; أحكام رمضان مع فيروس كورونا | مجلة المجتمع

العنوان أحكام رمضان مع فيروس كورونا

الكاتب د. مسعود صبري

تاريخ النشر الجمعة 01-مايو-2020

مشاهدات 65

نشر في العدد 2143

نشر في الصفحة 40

الجمعة 01-مايو-2020

ملف رمضان

  • يمكن لأصحاب الأعذار أن يفطروا ويكون التخوف من «كورونا» عاملاً ثانوياً وليس سبباً رئيساً في الفطر.
  • الحنفية: صلاة التراويح جماعة في المسجد سُنة على الكفاية ويأثم المسلمون بتركها.
  • بعض الفقهاء يرون أنه لا يجوز تعجيل إخراج الزكاة عن وقتها وأن الحول أحد شرطيها.
  • الأوجب خروج الزكاة في البلد الذي يعيش فيه الإنسان إلا أن يكون نقلها لبلد آخر أكثر حاجة منهم.
  • يجوز صلاة العيد في البيت على صفتها المعتادة ولا يقال بسقوطها بالكلية مراعاة للخلاف.

في ظل ما يعيشه الناس من حجر صحي؛ كلياً كان أو جزئياً، بسبب فيروس «كورونا»، ومع المؤشرات التي تخبر أن الحجر الصحي سيطول – نوعاً ما- ولأول مرة أقبل رمضان والناس في بيوتهم، ولن يتمكنوا من صلاة التراويح في المساجد؛ ونظراً للتغيرات التي حلت بالعالم كله بما في ذلك العالم الإسلامي، طُرحت عدة أسئلة وقضايا فقهية، من أهمها: 

هل يجوز للناس الفطر في رمضان بسبب التخوف من انتقال العدوى بفيروس «كورونا» مع نصح الأطباء بالبقاء على الحلق رطباً، وشرب المياه كل عشرين دقيقة؟

وما حكم صلاة التراويح في مثل هذه الظروف؟

وهل يجوز للناس التعجيل بإخراج زكاة المال وزكاة الفطر، أم يجب إخراجهما في وقتيهما؟

وما ضوابط إخراج الزكاة في ظل هذه الظروف؟

الفطر بسبب «كورونا»:

الإفطار بسبب التخوف من فيروس «كورونا» لا يجوز شرعاً، لأنه يخالف عموم قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، فالآية تدل بعمومها على وجوب الصيام على كل المسلمين، واستثنى الله تعالى أصحاب الأعذار وعلى رأسهم المرضى الذين يصعب عليهم الصيام، أما من كان مريضاً مرضاً لا يؤثر الصيام فيه، فلا يجوز له الفطر، لأن قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} (البقرة: 184) يعني من كان منكم مرضاً يمنع من الصيام، ومجرد التخوف من المرض لا يبيح الفطر، والقول بجواز الإفطار نقض لأصل العبادة بلا عذر، فلا يجوز. 

كما أن الادعاء بجواز الفطر قائم على أن الإنسان بحاجة إلى كثرة شرب المياه للمناعة من العدوى بفيروس «كورونا»، وهو ما نفته «منظمة الصحة العالمية»، حيث ذكرت أن شرب المياه ليس مانعاً من الإصابة من المرض؛ بل يشير الأطباء إلى أن الصيام يقوي جهاز المناعة عند الإنسان، وهو ما يحتاجه الإنسان للوقاية من فيروس «كورونا»، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم جنة»، فهو وقاية للإنسان من الإصابة من الأمراض في الدنيا، ووقاية له من عذاب الله يوم القيامة. 

أما من كان مريضاً بالفعل، سواء كان بـ«كورونا» أو غيره، ويحتاج إلى تناول الدواء –وليس تناول الماء- فله الفطر، وعليه القضاء بنص القرآن الكريم، كما قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة: 184)، كما يمكن لأصحاب الأعذار أن يفطروا، وإن كانوا قادرين على الصيام، ويكون التخوف من «كورونا» عاملاً مساعداً وسبباً ثانوياً وليس رئيساً في الفطر، لأنه يجوز لهم الفطر ابتداء؛ كالمسافر، والحامل والمرضى وكبار السن جداً وأصحاب الأعمال الشاقة التي لا يقدرون على الصيام معها.

صلاة التراويح: ومن المسائل التي يحتاج المسلمون إلى معرفة حكمها هذه الأيام صلاة التراويح في رمضان مع وجود الحجر الصحي وبقاء الناس في البيوت.

