العنوان أحدث تقارير رانديدشن: العالم الإسلامي عدوٌّ رسميٌّ لأمريكا والغرب
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 05-مايو-2007
مشاهدات 53
نشر في العدد 1750
نشر في الصفحة 14
السبت 05-مايو-2007
- «خريطة طريق» لمواجهة الأفكار الإسلامية القائمة على فكر الشريعة الإسلامية
- التقرير يحذر من "خطورة دور المسجد" ويركز على دور الإعلام ووسائل الاتصالات الحديثة في اختراق العقلية المسلمة.
- استراتيجية جديدة للتعامل مع الخطر الإسلامي باختراقه من الداخل عبر التيارات العلمانية واليسارية والاشتراكية مع استبعاد التعاون مع أي « إسلامي »
- يشدد على ضرورة إيجاد مؤسسات خدمية مسلمة علمانية تقدم الخدمات التي يقدمها المسلمون "المتطرفون" سواء كانت إغاثية أو طبية أو اجتماعية.. لسحب البساط من تحت أقدامهم لصالح الفكر "العلماني المسلم الجديد"..!
في أعقاب تفجيرات ١١ سبتمبر ۲۰۰۱ م، تم وضع وثيقة لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي في سبتمبر ٢٠٠٢م تحدد مصادر التهديدات الموجهة لأمن أمريكا وكيفية مواجهتها، وكان أبرز ما شددت عليه هذه الوثيقة هو «تداعيات الأوضاع الداخلية بالدول الأخرى الدكتاتورية، خصوصًا الدول العربية والإسلامية وانعكاسها على أمريكا بانتقال التطرف والكراهية إليها ، ولذلك ركز الرئيس الأمريكي لاحقًا على ما أسماه أجندة الحرية»، أو ما عرف باستراتيجية نشر أو فرض الديمقراطية على العالم الإسلامي.
وضمن هذه الاستراتيجية نشطت مراکز الأبحاث التابعة للإدارة الأمريكية في وضع التصورات المختلفة لكيفية التعامل مع العالم الإسلامي، وكانت أبرز الدراسات هنا- لأنه لوحظ أن البيت الأبيض يطبق توصياتها- تلك التي طرحها مرکز "راند" RAND البحثي التابع للقوات الجوية الأمريكية، خصوصًا الدراسات التي أوصت عام ٢٠٠٢-٢٠٠٤م بالتفرقة بين المسلمين المتطرفين والمعتدلين في تعامل أمريكا مع العالم الإسلامي.
بيد أن فوز التيارات الإسلامية- التي تصنف في واشنطن على أنها متطرفة- في الانتخابات العربية اللاحقة، وتقهقر العلمانيين الليبراليين وعدم ظهور فوارق جدية بين الإسلاميين «المعتدلين» و«المتطرفين» فيما يخص المصالح الأمريكية، أدى إلى تحول في الاستراتيجية الأمريكية ووضع كل المسلمين في سلة واحدة كعدو جديد حال على غرار العدو الشيوعي الذي كانت تحاربه واشنطن خلال الحرب الباردة.
- نقطة التحول ضد المسلمين
هنا تكمن أهمية أحدث تقرير بحثي قدمته مؤسسة راند في ٢٦ / ٣ / ٢٠٠٧ م- بدون صخب إعلامي على غير العادة ووسط أجواء مريبة- وهو تقرير: «بناء شبكات مسلمة معتدلة» Building Moderate Muslim Networks. الذي كتبته شيريل بينارد "زوجة زلماي خليل سفير أمريكا في العراق والأمم المتحدة"، وأنجل راباسا "أحد العاملين في وزارتي الدفاع والخارجية" وباحثين آخرين.
وقد كانوا في السابق يتحدثون عن كيفية التأثير في الإسلاميين، وباتوا الآن يتحدثون عن «المسلمين» ككل.. لذا فالتقرير بمثابة نقطة تحول في استراتيجية التعامل الأمريكي مع العالم الإسلامي.
ويحدد بوضوح منذ بدايته أن هناك «حرب أفكار» وصراعًا بين العالم الإسلامي ككل، وبين العالم الغربي، ويطرح تصورات بشأن نقل طبيعة المواجهة إلى داخل العالم الإسلامي، وإعادة بناء الإسلام نفسه من جديد- باعتباره «فكرًا» مثل الشيوعية وفق تصورهم- وذلك عبر حرب باردة جديدة، وبالتعاون مع شبكات تضم مسلمين ليبراليين علمانيين "غير مؤمنين بأي دور للشريعة الإسلامية"، ليكونوا عملاء للغرب ويجري دعمهم عبر مؤسسة أمريكية تدير هذه المعركة مستقبلًا على غرار ما حدث مع الشبكات الليبرالية التي هدمت الشيوعية من الداخل!!
