العنوان أحدث تقارير المكتب الدولي للشغل يجسد مأساة الطفولة في العالم
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996
مشاهدات 66
نشر في العدد 1207
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 09-يوليو-1996
۱۳۰ مليون طفل لم ينالوا حظهم من التعليم في العالم الثالث ثلثاهم من الإناث.
نسبة الوفيات في نيويورك عام ١٩٩٠م تماثل مثيلاتها في إثيوبيا.. وأعلى نسبة من الأطفال الفقراء في دول الشمال موجودة في أمريكا وكندا!
۷۳ مليون طفل في العالم يعملون في ظروف صعبة وفي مجالات خطيرة.
مليون ونصف مليون طفل قتلوا في الحروب خلال السنوات الخمس عشرة الماضية وجرح ٦ ملايين.
كشفت الأرقام والمعطيات الواردة في التقرير السنوي الأخير ١٩٩٦٠م، للمكتب الدولي للشغل الظروف الصعبة وغير الإنسانية التي يتعرض لها أطفال العالم يوميًا في بلدان عديدة، أغلبها في دول الجنوب، وبعضها في دول الشمال نتيجة دخولهم المبكر والقسري في الوقت نفسه لسوق الشغل، وقال التقرير إن هناك ۷۳ مليون طفل في العالم يعملون في ظروف صعبة وفي مجالات خطيرة تقضي على طفولتهم وتهدد مستقبلهم وحتى على حياتهم.. فما وضعية الطفولة في العالم؟ وما أسباب هذا الوضع المأساوي؟ وأخيرًا.. ما إمكانيات وآفاق تحسين هذه الوضعية؟
فبعد تقرير منظمة الطفولة العالمية «اليونيسيف» الذي صدر في بداية هذه السنة والذي تعرض لواقع ومستقبل أطفال العالم عمومًا، أصدر المكتب الدولي للشغل مؤخرًا على هامش دورته السنوية التي خصصها هذه المرة لبحث ظاهرة تشغيل الأطفال بين «١٠ و١٤ سنة»، تقريرًا تضمن العديد من الأرقام والإحصائيات والحقائق المفزعة حول هذه المسألة، فقد ذكر التقرير أن طفلًا من بين ثمانية أطفال في العالم الذين تتراوح أعمارهم بين ۱۰ و١٤ سنة قد دخلوا سوق الشغل، إضافة إلى ملايين آخرين منهم يخضعون إلى نوع من الاستعباد في مناطق العالم مثل آسيا، وإفريقيا، ففي سنة ۱۹۹٥م وحدها أحصى المكتب الدولي للشغل ما يقارب ۷۳ مليون طفل وطفلة أي ما يعادل ۱۳,۲٪ من أطفال العالم الذين تتراوح أعمارهم ما بين ١٠ و١٤ سنة يمارسون نوعًا من الشغل رغم صغر سنهم.
وحسب بعض مصادر هذه المنظمة الأممية فإن «هذه الأرقام رغم ضخامتها لا تعطي الرقم الحقيقي ولا تعبر بدقة عن حجم المأساة التي يعيشها قطاع واسع من أطفال العالم، ذلك أن العدد الحقيقي للأطفال الذين يعملون في العالم يقع في حدود بضع مئات مليون طفل إذا أخذنا بعين الاعتبار الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ١٠ سنوات، وكذلك البنات اللاتي يعملن وقتًا كاملًا كخادمات في البيوت».
وأضاف هذا التقرير أن غالبية هؤلاء الأطفال/ العمال يوجدون أساسًا في الدول الفقيرة أو النامية، وبدرجة أقل في بلدان جنوب أوروبا، ففي دول أسيا وحدها يوجد ما لا يقل عن ٤٤,٦ مليون طفل عامل، أما في إفريقيا التي تحوز أعلى نسبة من هذه الظاهرة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المعادلة بين عدد الأطفال العمال وعدد السكان في هذه البلدان الإفريقية المعنية، فقد أحصى المكتب الدولي للشغل وجود ٢٣,٦ مليون طفل عامل وتأتي دول أمريكا اللاتينية في المرتبة الثالثة بـ ٥,١ مليون، أي ما يعادل ٩,٨٪ من النسبة الإجمالية لهذه الظاهرة في العالم، وتفيد هذه الإحصائيات الرسمية للمنظمة الأممية أن عدد الأطفال الذكور ما« بين ١٠ و١٤ سنة» من بين الـ ٧٣ مليون الذين يشتغلون هو ٤١ مقابل ٣٢,٥ مليون بنت «دون اعتبار البنات اللاتي يشتغلن في البيوت وعددهن بالملايين».
