; أحياء فقه الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان أحياء فقه الدعوة

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1975

مشاهدات 83

نشر في العدد 238

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 25-فبراير-1975

فالحياة يطلبها الغيور طلبًا، ويجزع لورود الموت جزعًا، لما سيحول بينه وبين خدمة المسلمين والقيام بأمور دعوة الإسلام. وغدا هذا المفهوم، بهذا المقدار، يمثل الوجه الآخر للتربية الحركية الكابحة لانطلاق الآمال الدنيوية، يمارس الداعية خلال نظره المتكرر إليهما إيجابية تبعده عن يأس سلبي، وتزهيد بالعمل، يسببه نظر ناقص إلى مجرد كبت الآمال. ● مدرسة الكوفة تواصل الذكرى، ولئن كشفت هذه الكلمات في نهاية خلافة عمر- من جانب- للغافلين، سر ما رآه المسلمون منه من تعب وسهر وتفكر، فتأهبوا للاقتداء، فألهاهم عبد الله بن سبأ زمن عثمان رضي الله عنه وأذهلهم، فإن تشميرًا رآه الناس في بداية خلافة علي، كان بحاجة- من جانب آخر- بعد ذاك الذهول إلى كلمات أخرى تعظهم، وتعيب عليهم أملًا، وجد له أثناء سنوات الفتنة مجال نمو، بردت معه همم المقتدين. ومن هذه الحاجة نشأت مدرسة الكوفة في التذكير بالموت، إذ طفق علي رضي الله عنه في مسجد عاصمته، ويصارحهم، ويقول: «إنما أخشى عليكم اثنين: طول الأمل، واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة، وإن اتباع الهوى يصد عن الحق». «۲» وتنتدب جمهرة من فقهاء أصحابه نفسها لمعاونته، فيقوم الصحابي: الأغلب بن جشم العجلي بعده، فينشد بين يديه قصيدته التي مطلعها: المرء تواق إلى ما لم ينل والموت يتلو ويلهيه الأمل فيتلوه سید زهاد التابعين، أو يس بن عامر القرني، فيقول: «يا أهل الكوفة: توسدوا الموت إذا نمتم، واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم». حتى إذا قتل علي بعدما خشعت القلوب وأدركت: استمرت ثلة من أصحابه على سمته في الوعظ، فكان الربيع بن خثيم يقول لهم: «أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله». «۳» ويحفر له قبرًا، ويأخذ ينزل فيه كل يوم ويتمدد، ثم يقوم يذكر لهم مشاعره لما يكون بقعره، ويخبرهم سعيد بن جبير بمقدار تصفية كلمات علي لقلبه، فيقول لهم: «لو فارق ذكر الموت قلبي: خشيت أن يفسد علي قلبي». «٤» وكل هؤلاء: سعيد و الربيـع وأويس رحمهم الله، والأغلب رضي الله عنه، من ثقات أهل الكوفة الذين رباهم علي رضي الله عنه، فلما ماتوا: أورثوها لآخرين يحفظون للكوفة سمتها، فكان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي يرتقي المنبر ويسألهم: «كم من مستقبل يومًا لا يستكمله، ومنتظر غدًا لا يبلغه، لو تنظرون إلى الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره». «5» فإذا نزل، صعد عمر بن ذر نزل فخطبهم: «أما الموت فقد شهر لكم، فأنتم تنظرون إليه في كل يوم وليلة، من بين منقول عزيز على أهله، كريم في عشيرته، مطاع في قومه، إلى حفرة يابسة، وأحجار صم، ليس يقدر له الأهلون على وساد إلا خالطه فيه الهوام، فوساده يومئذ عمله. ومن بين مغهوم غريب، قد كثر في الدنيا همه، وطال فيها سعيه، وتعب فيها بدنه، جاءه الموت قبل أن ينال بغيته، فأخذه بغتة. ومن بين صبي مرضع، ومريض موجع، ورهن بالشر مولع، وكلهم بسهم الموت يقرع». فلما مات هؤلاء النفر، واجتمع علمهم وعلم شيوخهم عن علي في سفيان الثوري: تولاها طريقة، واتخذ الموت نشيدًا، حتى قال أحد تلامذته: «ما جلست مع سفيان مجلسًا إلا ذكر الموت، وما رأيت أحدًا كان أكثر ذكرًا للموت منه». «٦» وهكذا أعطت مشيئة الله تعالى لمدرسة الكوفة من بعد عمر بن الخطاب، دورها في رقابة سواء سبيل أمة الإيمان، وحفظه من الانحراف وطغيان