ولأنه سبق للباحثة شيريل بينارد التي تعمل في قسم الأمن القومي بمؤسسة راند الأمريكية أن كتبت تقريرًا استراتيجيًّا آخر عام ۲۰۰۳ م بعنوان «الإسلام المدني الديمقراطي: الشـركاء والموارد والاستراتيجيات». كان بمثابة دراسة أمريكية عن التيارات الإسلامية الحديثة لتقديم توصيات عملية لصانع القرار الأمريكي لكيفية ضرب التيارات الإسلامية الأصولية المتطرفة، ودعم وتشجيع ما يسمونه "التيارات الإسلامية العلمانية والحداثية"، فقد جاء تقرير ٢٠٠٧ م كوثيقة جاهزة تنتظر الموافقة الرسمية الأمريكية.
- صناعة الأعداء
أما أخطر ما في هذه الدراسة الأخيرة المقدمة لإدارة بوش، والمنتظر بدء العمل بها سريعًا، أنها تدشن العالم الإسلامي كعدو رسمي فعلي جديد لأمريكا والغرب، وتضع استراتيجية للتعامل مع هذا الخطر الإسلامي، تشمل اختراقه من الداخل عبر المسلمين أنفسهم من أنصار التيار العلماني الليبرالي من المفكرين والأكاديميين، وحتي بالتعاون مع التيارات اليسارية والاشتراكية العلمانية، مع استبعاد التعاون مع أي إسلامي، سواء كان معتدلًا أو متطرفًا ضمن هذه الخطة!
- الوثيقة
ولا تقتصر الوثيقة الاستراتيجية- التي تقع في ۲۱۸ صفحة- حصلت عليها «المجتمع»- على وضع ما أسمته «خريطة طريق» للمواجهة مع الأفكار الإسلامية القائمة على فكر الشريعة الإسلامية، وإنما تحدد الأطراف التي سوف تستعين بها واشنطن في الحرب من داخل العالم الإسلامي نفسه من العلمانيين الليبراليين.. إلى درجة نشر أسماء مؤسسات وشخصيات عربية وأوروبية وآسيوية مطروحة كنماذج لهذه العناصر المعتدلة من وجهة النظر الأمريكية.
تتضمن الوثيقة ۱۰ فصول، أولها: مقدمة تؤكد أن أصل المشكلة أن ما بين الغرب والعالم الإسلامي هو حرب أفكار، أو مواقف متخذة على أسس العقيدة، والفصل الثاني: يتحدث عن تجربة الحرب الباردة مع الشيوعية كنموذج يصلح للتعامل به مع العدو الجديد "الإسلام"، والفصل الثالث: يركز على المقارنة بين الحرب الباردة والتحديات في العالم اليوم، والفصل الرابع: يدور حول جهود الحكومة الأمريكية «لوقف المد الراديكالي».
أما الفصل الخامس- أهم الفصول فيحدد خارطة الطريق Map Road لبناء الشبكات المعتدلة في العالم الإسلامي.
فيما يركز الفصلان السادس والسابع على التوالي على التجربتين الأوروبية والآسيوية كنماذج لمسلمين معتدلين ليبراليين يمكن أن يكونوا دعائم لهذه الشبكات المعتدلة من وجهة النظر الأمريكية، بينما يركز الفصل الثامن: على الشرق الأوسط والفصل التاسع على ما يسميه دور المسلمين العلمانيين Secular Muslims في «حرب الأفكار» ليضع الفصل العاشر: التوصيات النهائية بشأن إدارة الصراع مع العالم الإسلامي عبر هذه الشبكات العلمانية «المعتدلة».
وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الصراع مع العالم الإسلامي هو بالأساس «صراع أفكار» وأن التحدي الرئيس الذي يواجه الغرب يكمن فيما إذا كان العالم الإسلامي سوف يقف في مواجهة المد الجهادي الأصولي، أم أنه سيقع ضحية للعنف وعدم التسامح؟!
وقد اعتمدت هذه الفرضية على عاملين أساسيين، أولهما: أنه على الرغم من ضآلة حجم الإسلاميين الراديكاليين في العالم الإسلامي، إلا أنهم الأكثر نفوذًا وتأثيرًا ووصولًا لكل بقعة يسكنها الإسلام سواء في أوروبا أو أمريكا الشمالية، وثانيهما: ضعف التيارات الإسلامية المعتدلة والليبرالية والتي لا يوجد لديها شبكات واسعة حول العالم كتلك التي يملكها الأصوليون.