ورغم كل هذه الأرقام المفزعة عن الأطفال/ العمال يعتبر تقرير المكتب الدولي للشغل أن المشكلة الكبرى في وضعية الأطفال في العالم تكمن في أنواع الاستعباد التي لا يزال يخضع لها ملايين الأطفال، حيث ذكر التقرير أن المنظمة الدولية للشغل لديها معلومات دقيقة عن وجود أشكال تقليدية لاستعباد الأطفال، خاصة في جنوب أسيا وفي إفريقيا الغربية، وبدرجة أقل في بعض دول أمريكا اللاتينية «ذلك أن هذه الأنواع من الاستعباد تبدو واضحة في المناطق التي لا تزال توجد بها أشكال تقليدية للتنظيم الاجتماعي مثل بيع طفل من أجل سداد دين أو من أجل أداء التزام ديني أو اجتماعي أو غيره إضافة طبعًا لبعض الأسباب الرئيسة الأخرى مثل الحروب والنزاعات الدامية، أما عن المجالات أو القطاعات التي يعمل فيها الأطفال أكثر من غيرها، فقد ذكر التقرير الفلاحة، والخدمات المنزلية، وتجارة الجنس الدعارة بمختلف أنواعها، وصناعة المفروشات والنسيج...
لم يبق في العالم أطفال:
لأن الكلمات وحدها قد لا تكون معبرة عن مأساة الأطفال في عصرنا الراهن، ولبيان حجم هذه المأساة التي يواجهها ملايين الأطفال في العالم يمكن أن نضيف إلى كل ما تقدم من أرقام وإحصائيات البيانات التالية الواردة في التقرير والمدونة في جدول رقم (۱)
الأسباب: ذكر تقرير المكتب الدولي للشغل العديد من الأسباب الجوهرية التي تقف وراء هذه الوضعية المأساوية التي تردت إليها ظروف الأطفال في العالم، ومن بين هذه الأسباب يمكن أن نذكر أساسًا.
۱ - الفقر أو المشكلة الاقتصادية: ذلك أن وجود هذه الظاهرة في هذه المناطق من العالم «أسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية وبعض دول وسط أوروبا وشرقها» قد جاء نتيجة الصعوبات التي تواجهها اقتصاديات هذه البلدان نتيجة تحولها إلى اقتصاد السوق، وأشار التقرير إلى أن ما يلاحظ الآن من تراجع لهذه الظاهرة في دول جنوب - شرق أسيا مرده أساسًا النمو الاقتصادي السريع المسجل في هذه الدول، ومن بين أخطر نتائج الفقر أو الظروف الاقتصادية الصعبة يمكن اعتبار المرض وسوء التغذية السببين الأساسيين وراء مصائب الطفولة في العالم، فمن بين ۱۰۰۰ طفل يولدون يفقد العالم ١٥٠ منهم بعد سنة فقط وهو ما يمثل بالنسبة لألف امرأة ضياع ١٥٠ حالة حمل و١٥٠ حالة ولادة قد تكون صعبة جدًا لم يجنين منها سوى التعب والألم، أي «أن ٨٥٠ مولودًا فقط يبقون على قيد الحياة بعد سنة من ميلادهم من جملة الألف»، حسب الدكتور فرانسوا ريمي - رئيس اللجنة الفرنسية «لليونيسيف»، ففي ما بين عامي ۱۹۸۰ و۱۹۸۸م نجد أن ۳۳۰ ألف طفل في أنجولا، و٤٩٠ ألف في موزمبيق قد ماتوا نتيجة الأمراض، وخاصة منها الناتجة عن سوء التغذية، وفي الصومال تفيد إحصائيات «اليونيسيف» أنه ما لا يقل عن نصف الأطفال الذين يبلغ سنهم أقل من ٥ سنوات قد لقوا حتفهم ما بين ١ يناير و٣١ ديسمبر من سنة ۱۹۹۲م، كما تفيد المعطيات أن أكثر من ٤٠٪ من الأطفال في كل من ليبيريا، والسودان، وأنجولا يعانون من الأمراض الناتجة عن سوء التغذية، وبالتالي فإنهم مهددون بالموت زيادة طبعًا عن عامل الحرب، لقد حركت