الآمال، وشرفها، فتمثلت بها بقية نهي عن الفساد، تكثر حينًا، أو تقل من دون انقراض، ليست دعوة الإسلام المعاصرة غير استرسال في كفالة القدر لوجودها، وما وراثتنا لها إلا وراثة قربى في النسب، واشتراك في المورد. ● فبرز لها بالشام عمر وكان الذي رويناه من استدراك عمر بن عبد العزيز في أواخر المائة الأولى حلقة ضمن دعوة البقية الرقيبة على سير القرون. ● مدرسة البصرة تؤيد.. ولئن أسرع عنبسه أو القرظي لاستجابة لعمر، في أرهاط من الشاميين والمدنيين، فإن الحسن البصري، عبر سيادته الجيل الأوسط من التابعين طرًا، وبتأثير ما اقتبسه من علي ومدرستـه الكوفية، قد أنزل البصرة مكانة التقدم في التأثير التربوي في الأمة، من قبل أن يحكم عمر، مكنها من بعد أن تسبق الربوع الأخرى، في إعادة رسم خطوط حصار الأمل، ورواية قصة الرقاد الطويل، وتأكيد مذهب عمر وترويجه، حتى غدت مواعظ الحسن أداة تربوية، تكتب في نسخ وتوزع مع بريد الخلافة، كما توزع الصحف اليوم، فيجد المســلم المرابط في أقاصي الثغور في شدة نبراتها حماسة يهتز بها للشهادة قلبه، تعادل رقة يرجف لها بـدن المتعلم العاكف، والساذج المزارع، والتاجر الساعي. وهكذا وافقت دمعات الرشد، فهما لدى إمام البصرة، وبدأت الآمال تقصر بمآل إلى الردى يصوره الحسن، ويحذرها أهوالًا تستقبلها، ليست سكرات الموت إلا بواكر حسابها وعتب أبوابها، فراح ينادي: «المبادرة، المبادرة، فإنما هي الأنفاس، لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم، إنكم أصبحتم في أجل منقوص، والعمل محفوظ، والموت- والله- في رقابكم، والنار بين أيديكم، فتوقعوا قضاء الله عز وجل في كل يوم وليلة. لقد فضح الموت الدنيا، فلم يترك لذي لب فرحًا. وإن أمرًا هذا الموت آخره، لحقيق أن يزهد في أوله. وإن أمرًا هذا الموت أوله، لحقيق أن يخاف آخره». «۷» ● ميزان بصري في فقه الدعوة وصاغ الحسن خلال ذلك ميزانًا إيمانيًا، يقدم له الواقع المرئي كفاية من دلائل الإقناع، ربما نشتق له اسم: «ترجيح التخويف»، ساقه في صورة خطاب، فقال: «إنك والله لأن تصحب أقوامًا يخوفونك، حتى تدرك أمنًا، خير لك من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف». «۸» وهو ميزان يمثل بعضًا مما أضافه الحسن إلى فقه الدعوة. فالخوف العاجل عنده، المؤدي إلى التقوى، المؤدية إلى أمن آجل في ظلال الجنان، خير من مد عريض للنظر إلى صفات الله سبحانه في الرحمة واللطف والغفران. وكل من الحالتين تراد، والأمر في حقيقته معلق بنسبية واضحة، ربما أوجبت تخفيف رهبة البعض بأبواب من الرجاء، أغلقتها عليهم شدة الخشية، ولكن هذا المعدن فريد، والغرور يلف الجمهرة العظمى، وما من دواء له إلا الإخافة بقصة التلال الهامدة. وفي التنبيه على هذه النسبية يقول ابن الجوزي: وإذا رأينا أرباب الدنيا قد غلبت آمالهم، وفسدت في الخير أعمالهم، أمرناهم بذكر الموت والقبور والآخرة، فأما إذا كان العالم لا يغيب عن ذكره الموت، وأحاديث الآخرة تقرأ عليه، وتجري على لسانه، فتذكاره الموت زيادة على ذلك لا تفيد إلا انقطاعه بالمرة. بل ينبغي لهذا العالم الشديد الخوف من الله تعالى، الكثير الذكر للآخرة، أن يشاغل نفسه عن ذكر الموت، ليمتد نفس أمله قليلًا، فيصنف، ويعمل أعمال خير». «۹» • مدرسة بغداد تجنح للبساطة.. وقد أضافت المدرسة البغدادية من بعد تلك المدارس، تطويرًا مهمًا إلى فقه الزهد وكبت الآمال، يوم أدخلت عنصر البساطة في التذكير على لسان رائدها بشر بن الحارث الحافي، لما أتاه آت وطلب منه الموعظة، فقال له: «إن في هذه الدار نملة تجمع الحب في الصيف، لتأكله في الشتاء، فلما كان يوم: أخذت حبة في فمها، فجاء عصفور فأخذها والحبة، فلا ما جمعت أكلت، ولا ما أملت نالت». «۱۰» هذه