ومن هنا تدعو الدراسة إلى ضرورة قيام الولايات المتحدة بتوفير المساندة للإسلاميين المعتدلين من خلال بناء شبكات واسعة وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم لبناء حائط صد في مواجهة الشبكات الأصولية، أما وسيلة الدعم الأمريكية فتتمثل في خارطة طريق تمكن الولايات المتحدة من بناء شبكات دعم متنوعة لخلق أجيال من الإسلاميين المعتدلين يمكن من خلالهم مواجهة التيارات الأصولية، على غرار تلك الشبكات التي تم بناؤها خلال تجربة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي لتقوية شوكة «الليبراليين» في مواجهة الشيوعيين.
ولأن المتطرفين المسلمين- في رأي الدراسة- يتميزون بميزتين جوهريتين عن المسلمين المعتدلين والليبراليين، هما: المال والتنظيم، بمعنى بناء شبكات وتنظيمات واسعة مقابل ضعف هذه الأدوات لدى المعتدلين الليبراليين- من وجهة النظر الأمريكية- فهنا لابد من خلق وبناء شبكات مسلمة معتدلة جديدة تواجه هؤلاء المتطرفين وتعيد بناء الإسلام بصورته التي لا تهدد الغرب!
من هو المسلم الليبرالي العلماني؟
مفتاح حل شفرة هذا التقرير الخبيث يكمن في تعريف كلمة «المعتدل أو الاعتدال» من وجهة النظر الأمريكية.. ومنه يمكن معرفة مواصفات هذا "المسلم المعتدل" الذي ستسعى أمريكا للتعاون معه وبناء شبكات خاصة لدعمه ماليًّا وإعلاميًّا وتنظيميًّا ومعنويًّا.
فالمعتدل أمريكيًّا هو: المسلم التقليدي العلماني الليبرالي الذي يرفض الاحتكام للشريعة، والذي يؤمن بحرية المرأة في اختيار « الرفيق »- وليس الزوج- وبحق الأقليات الدينية في تولي المناصب العليا في الدول ذات الغالبية المسلمة، والذي يعادي « المشايخ »، وكذلك أنصار «التيار الديني التقليدي» و«التيار الديني الصوفي» يصفه التقرير بأنه التيار الذي يقبل الصلاة في القبور(!) ولهذا الغرض طرحت الدراسة مصطلح "الدعوة العلمانية" أو "سيكولار- secular دعوة". كما وضعت بعض الملامح الرئيسة التي يمكن من خلالها تحديد من هو المسلم المعتدل أهمها:
١- القبول بالديمقراطية الغربية فقط. وليس مجرد ما يتواءم منها مع المبادئ الإسلامية خصوصًا مبدأ « الشورى» الذي يقال إنه مرادف للديمقراطية، وأن يعني الإيمان بالديمقراطية رفض فكرة الدولة الإسلامية التي يتحكم فيها رجال الدين كما هو الحال في إيران.
٢- القبول بمصادر غير متعصبة- مصادر أخرى للتشريع- غير الشريعة الإسلامية، لأن التفسيرات التقليدية للشريعة لا تتناسب مع مبادئ الديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان (!)
3- احترام حقوق النساء والأقليات الدينية والمقصود هنا أن يرفض المسلم المعتدل- بالمواصفات الأمريكية- ما يسمى «الأوضاع التمييزية للنساء والأقليات كما وردت في القرآن» ويعيد النظر فيها، نظرًا لاختلاف الظروف الراهنة عن تلك التي كانت موجودة إبان العصر النبوي الشريف.
- مقياس أمريكي
بل إن التقرير يضع مقياسًا أمريكيًّا لقياس جماعات المسلمين المعتدلين الذين سيجري التعاون معهم، عن تلك المتطرفة على النحو التالي:
1- هل الجماعة تتساهل مع العنف أو تمارسه؟ وإذا لم تكن تتساهل معه فهل مارسته في الماضي؟
٢- هل الجماعة تؤيد الديمقراطية باعتبارها حقًّا من حقوق الإنسان؟
3- هل تحترم الجماعة كافة القوانين والتشريعات الدولية لحماية حقوق الإنسان "ضمنها حق الشذوذ مثلًا"؟
٤- هل لديها أية استثناءات في احترام حقوق الإنسان "مثل الحرية الدينية على سبيل المثال"؟
5- هل تؤمن بأن تغيير الديانة أحد حقوق الإنسان؟
٦- هل تؤمن بضرورة أن تطبق الدولة قانونًا جنائيًّا "الحدود" يتطابق مع الشريعة الإسلامية؟
7- هل تؤمن بضرورة أن تفرض الدولة قانونًا مدنيًّا متلائمًا مع الشريعة؟ وهل تؤمن بحق الآخرين في عدم الاحتكام بمثل هذا القانون والرغبة في العيش في كنف قانوني علماني؟
٩- هل تؤمن بضرورة أن تحصل الأقليات الدينية على نفس حقوق الأغلبية؟
١٠- هل تؤمن بحق الأقليات الدينية في بناء دور العبادة الخاصة بهم في البلدان الإسلامية؟
١١- هل تؤمن بأن يقوم النظام القانوني على مبادئ غير دينية؟
احذروا المسجد واهتموا بالإعلام!