مشكلة ارتفاع الوفيات لدى الأطفال المجتمعين في القمة الدولية حول الطفولة التي انعقدت في سنة ۱۹۹۰ لإعلان التزامهم الوصول بنسبة الوفيات لدى الأطفال إلى سبعين حالة من بين ألف ولادة بدل «١٥٠ حالة» وقد قدرت مصادر «اليونيسيف» عدد الأطفال «أقل من خمس سنوات» الذين يموتون يوميًا في بلدان العالم الثالث بأربعين ألف طفل، إضافة إلى تعرض مليوني رضيع من جنس الإناث إلى الإهمال من طرف والديهم منذ ولادتهن لاعتبارات دينية واجتماعية وثقافية عادة ما تكون ممزوجة بالظروف الاقتصادية الصعبة وطبعًا فإن التطور في مجال الصحة مرتبط إلى حد كبير بتطور مستوى المعيشة والظروف الاقتصادية ولا أدل على ذلك من أن نسبة الوفيات لدى الأطفال في مدينة نيويورك في سنة ١٩٩٠م قد ماثلت تقريبًا النسبة الحالية في إثيوبيا.
٢ - المفارقة بين النظرية والواقع: فبالرغم من أن الميثاق العالمي لحقوق الطفل «الأمم المتحدة قد تم إقراره منذ سنة ١٩٩٠م ووقعت عليه ١٧٤ دولة لا يزال هناك ١١ دولة لم توقع بعد على هذا الميثاق» فإن احترام الدول حتى الموقعة منها لا يزال ضعيفًا بل ومنعدمًا أصلًا أحيانا لسبب أو لآخر، ومن أسباب وجود هذه المفارقة أو ضعف التزام الدول بهذا الميثاق يمكن الإشارة إلى غياب القوة الإلزامية للأمم المتحدة من جهة، وحضور الاعتبارات المصلحية السياسية وخاصة الاقتصادية للدول النافذة الكبرى في المنتدى العالمي والتي تقوم سياستها على نوع من البراغماتية «العمياء» التي لا تعير أية أهمية لغير المصلحة الذاتية لها ولشعوبها.
الوجه الآخر لهذه المفارقة هو أن ظاهرة التعدي على حقوق الأطفال في مجال الشغل المبكر أو السياحة والصناعة الجنسية لم تعد حكرًا على بلدان الجنوب فحسب، بل أصبحت موجودة وفي تنام مطرد في بلدان الشمال أيضًا حتى إن آخر تقارير الأمم المتحدة صدر حديثًا عن نوعية ومستوى العيش في بلدان العالم قد أشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ومن بعدها كندا هما البلدان اللذان بهما أعلى نسبة من الأطفال الفقراء، الشيء الذي يؤكد أن الفقر كظاهرة اجتماعية أو اقتصادية لم يعد مشكلة خاصة بالدول السائرة في طريق النمو، بل حتى دول ما يسمى بالشمال وجدت نفسها، وخاصة خلال العقود الأخيرة في مواجهة مباشرة مع هذه المشكلة «مثال الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة أحسن نسبة نمو اقتصادي في العالم حيث يعيش ثلاثون مليونًا من سكانها الثلاثمئة مليون على إعانات تقدمها لهم منظمات خيرية»، وأشار العديد من المتدخلين إلى أن هذا الاشتراك في الفقر بين الشمال والجنوب لا يعني اشتراكهما في حدود الفقر ومظاهره، ذلك أن هذه الحدود والمظاهر تختلف اختلافا كبيرًا في حدتها وفي انتشارها من جهة إلى أخرى، فإذا كان الفقر في دول الجنوب يعود أساسًا إلى العجز عن الإنتاج لانعدام الهياكل الأساسية وغياب الاستثمار، وبالتالي انعدام القدرة على المنافسة، فإن أسباب الفقر في الشمال تعود إلى زيادة الركود الاقتصادي، وانتشار البطالة، وهيمنة الطابع الاستهلاكي، إلى طبيعة الفلسفة الاقتصادية المهيمنة.