وصلاة التراويح صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة بضعة أيام، ثم امتنع عن الخروج للصلاة بهم جماعة؛ خشية أن تُفرض عليهم، روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من جوف الليل ليالي من رمضان وصلى في المسجد، وصلى الناس بصلاته، وتكاثروا فلم يخرج إليهم في الرابعة، وقال لهم: «خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها».

وكان الصحابة رضوان الله عليهم يصلونها في البيوت، أو في المسجد، إما فرادى، أو مجموعات صغيرة، وظل الأمر هكذا في خلافة أبي بكر الصديق، وصدراً من خلافة عمر بن الخطاب، ثم جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس في التراويح على إمام واحد في السنة الرابعة عشرة من الهجرة، بعد سنتين من خلافته، لما رأى من تشتت المسلمين في صلاة التراويح.

وقد اختلف الفقهاء أيهما أفضل في صلاة التراويح؛ هل الأولى صلاتها في المسجد أم في البيت، ولو صلاها في البيت، هل الأولى أن يصليها وحده أم جماعة؟ فذهب جمهور الفقهاء على أن الأولى صلاتها جماعة في المسجد، لما جرى عليه العمل من زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى يومنا، وذهب البعض كالإمام مالك والشافعي أن الأفضل صلاتها فرادى في البيت، وذلك لما ورد في السُّنة من الحث على الصلاة في البيوت، كقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً». 

وذهب الحنفية إلى أن صلاة التراويح جماعة في المسجد سُنة على الكفاية، ويأثم المسلمون بتركها، أما إن تخلف فرد عنها وصلاها في بيته، فصلاته صحيحة، ولا ينال ثواب الجماعة ولو صلاها جماعة في بيته، وهو مروي عن بعض الصحابة والتابعين، وشذَّ الطحاوي ورأى أن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية، وذهب فقهاء أهل البيت إلى أن صلاتها في المسجد بدعة، وفصَّل بعض الفقهاء فرأوا أن صلاتها في المسجد أحياناً أفضل، خاصة لمن يُقتدى به كالفقيه والداعية والعالم، وقد تكون صلاتها في البيت أفضل، لمن كان حافظاً للقرآن، وينشط لصلاتها وحده.

ولما كانت المسألة محل خلاف بين الفقهاء في الأحوال العادية، فيجوز صلاتها جماعة في البيوت مع ما يعيشه الناس من الحجر الصحي ولزوم البيوت، ويكون لمن صلاها جماعة له ثواب الجماعة، ولو كان الرجل يصلي بأهله وحدهم، فينال ثواب الجماعة فيها.

تعجيل إخراج زكاة المال: اختلف الفقهاء في تعجيل إخراج زكاة المال، فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز تعجيل إخراج زكاة المال عن وقتها، متى وجد سبب وجوب الزكاة الذي هو النصاب الكامل، وممن قال به من الجمهور الحسن البصري، وسعيد بن جبير، والزهري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد.

واستدل الجمهور على جواز تعجيل الزكاة بما أخرجه أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، «أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل زكاته، قبل أن يحول الحول، مسارعة إلى الخير، فأذن له في ذلك»، كما استدلوا بأنه مال وجد سبب وجوبه قبل وجوبه، فجاز إخراجه، وكذلك القياس على جواز تعجيل قضاء الدين قبل حلول الأجل، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح قبل الزهوق.

وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجوز تعجيل إخراج الزكاة عن وقتها، من حيث الأصل، وهو رأي مروي عن الحسن البصري، وبه قال ربيعة الرأي، ومالك، وداود الظاهري، ومنعه ابن المنذر، وابن خزيمة من الشافعية، وأشهب من المالكية، وقال: لا تجزئ قبل محله كالصلاة، ورواه كذلك ابن وهب، قال ابن يونس: وهو الأقرب، وغيره استحسان. 

واستدلوا بما ورد أن ابن عمر كان يقول: «لا تجب في مال زكاة، حتى يحول عليه الحول» (أخرجه الموطأ)، كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول».

كما رأوا أن الحول -وهو مرور عام هجري كامل- أحد شرطي الزكاة، فلم يجز تقديم الزكاة عليه، قياساً على النصاب، فإنه لا يجوز تقديم إخراج الزكاة إن لم يبلغ المال نصاباً، وإن للزكاة وقتاً، فلا يجوز تقديم العبادة عن وقتها، مثل غيرها من العبادات.

والراجح في المسألة قول الجمهور؛ لأن أحاديث المنع إنما تتوجه نحو الوجوب، ولم يقل أحد من الفقهاء: إنه يجب تعجيل الزكاة، بل القول على الجواز أو الاستحباب في أعلى درجاته.