واللافت هنا أن التقرير يتضمن تحذيرًا شديد اللهجة من «خطورة دور المسجد» باعتبار أنه "المسجد" الساحة الوحيدة للمعارضة على أسس الشريعة، أو باعتبار أنه- كرمز- يتعارض مع الدعوة لخلق مسلم معتدل لا يؤمن بأي دور للشريعة الإسلامية، ولذلك يدعو لدعم الدعاة الذين يعملون من خارج المسجد.. كما أنه يركز على دور الإعلام ووسائل الاتصالات الحديثة في الوصول إلى العقلية المسلمة والتأثير عليها لخلق هذه الشبكات المعتدلة كـ «قناة الحرة» ويركز كذلك على ضرورة إيجاد مؤسسات خدمية مسلمة علمانية معتدلة تقدم ذات الخدمات التي يقدمها المسلمون المتطرفون سواء كانت خدمات إغاثية أو طبية أو عيادات أو قوافل مساعدة أو مساعدة أسر وأرامل وأطفال وفتيات يتيمات لتقديم «الاعتدال» في الخدمات المقدمة وسحب البساط من تحت أقدامهم لصالح الفكر العلماني المسلم الجديد!
- الأصدقاء والعملاء المعتدلون!
والأكثر غرابة أن التقرير لا يتورع أو يخشى من فرد مساحات واسعة للحديث عن هؤلاء الأصدقاء أو الشركاء أو العملاء المفترضين المعتدلين الذين ستركز أمريكا على التعامل معهم لبناء هذه الشبكات المسلمة المعتدلة داخل الدول العربية والإسلامية وكأنها في حرب مستمرة ولا وقت للعواطف فيها. وربما لقطع خط الرجعة على هؤلاء المتعاونين لنفي أنهم عملاء للمشروع الأمريكي!
ففيما يخص الشركاء، يحدد التقرير قطاعات اجتماعية ستشكل حجر الأساس للشبكات المقترحة، ويقول إنه ينبغي منح الأولوية لهم مثل:
1- الأكاديميين والمثقفين المسلمين الليبراليين والعلمانيين.
2- علماء الدين من الشباب المعتدل "الذين يعملون خارج المسجد".
3- النشطاء الاجتماعيين.
4- الجماعات المعنية بالمرأة، والتي تشارك في الحملات المطالبة بالمساواة بين الجنسين.
5- الصحفيين والكتاب المعتدلين.
وضمن هذا يقدم التقرير- خريطة بأسماء مؤسسات وشخصيات عربية وآسيوية وأوروبية مسلمة «معتدلة» يقترح التعامل معها قسم كبير منها في جنوب شرق آسيا "ماليزيا- سنغافورة- تركيا- إندونيسيا".
بجانب مؤسسات وجهات أوروبية مسلمة وثالثة في العالم العربي نفسه، خصوصًا لبنان وتونس وبعض دول الخليج لها آراء ليبرالية علمانية تحررية مناهضة للأصولية الإسلامية، ويمكن أن تلعب دورًا في هذه الشبكات الأمريكية المعتدلة!
- الإسلاميون يمتنعون!
والطريف أن التقرير الذي يطرح إمكانية التعاون مع كل الفئات غير الإسلامية مثل العلمانيين والليبراليين واليساريين والاشتراكيين، يستبعد التعاون مع الإسلاميين ضمن هذه الشبكات المعتدلة لأنهم سيكشفونها وربما يستفيدون منها!
فعلى حين أن الإسلاميين- وفق التقرير- يقبل بعضهم بالتعددية السياسية وحقوق المرأة، ويلعبون دورًا مهمًّا في ضرب التطرف الديني، ويشكلون بديلًا حقيقيًّا للسلطة، فمن الوارد- كما يقول الرافضون لدمجهم في هذه الشبكات المعتدلة- أنهم سوف يستغلون الحديث عن الديمقراطية لتحقيق هدف تكتيكي هو الوصول للسلطة، كما سيستفيدون من هذا الأمر مستقبلًا في الحصول على قدر أكبر من المصداقية باعتبار أنهم ديمقراطيون، ما سيؤدي لازدهار دورهم ودعوتهم، وبالمقابل سوف يضعفون التيار العلماني الذي هو عماد هذه الشبكات المعتدلة الأمريكية المسلمة!
ولهذا ينصح التقرير الإدارة الأمريكية بعدم التعاون مع هؤلاء الإسلاميين.