٣- التعليم: رغم أن الندوة الدولية حول التعليم للجميع» التي انعقدت في تايلاند سنة ۱۹۹۰م قد أقرت خطة تهدف إلى تأمين وصول ٨٠٪ من البنين والبنات في العالم إلى نهاية مستوى التعليم الابتدائي، فإن المعطيات الحالية لقطاع التعليم في أغلب دول العالم - وخاصة منه العالم النامي - لا تزال بعيدة جدًا عن هذه النسبة (۸۰٪)، حيث تفيد التقديرات بأن عدد الأطفال «٦ - ١١ سنة» غير المتعلمين قد تجاوز ۱۳۰ مليون طفل ثلثاهم من البنات «قرابة ٨٧ مليون طفلة»، ففي مثل هذه البلدان - حيث تنخفض باستمرار ميزانيات الدولة المخصصة لقطاع التربية والتعليم، وحيث يوجد أقل دخل مستوى عائلي الشيء الذي يضطر الطفل لدخول سوق الشغل مبكرًا - يصبح التعليم من الكماليات أو التحسينات، ففي بلدان أسيا وإفريقيا وحدهما يوجد ما يقارب المليار شخص أمي «لا يعرف القراءة ولا الكتابة» وطبعًا فقد زادت حدة هذه المشكلة بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية وبسبب الخيارات التنموية المملاة على دول العالم النامي من طرف المؤسسات المالية الدولية «صندوق النقد الدولي والبنك الدولي»، حيث قامت الحكومة في زائير مثلًا بإعفاء وطرد ٤٦ ألف مدرس لأسباب مالية بحتة، ويبقى الأخطر من المشكلة المالية في قطاع التعليم في أغلب بلدان العالم النامي وهو غياب مشروع التعليم الوطني ومن ثم غياب المدرسة الوطنية التي تنطلق من ظروف البلد وخصوصياته وحاجياته لتصوغ المدرس والتلميذ، ولتساهم في سد الحاجيات الأساسية للبلد، فنموذج التعليم الاستعماري لا يزال مهيمنًا في العديد من بلدان إفريقيا رغم كونه نموذجًا منبتًا عن واقع هذه البلدان وليس له من وظيفة أساسية سوى استصحاب الهيمنة الثقافية للمستعمر على هذه الشعوب وتوليد أجيال مشدودة إلى ثقافته أكثر من انشدادها إلى وطنها وتاريخها، هذا إضافة طبعًا إلى تأطير مؤسسات التعليم بمختلف مستوياتها ضمن اقتصاد السوق العالمية وفق نظرية تقسيم العالم التي يحددها الكبار في هذا العالم البائس.
٣- مجالات الاستغلال:
لئن كانت مجالات تشغيل الأطفال في العالم عديدة، فإنها تدور في عمومها حول الاستغلال الاقتصادي لجهد الأطفال، ومن بين هذه المجالات يمكن أن نذكر أساسًا:
١- المجال الاقتصادي: من خلال تشغيل الأطفال صغار السن «بين ٦ و١٥ سنة» في صناعات صعبة شاقة، غير أخلاقية وغير آمنة تمثل عمالة الأطفال مصدرًا مهما للربح بالنسبة للمشتغلين الذين يسعون إلى الربح الوفير بصرف النظر عن كل الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية والمشكلة كما سبق أن أشرنا إليها لا تقف عند حدود البلدان النامية فحسب، بل إن العديد من الشركات الأمريكية والألمانية لم تجد أي حرج في أن تعلن بأنها تشغل في مصانعها الموجودة في بلدان أسيا الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ١٥ سنة، فقد أشارت العديد من الدراسات إلى وجود ما بين ٥٠ و١٠٠ ألف طفل يشتغلون في جنوب إيطاليا بطريقة سرية» وقرابة ٣٠٠ ألف طفل من أصل تركي يشتغلون في ألمانيا.
