد مائة سنة من النفوذ الأجنبي المسيطر على التعليم والقانون والاقتصاد نتطلع إلى الجامعة التربوية الإسلامية بدلًا للجامعة العلمانية في إطار قائم على:

 

- إعادة صياغة وتأسيس العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية في ظل النظرة الإسلامية الكلية للكون والحياة والإنسان.

 

- تقديم الأدب العربي المعاصر ونظرياته المتعددة في إطار إسلامي.

 

- عرض المشاكل المعاصرة في ضوء حلول الإسلام لها.

 

- ألا يوغل علم العقيدة في مناهج مدارس الكلام والمنطقيين والفلاسفة بل يدرسها في إطار عصرها وتحدياته.

 

- نقد الفلسفات القديمة والتيارات وتحدياته.

 

- وضع ضوابط للإفصاح على الثقافات العالمية للاستفادة من تجربة المجتمع الإسلامي الأول في مواجهة الحضارات العالمية.

 

- إعادة صياغة مناهج العلوم الاجتماعية من تاريخ واجتماع واقتصاد وسياسة وتربية وعلم نفس.

 

- تطوير نظرية تربوية إسلامية تتفق مع فهم الكتاب والسنة واستلهام تراث الفكر التربوي الإسلامي مع الإفادة من المعطيات السليمة للنظريات التربوية المعاصرة بعد صبغها بصبغة الإسلام.

 

وهذا الفصل الواضح بين مناهج المجتمع الإسلامي وبين مناهج الغرب ضرورة حتمية للحفاظ على الذاتية الإسلامية ووجهتها المنوط بها تبليغ رسالة الله تبارك وتعالى للعالمين، فإذا فقدت خصيصتها القائمة على التوحيد انهارت مهمتها، ونحن نعرف أن الروح المهيمنة على نتاج الغرب وحضارته بعيدة عن الإيمان بالله تبارك وتعالى ورسالاته.

 

وقد انطلقت النظريات الغربية التربوية من فلسفات مادية وتصورات علمانية ومعظم فلاسفتها من الماديين والعلمانيين، ونظرة إلى واقع المجتمعات الغربية تكفل الحكم على معطيات التربية الغربية: التحلل الخلقي، الإحساس بالضياع، الرغبة في العدم، تصاعد الجريمة، وتحدي القانون والعنف وشريعة الغاب في التعامل مع الآخرين.

 

لقد اعتبر «فرويد» أن الإنسان عبد للجنس الذي يتحكم في مشاعره وسلوكه ويكون محور نشاطه الخاص والعام، واعتبر «ماركس» الاقتصاد هو محور هذا النشاط وكلاهما يتأثر بنظرية دارون عند أصل الإنسان والتي تهبط به إلى الحيوانية، ولذلك فإن مشاعره وفكره وسلوكه كلها ترتبط بهذه النظرية فهو إما يدور حول محور الجنس أو محور الطعام، أما نظرة الإسلام ففيها تكريم الإنسان بوصفه مخلوقًا عاقلًا مكلفًا ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70).

 

كذلك فنحن مطالبون بصوغ النظرات الإسلامية في علم الاجتماع والاقتصاد واستواء التراث للوصول إلى المبادئ والنظريات التي سبقت نظريات الغرب وأمامنا:

 

سحنون: آداب المعلمين.

 

القالبي: الرسالة المفضلة لأحوال المعلمين.

 

الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع.

 

ابن جماعة: تدارك السامع والمتكلم.

 

فنظرية استغلال السلطات المنسوبة إلى «مونسيكو» في استغلال السلطة قد سبق إليها الإسلام قبل مونسيكو بأكثر من عشرة قرون، وتعيين القضاة واستقلالهم يتم من قبل الخليفة نفسه ولا يخضع لولاة الأمصار، ولم يكن الخليفة قادرًا بعد تعيينهم على التدخل في شئون القضاء وأحكام القضاة.

 

كذلك فنحن مطالبون بإعادة صياغة التاريخ الإسلامي والعالمي من منظور إسلامي، والإفادة من مناهج النقد التي ألفها رجال الحديث تحت عنوان "مصطلح الحديث"

 

فالمسلمون أمة لها تراث خصب يستطيع أن يشدها إلى ماضيها ويكسبها شخصية متميزة في حاضرها.

 

ونحن نعلم أن عصر الأحياء في الغرب سبق عصر النهضة، وبدأ في القرن الثاني عشر إلى القرن الخامس عشر، واستفاد الأوروبيون من منهج البحث التجريبي عن المسلمين، وقد أقر «برتراندرسل» بأن العرب كانوا سادة التجريب، ولكن لم يفطن إلى أنهم فعلوا تلك في إطار التصرف القرآني بدلًا من التنظير اليوناني حيث إن القرآن الكريم هو الذي لفت نظر المسلمين إلى الطبيعة وقواها الظاهرة والكامنة ودعاهم إلى الكشف عن أسرارها وقوانينها عن طريق: «الاختبار والتجريب» باستخدام العقل والحواس مبينًا أن الطبيعة مسخرة للإنسان الذي من واجبه التعرف على قوانينها والإفادة من تسخيرها له.

 

وكذلك صوغ النظريات الإسلامية في مجال الاجتماع والاقتصاد، وفي مجال الأدب فإن أبرز مفاهيم الأدب الإسلامي: التزامه بالحلال والحرام وعدم الاستسلام للعصر ودعوة العصر إلى الالتقاء بالحدود والضوابط حيث لا يخضع الأدب الإسلامي لقوانين وقواعد الأدب الغربي، وذلك لاختلاف الأطر والطرق، وهي هناك قائمة على فكرة مادية محدودة، وعلى هوى وظن فلا بد من التحرر من قيود المذاهب النقدية الغربية.

 

ثانيًا: التحديث في إطار الأصالة

 

إذا كانت التربية الإسلامية هي قضيتنا الأولى فإن قضيتنا الثانية هي: التحديث في إطار الأصالة:

 

إن هناك مغالطتين واضحتين ترددهما كتابات الغربيين حول الصحوة الإسلامية أولهما: إن هذه الصحوة الإسلامية تشكل تهديدًا للعالم غير الإسلامي وهو قول مردود بدليله وحجته.

 

الثانية: إن الإسلام والتحديث نقيضان لا يلتقيان، والواقع أن الإسلام قد دعا إلى أمرين دعاء متصلًا: التحديث والتقدم، ولكن مفهومه لهما يختلف عما يطمع في التغريب باحتواء المسلمين داخل الحضارة الغربية أو إخضاعهم لمفاهيم الغرب عن العلم والحضارة. والدعوة المرذولة التي تجري على ألسنة التغريبيين اليوم، هي أن هناك حضارة واحدة، وأن جميع المسلمين لن يقبلوا الانصهار في هذه الحضارة ويتقبلوا مفاهيمها الفكرية والثقافية مثل مفاهيمها المادية والعلمية، ولكن المسلمين يفرقون بين المعرفة وبين الثقافة، فالمعرفة عالمية والثقافة قومية، والمسلمون أمة عريقة لها منهج حياة ونظام مجتمع كامل متسق مرن، أعطاهم مختلف الإجابات والحلول لمشاكل السياسة والاجتماع والتربية هي التي تسمى أسلوب العيش فهم ليسوا في حاجة لنقل أسلوب آخر، أو اقتباسه أو الخضوع له، ولأن أسلوب عيشهم يقوم على عقيدة التوحيد والإخاء البشري والالتزام الخلقي فهو يختلف عن أسلوب عيش الغرب، ولكنهم في مجالي العلوم والمعرفة والمفاهيم المادية والتكنولوجيا يقبلون استقدام علوم الغرب ومعطياته ويصهرونها داخل بوتقة حضارتهم، فهم لا يخضعون لها، وإنما يصيرونها مواد خام يشكلونها في دائرة منهجهم العقدي والأخلاقي حتى تكون خاضعة لله تبارك وتعالى وموافقة لمنهجه في الحياة- وبذلك يقبل المسلمون التحديث دون تبعية بل يرى البعض أنه: لكي يتحقق التحديث لا بد من رفض التغريب، بل نزعم أنه بقدر الإصرار والنجاح في رفض التغريب يكون النجاح في تحقيق التحديث. وأمامنا تجربة اليابان الذي ظل الياباني فيها محتفظًا بحياته العائلية والاجتماعية وتقاليده، وهذا أبلغ رد على الذين يطلبون من طلاب التحديث ترك القيم التي ورثوها، إن الأمة التي تنظر أنها بحاجة إلى أن تتعلم أدب المائدة من عدوها هي أمة فقدت احترامها لنفسها ويستحيل عليها أن تحرز التفوق. ويقول جلال كشك الذي نقل عنه هذا النص: «التحديث»: هو امتلاك كل المعرفة التي يتفوق بها الغرب وإنتاج كل المعدات التي ينتجها الغرب، وكل ما تحتاجه أمة من الأمم لتحقيق هذا التحديث، هو إرادة قومية، ونظام صالح قادر على تعبئة هذه الإرادة وتوجيهها عن طريق التصنيع أو التحديث إذا كانت البلد مستقلة أو عن طريق تحرير الإرادة القومية عبر حرب التحرير الوطنية التي يتم التحديث خلالها، ولكن يشترط قبل ذلك أن تؤمن الأمة أن تخلفها هو ظاهرة عارضة وأن أصالتها تمكنها من تجاوز هذه المرحلة العارضة، أما «التغريب» فيبدأ من اقتناع الأمة الشرقية بأنها مختلفة في جوهرها، متخلفة في تاريخها وصميم تكوينها، ومن ثم فلابد من انسلاخها تمامًا على كل ما يربطها بما فيها ويميز ذاتها.

 

ويرمي التغريب إلى إعادة تشكيل المجتمع على الطراز الغربي من ناحية العادات والمظاهر السلوكية مع إبقائه متخلفًا عاجزًا عن إنتاج سلع الغرب، عاجزًا عن اكتساب معرفة الغرب، فإذا ما اكتسب بعض أفراده هذه المعرفة يجدون أنفسهم غرباء عاطلين عن العمل في مجتمعهم فيضطرون إلى النزوح إلى عالم المتفوقين، والمجتمع الذي تزدحم طرقاته بأفخر وأحدث السيارات المستوردة وتضم مدنه أفخم دور عرض الأفلام المستوردة، ويرتدي أهله أحدث المنسوجات المستوردة وعلى أحدث الموضات الغربية، ويثرثر مثقفوه في قاعات مكيفة بأجهزة أمريكية أوروبية مشاكل المجتمع العربي والأمة، ويملؤون صفحات من ورق مستورد يطبع بحبر مستورد وبآلات مستوردة، حول قضايا الوجودية ومسرح اللامعقول والجنس الجماعي، وتطور حركة الهيبة على بعد خطوات من كهوف مواطنيهم حيث البلهارسيا والكوليرا والتراخوما وكل تراكمات التخلف من القرن السابع عشر، وقد شهد الطرف الشرقي من آسيا «اليابان» نجاح سياسة التحديث و«التغريب» فإن الطرف الغربي شاهد النموذج المضاد تمامًا.

الرابط المختصر :