مدة تعجيل الزكاة: كما اختلف الفقهاء في المدة التي يجوز فيها تعجيل إخراج الزكاة بين القول بأنه يجوز تعجيل إخراج الزكاة لسنين، وذلك لوجود سبب الوجوب، أو يقتصر تعجيل إخراج زكاة المال لسنتين فقط، أو أنه يقتصر على تعجيل الزكاة لعام واحد، أو أنه لا يجوز تعجيل إخراج زكاة المال أكثر من شهر، وهو مذهب المالكية.

تعجيل زكاة الفطر: اختلف الفقهاء في تعجيل زكاة الفطر، على النحو التالي:

ذهب جمهور الحنفية إلى أن وقت وجوب أداء زكاة الفطر موسع، لأن الأمر بأدائها غير مقيد بوقت، كالزكاة، غير أن المستحب إخراجها قبل الذهاب إلى المصلى، لقوله صلى الله عليه وسلم: «اغنوهم في هذا اليوم»، وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يجوز تقديمها عن وقتها يومين لقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «كانوا يعطون صدقة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين»، وذهب الشافعية إلى أنه يسن إخراجها قبل صلاة العيد ويكره تأخيرها عن الصلاة، ومحرم تأخيرها عن يوم العيد بلا عذر.

ضوابط إخراج الزكاة في ظل انتشار الفيروس: في نقل زكاة المال من بلد المزكي إلى بلد آخر مسألتان:

الأولى: هل يجوز نقل الزكاة من بلد إلى آخر؟

والثانية: لو نقلها بدون مبرر، هل تجزئ عنه، أم يجب أن يخرجها مرة أخرى؟

أما نقل الزكاة من بلد إلى آخر، فجمهور الفقهاء عدا الحنفية لا يجيزون نقل الزكاة من بلد إلى آخر في الجملة، واستدلوا بعموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، ولفعل عمر رضي الله عنه لما أرسل إليه معاذ صدقة من اليمن، فقال له: «لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد من يأخذه مني»، وقد رد عمر بن عبدالعزيز زكاة من خراسان إلى أهلها بعدما جاءته إلى الشام.

وذهب الحنفية أن نقل الزكاة مكروه كراهة تنزيهية مع الصحة، ولا يكره نقلها إن كانت هناك أسباب تدعو إلى النقل، كأن يرسل الزكاة إلى أقارب له فقراء، أو ينقلها إلى بلد أحوج من البلد الذي هو فيه، أو يرسلها إلى طالب علم، ونحو هذا.

واتفقوا على أنه إن فاضت الزكاة، أو لم يكن في البلد فقراء؛ تنقل إلى البلد الذي يليه، بلا خلاف بينهم.

أما إن نقلها بلا مسوغ، فجمهور الفقهاء على أنها تجزئ عنه، ولا يطالب بدفع الزكاة مرة أخرى، وذلك لأنها صرفت إلى من يستحقها من الأصناف الثمانية، وعند المالكية لا تجزئ إن نقلها وفي البلد الذي هو فيه من هو أشد حاجة، وفي رواية عند الحنابلة أنها لا تجزئ بأي حال، وعليه أن يدفعها مرة أخرى.

وفي ظل ما يعيشه الناس من الحاجة والفقر وتعطل المصالح في غالب البلاد، فإن الأوجب خروج الزكاة في البلد الذي يعيش فيه الإنسان إن كان فيه من هو بحاجة، خاصة مع مكث الناس في البيوت بلا رواتب ولا عمل، إلا أن يكون نقل الزكاة إلى بلد آخر هم أكثر حاجة منهم؛ لفقر أشد، أو حاجة أمَسّ؛ تخريجاً على قول الأحناف، وفي كل الأحوال متى أخرج الزكاة إلى أي بلد؛ فلا يطالب بإخراجها مرة أخرى وتصح منه، على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.

صلاة العيد في ظل «كورونا»: اختلف الفقهاء في حكم صلاة العيد، فذهب الحنفية إلى أنها واجبة؛ لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها ولم يتركها مطلقاً، وهي سُنة عند الشافعية والمالكية، ودليلهم على ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح للأعرابي، وكان قد ذكر له الرسول صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس فقال له: هل عليَّ غيرهن؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، كما أنها صلاة بغير أذان ولا إقامة؛ فلا تكون واجبة، وهي عند الحنابلة فرض كفاية، لقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (الكوثر: 2)، ولمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على فعلها وعدم تركه لها.