٢ - المجال الجنسي: المأساة الأخرى لهذا القرن هي الاستغلال الجنسي للأطفال الفقراء في بلدان مثل تايلاند والفلبين وهو نوع من الشغل القسري عادة، فقد ظهرت في أواخر هذا القرن العشرين صناعة جديدة يسميها البعض صناعة السياحة الجنسية، يتعرض فيها الأطفال إلى الاستغلال الجنسي من خلال عرضهم بضاعة رخيصة إلى الكبار بواسطة شبكات رهيبة تعمل في قطاعات النزل وسيارات الأجرة والعلب الليلية، وتمارس شراء الأطفال، أو خطفهم أو قتلهم أحيانا.
ففي تايلاند يوجد ۸۰۰ ألف طفل وطفلة «أقل من ١٦ سنة» يبيعون إمكانياتهم وطاقاتهم الجنسية، ويوجد منهم في الهند ٤٠٠ ألف، وفي سريلانكا ۱۰ آلاف، وتقوم هذه الشبكات على متعاونين معها في مناطق عديدة من العالم منها أوروبا، واعتبارا لخطورة هذه الظاهرة بدأت بعض الحكومات الغربية في اتخاذ جملة من الإجراءات الرادعة لمواجهتها. ففي فرنسا مثلًا أقرت الحكومة قانونًا يقضي بالمتابعة القضائية لكل فرنسي يثبت تورطه في هذا النوع من السياحة الجنسية» في الخارج أو في أي نوع آخر من الاعتداء الجنسي بمقابل مالي على من عمره أقل من ١٥ سنة، وكذلك أقرت الحكومة الكندية في المدة الأخيرة قانونًا مشابهًا يجيز للسلطة القضائية متابعة ومقاضاة كل كندي يثبت تورطه في مثل هذه الجرائم في أي مكان من العالم، فإذا كان هنالك من خطر كبير يهدد الطفولة - والعالم على أبواب القرن الحادي والعشرين - فإنه طبعًا خطر دعارة الأطفال من خلال السياحة الجنسية، وما يترتب على ذلك من أمراض مثل السيدا المنتقلة إلى الأجنة عن طريق الأم، وتفرق العائلة بل وانهيارها والضياع الاجتماعي للأطفال الذي هم مدخل كل المصائب الأخرى.
٣- المجال الثالث الذي يستغل فيه الأطفال هو مجال التسلح: حيث يتراوح عدد الأطفال الجنود ما بين ۲۰۰ و٤٠٠ ألف، فقد سجلت المنظمات الدولية منذ بداية الثمانينيات مقتل ما لا يقل عن مليون ونصف مليون طفل في واحدة من الحروب والنزاعات الدامية، وجرح ٦ ملايين آخرين، ففي البوسنة والهرسك وحدها قتل ما لا يقل عن ١٥ ألف طفل خلال سنوات الحرب، إضافة للذين أصيبوا بجروح وبإصابات نفسية حادة في أغلب الأحيان، ويوجد في العالم ٥ ملايين طفل لاجئ يعيشون في مخيمات مزدحمة وغير نظيفة، فمن بين كل لاجئين اثنين في العالم نجد طفلًا أي أن ٥٠٪ من لاجئي العالم هم من الأطفال، وأشار تقرير صندوق الأمم المتحدة للطفولة الذي صدر في بداية هذه السنة إلى أن الأطفال قد ينشؤون لسنوات طويلة ولأجيال كاملة في أجواء الحروب مثلما هو الحال في أنجولا التي لا تزال تتواصل فيها الحرب منذ ثلاثين سنة، وكذلك أفغانستان التي لم تعرف السلم منذ سبعة عشر سنة، وسريلانكا منذ ١١ سنة، والصومال منذ ٧ سنوات، كما أن آلاف الأطفال الذين يبلغ سنهم أقل من ١٦ سنة يشاركون بإرادتهم أو بغير إرادتهم في معارك جديدة في ٢٥ بلدًا في العالم، وأشارت المعطيات المقدمة إلى التزايد الملحوظ لعدد ضحايا الحروب ففي ما بين عامي ١٩٤٥ - ١٩٩٢م، قتل في ١٤٩ نزاعًا أو حربًا في العالم ما يقارب ۲۳ مليون شخص، واللافت للنظر أكثر هو تزايد عدد الضحايا المدنيين خلال القرون الأخيرة، فقد كان نصف قتلى الحروب ما بين القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر هم من المدنيين، ثم تطورت نسبتهم لتصبح ثلثي القتلى خلال الحرب العالمية الثانية لتتطور أكثر فيما بعد وتبلغ ٩٠٪ في نهاية الثمانينيات، ففي سراييفو مثلًا نجد أن ربع الأطفال قد أصيبوا بجروح خلال هذه الحرب، وأفاد تحقيق شمل ١٥,٥ طفل بهذه المدينة أن ٥٥٪ من الأطفال قد استهدفوا من طرف عسكريين، وأن ۹۷٪ منهم قد عانوا عن قرب من قذائف أو متفجرات، وأن ٦٦٪ كانوا ينتظرون أن يكون موتهم نتيجة هذه الحرب، وفي رواندا لم ينج الأطفال من المذابح وحتى الذين كانوا منهم من ضمن الخمسين ألف رواندي الذين لجؤوا إلى زائير، فقد أصيب منهم العديد بمرض الكوليرا، أما في أنجولا، فإننا نجد أن ٢٠٪ من الأطفال قد اضطرتهم الحرب إلى أن ينفصلوا عن عائلاتهم، وأن ٦٦٪ من الذين استنطقوا من الأطفال قد أفادوا بأنهم كانوا شهود عيان على جرائم قتل، و٦٧٪ منهم على حالات تعذيب.
معاناة من الحروب والمجاعات:
ويضيف تقرير المنظمة أنه «حتى الأطفال الذين لم يروا في حياتهم سلاحًا، فإنهم يعانون هم أيضًا بطريقة غير مباشرة من الحروب والمجاعة والتخلف، وذلك بحكم ضياع الإمكانيات المالية الكبيرة والكبيرة جدًا التي تصرفها حكوماتهم على التسلح بدل إنفاقها على الخدمات الاجتماعية، ففي ۱۹۹۳م نجد أن ۷۹ بلدا الذين شهدوا حروبًا أو حالات من العنف السياسي هم من البلدان النامية، كما نجد خلال نفس السنة أن العالم قد أنفق ما جملته ۷۹۰ مليار دولار على التسلح، منهم ۱۲۱ مليار دولار في البلدان النامية مقابل ۲۷ مليار دولار في سنة ١٩٦٠، وذلك بدل إنفاق هذه الأموال الطائلة في قطاع الخدمات الصحية والتغذية والصحة والتعليم وتطهير المياه، فمن هذه البلدان نجد أن أنجولا، وإثيوبيا، وموزمبيق، والصومال، واليمن، وهم جميعًا من البلدان النامية والأكثر فقرًا في العالم قد أنفقوا في مجال التسلح أكثر منها في المجالات الاجتماعية.
وفي محاولة تفسيرها لهذه الظاهرة يؤكد تقرير المنظمة العالمية للطفولة على أن من الأسباب الرئيسة التي ساعدت على هذا الأمر انتشار الأسلحة الخفيفة والسهلة الاستعمال وكذلك انتشار الفقر، ومن ثم زيادة عدد العصابات المسلحة التي تزود أعضاءها بالأكل واللباس والسلاح وبعض المال، وقد أشار التقرير إلى أن اليونيسيف التي تحتفل السنة القادمة بالذكرى الخمسين لتأسيسها تستعد الإعلان حرب ضد هذه الحروب الدامية وذلك تحت شعار «الوقاية» وذلك من خلال توجهها المحاربة الأسباب العميقة للحروب، ومحاولتها إيجاد حلول وقائية تؤمن بها حماية النساء من الاغتصاب، وحماية الأطفال من التجنيد في الحروب والمعارك.