هي الحياة عند بشر، إنسان يجمع، فيأتيه الموت فيأخذه وما جمع! هكذا، بلا أشعار ولا ألوان من الجناس والبديع نطلبها اليوم، تشغلنا عن جوهر المواعظ، لأولي الألباب كفاية بيوميات العصفور والنمل. ثم بلغت هذه البساطة البغدادية ذروتها، لما تولى الإمام أحمد زمام التربية، فذهب فيها لأبعد مما ذهب قرينه بشر، فسكت، حتى إن الكتب تكاد أن لا تورد له في المواعظ قولًا، وعوض تلامذته وأجيال الأمة عن ذلك بوجه معبر، كأنه يطلع إلى القيامة، وصبر على العذاب والإغراء، ثبتت به الأمة إزاء دعاية المبتدعة، وسيرة في التعفف والتقلل تستحي منها نوايا الإثراء. فلما مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وانتقل شيخ البخاري الحسن بن عبد العزيز الجروي من مصر إلى بغداد، وسكنها وصار في عداد البغداديين، رأى ضرورة استمرار القدوة الصامتة، فلم يأخذ من إرث أبيه شيئًا، لشبهة خالطته، وقال: «من لم يردعه القرآن والموت، فلو تناطحت الجبال بين يديه لـــــم يرتدع». «11» قال صاحب تاريخ تنیس: «وكان أبوه ملكًا على تنيس، ثم أخوه علي، ولم يقبل الحسن من إرث أبيه شيئًا، وكان يقرن بقارون في اليسار». «۱۲» ● التربية بالاعتراف وطفق المربون بعد أحمد والحسن الجروي يمارسون طريقتين في التربية، فمن حاز مرتبة أحمد وزهده ووروعه وحياة قلبه: قلده في سكوته وترك حاله تخبر الأبصار. ومن لم يحز مثل سمو أحمد، ولبث دون ذلك: سلك طريقة الاعتراف، فيستفز الأسماع، كما استفزها الخليفة العباسي الراضي بالله لما جمع ببغداد الغافلين، وحاول من بعد المتوكل أن يتشبه بعلي وعمر بن عبد العزيز، ويقلد طريقتهما، فراح ينشد لهم من نظمه: كل صفو إلى كدر كل أمن إلى حذر ومصير الشباب للمو ت فيه أو الكبر أيها الآمل الذي تاه في لجة الغرر أين من كان قبلنا دَرَسَ الشخص والأثر سیرد المعار من عمره کله خطر رب إني ذخرت عنـ ـــك أرجوك مدخر إنني مؤمن بما بين الوحي في السور واعترافي بترك نفـ ــــعي وإيثاري الضرر رب فاغفر لي الخطيـــ ـــئة يا خير من غفر «۱۳» أو كما استفزها بالأندلس آخر حين راح يعترف: إلى كم أقول ولا أفعل وكم ذا أحوم ولا أنزل وأزجر عيني فلا ترعوي وأنصح نفسي فلا تقبل وكم ذا تَعلّل ولي ويحها بعل وسوف وكم تمطل و كم ذا أؤمل طول البقا وأغفل والموت لا يغفل وفي كل يوم ينادي بنا منادي الرحيل: ألا فارحلوا كان بي وشيكًا إلى مصرعي يساق بنعشي ولا أمهل «١٤» ● وبعد.. وبعد يا داعية الإسلام. إن من جد وجد، وليس من سهر كمن رقد. فلا تكن ممن تضمه الكتائب، وقلبه عن المشاركة غائب. وهذا الموت منك قيد شبر الشابر. وهذا دبيب الليالي يسارق نفسك ساعاتها. وإن سلع المعالي غاليات الثمن، وإنما ثمنها اتباع مدارس الكوفة والشام، ومدرسة إمام البصرة الحسن. فانظر لنفسك. واغتنم وقتك. «فإن الثواء قليل، والرحيل قريب، والطريق مَخوف والاغترار غالب، والحظر عظيم، والناقد بصير». «١٥» وفقنا الله وإياك.. «۱» صحيح البخاري 5/ 16. «۲» الزهد لابن المبارك/ ٨٦. «۳» طبقات ابن سعد 6/ 184. «٤» الزهد لأحمد بن حنبل/ ۳۷۱. «٥» الزهد لابن المبارك/ ٤. «6» تاريخ بغداد 9/ 157. «۷» الزهد لأحمد / ٢٨٥ ومصادر أخرى. «۸» الزهد لابن المبارك/ ۱۰۲. «۹» صيد الخاطر/ ١٥٨ طبعة الغزالي. «۱۰» تاريخ بغداد 3/ 321. «۱۱» طبقات الحنابلة 1/ 135. «۱۲» تهذيب التهذيب 2/ 292. «۱۳» تاريخ بغداد 2/ 144. «٤١» نفح الطيب 4/275. «15» اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي/ 16.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

97

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

النفس كما يصورها القرآن الكريم

نشر في العدد 236

170

الثلاثاء 11-فبراير-1975

حصار الأمل