أما شروطها فقد اختلف الفقهاء فيها، لكنها في الجملة تقترب من شروط صلاة الجمعة، إلا عند الشافعية، فهم لا يشترطون لها إلا التكليف.

وعلى هذا، ومع وجود الحجر الصحي، وطلب السلطات الصحية منع الازدحام والاختلاط، فإنه يمكن صلاة الجمعة في البيوت، فإن الجمعة لا يشترط لها المسجد. 

وإن كانت السُّنة كما في «المغني» (2/ 275): «أن يصلى العيد في المصلى، أمر بذلك عليٌّ رضي الله عنه، واستحسنه الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو قول ابن المنذر، وحُكي عن الشافعي: إن كان مسجد البلد واسعاً، فالصلاة فيه أولى؛ لأنه خير البقاع وأطهرها، ولذلك يصلي أهل مكة في المسجد الحرام».

واستناداً لما قاله الفقهاء من أنَّ مَنْ فاتته صلاة العيد، فله أن يصليها في بيته، فيجوز صلاة العيد في البيت، ولا يقال بسقوط صلاة العيد بالكلية؛ مراعاة للخلاف ولما ذهب إليه الحنفية والحنابلة بالقول بوجوبها، فتصلى في البيت على صفتها المعتادة.

كما يجوز أن يتابع الناس الخطيب عبر المذياع في الحي، وأن يأتموا بصلاته وخطبته، وهو مروي عن أحمد وابن تيمية وغيرهما. 

هل الوباء الحالي عقوبة إلهية للبشرية على إفراطها في الظلم والطغيان؟

ما حل بالناس من وباء يراه بعض المسلمين عقوبة إلهية من الله تعالى للبشرية بما فرطت فيه من الظلم والطغيان، فقد انتشر الظلم وطغى على كافة المستويات من الحكومات والشعوب والأفراد وبين الأسر وغير ذلك.

لكن من المقرر أن ما حصل من وباء هو اختبار وابتلاء من الله تعالى للبشرية، مسلمهم وكافرهم، كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 155)، على أن ما يصيب الناس في هذه الدنيا يكون بكسب أيديهم، وما عملته نفوسهم، كما قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران: 165)، لكنه لا يحصل في كون الله تعالى إلا ما أراد، كما قال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (التغابن: 11).

كيف نفرق بين أن يكون هذا الوباء ابتلاء واختباراً، أو عقوبة؟

الابتلاء عام على كل الناس؛ لأن الله تعالى يبتلي الجميع، مسلمهم وكافرهم، صالحهم وفاجرهم، فالدنيا قائمة على الابتلاء والاختبار، كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (الملك: 2)، وهذا الابتلاء لا يشترط أن يكون عقوبة.

أما العقوبة تكون بعد إساءة الأدب والخوض في الحقوق والأعراض وظلم الناس، فتقع على الظالمين المعتدين وحدهم دون غيرهم من المظلومين، وإلا فمن تمام عدل الله تعالى أنه لا يعاقب المظلوم، بل كتب الله تعالى نصره على الظالم.

ثم هناك فرق بين ما نشأ عن أفعال البشر عمداً، وبين ما حصل جبراً، فنفرق بين الناشئ عن الجبر والناشئ عن الاختيار، وإن كان كلاهما من الله تعالى من جهة إذنه سبحانه أن يحصل، لأنه لا يحصل في كون الله إلا ما أراد الله.

وقد أضحى من المعلوم أن منشأ هذا الفيروس هو تركيب نوعين من الفيروسات، مع الغموض الحاصل حتى الآن، في كيفية التركيب وفي الأجواء التي حصلت، وإن كانت هناك تفسيرات أن ما يحصل هو جزء من حرب بيولوجية لإعادة التوازن في النظام العالمي بين أمريكا والصين، وإن جمعنا مع هذا أن الصين التي انتشر منها الفيروس تعافت منه، وهم غير مسلمين في غالبهم، بل هم يضطهدون قرابة مليوني مسلم، مع ما قاموا به من تعذيب وتشريد لهم، وها هم يعافون من الوباء؛ فيكون الغالب على الظن أن هذا ليس عقاباً من الله تعالى، ولكنه ابتلاء، لأن الله تعالى يبتلي بعضنا ببعض، كما قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} (الأنعام: 53)، كما أن الابتلاء قد يكون عقاباً للكافر ورحمة للمؤمن، كما أخرج مسلم بسنده عن صهيب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له».>

وهل فيروس «كورونا» عقاب من الله لانتشار الظلم والطغيان؟

الرابط المختصر :