هذه الطفولة البائسة: من لها؟
من خلال كل ما تقدم يبدو لنا جيل البؤس والشقاء الذي تردت إليه على كل المستويات وضعية الأطفال في العالم، ورغم إدراك دول العالم ومؤسسات النظام الدولي لهذه المشكلة ورصدها لها منذ عقود عديدة، فإن الملاحظ هو بطء المعالجات وقصور الإجراءات المتخذة وهو ما ساعد في الأخير على زيادة تعمق هذه الظاهرة وتعقد أسبابها ومظاهرها، لقد أصبحت هذه الظاهرة من المشاكل الهيكلية العويصة والمستعصية على الحل في المستقبل المنظور على الأقل، وخاصة في ضوء تواصل نفس معطيات ومكونات النظام الدولي الراهن ويبدو هذا الإحساس باستعصاء حل المشكلة واضحًا في تصريحات بعض ممثلي المكتب الدولي للشغل الذين ذكروا أن الدورة الحالية لوزراء العمل الممثلين للمئة وثلاثة وسبعين دولة ستقتصر على بحث إمكانيات الإسراع في عمليات إلغاء تشغيل الأطفال وخاصة منه الشغل القسري، والاستعباد، وتعريض الأطفال إلى المواد الكيماوية، وكذلك الدعارة، وذلك من خلال إعداده لإعلان ميثاق دولي في سنة ۱۹۹۹م يدعو فيه إلى إلغاء الأشكال الأكثر خطرًا لتشغيل ولدعارة الأطفال.
ضحايا التخلف والاستعمار:
ويبدو لنا من خلال أسباب هذه الظاهرة ظاهرة بؤس ملايين الأطفال في العالم أن الأطفال هم ضحايا الكبار في كل شيء. ضحايا التخلف والاستعمار، وضحايا السياسات غير الوطنية، ضحايا جهل الكبار، ولئن ذهبت بعض الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة إلى تحميل المجتمع الدولي بمختلف مؤسساته ودوائره، وخاصة منه البلدان الكبرى التي تقدم نفسها على أنها أكثر اهتماما من غيرها بوضع الأطفال في العالم ومطالبتهم بأنهم يبدو نوعًا من الحزم في فرض احترام وتطبيق الالتزامات والمواثيق الدولية المقررة والموقعة من طرف الدول الأعضاء «وخاصة منها الميثاق العالمي لحقوق الطفل المعلن في سنة ۱۹۸۹م»، فإن الذي يحاول أن يتوقف بعمق عند هذه الظاهرة والآليات المنتجة لها يدرك قطعًا أن المسألة تتجاوز هذه الحدود بكثير.
إن وضعية الأطفال في أغلب بلدان العالم النامي في بعض دول الشمال المتقدمة ليست سوی جزء من وضعية «الإنسان المعاصر» الذي أصبح منفعلًا أو مفعولًا به أكثر من كونه فاعلًا منفعلًا باليات هذه الحضارة الغربية المادية التي أفرغته من كل أبعاده القيمية والأخلاقية لتسلمه بالكلية تقريبًا إلى نفسه وفردانيته، يدور حول مصلحته ومنفعته ويسعى إلى الربح الوفير بأقل ما يمكن من التكلفة، وفي أقل ما يمكن من الوقت والجهد، إن الخطر الداهم للحضارة الحالية لا يمثل تهديدًا للأطفال بحسب، وإنما للإنسان كقيمة وككيانية محورية في هذا العالم، فإذا كان إنقاذ هؤلاء الأطفال يمر عند البعض عبر اتخاذ جملة من التدابير الصحية «الماء الصالح للشراب، والتلقيح ضد الأمراض الخطيرة...» والتغذية الجيدة، وعبر تطوير مستوى التعليم لدى الأمهات حتى يتعلمن كيف يرعين أطفالهن. فإن الإنقاذ الحقيقي من وجهة نظرنا يمر أساسًا عبر تغيير ثقافة هذا العصر من ثقافة «فارغة» و«لاإنسانية» إلى ثقافة بديلة تجعل من الإنسان مركزية من مركزياتها تقر كرامته ووحدته.