; أحداث وادي بانجشير في أفغانستان.. الروس يقعون في الفخ الذي نصبوه | مجلة المجتمع

العنوان أحداث وادي بانجشير في أفغانستان.. الروس يقعون في الفخ الذي نصبوه

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1984

مشاهدات 59

نشر في العدد 672

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 22-مايو-1984

  • الانسحاب التكتيكي للمجاهدين أدى إلى محاصرة (٣٠) ألف جندي روسي ومقتل (١٤٠٠) جندي وضابط

مع بزوغ فجر ۲۰أبريل الماضي بدأت القوات الروسية شن أكبر هجوم لها على وادي بانجشير،  منذ غزوها للأراضي الأفغانية فيما عرف بهجوم الربيع، وقد اشترك في الهجوم ما يقرب من ٥٠ ألف جندي روسي ، تم تدريبهم على هذا الهجوم طوال الشهور الماضية، إضافة إلى مئات الدبابات وناقلات الجنود المدرعة، وعشرات من الطائرات القاذفة والعمودية الخاصة، وكان ناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية قد ذكر بأن الحشد الروسي لم يسبق له مثيل.

 وكان متحدث باسم الحكومة العميلة في كابول قد ذكر بأن الهجوم أسفر عن استيلاء القوات الروسية والأفغانية العميلة على الوادي، إلا أن متحدثا باسم المجاهدين نفى هذه الأنباء ووصفها بأنها مجرد دعاية للحكومة العميلة، وكان المجاهدون الأفغان قد تمركزوا في المناطق الجبلية المطلة على الوادي، بعد أن علموا بالهجوم الروسي قبل وقوعه، مما يعني سقوط ادعاء الحكومة العميلة بإبادة المجاهدين، إضافة إلى أن المجاهدين نتيجة علمهم بالهجوم المرتقب قاموا بنسف الطرق والجسور بين أفغانستان والاتحاد السوفياتي، مما أدى إلى عرقلة وصول إمدادات جديدة للقوات الغازية، ومن المعروف أن وادي بانجشير يبلغ طوله ۱۰۰ كيلومتر، ويتحكم في طرق الإمدادات من الاتحاد السوفياتي إلى العاصمة الأفغانية كابول، ويعتبر الوادي من أهم الأهداف للقوات الروسية.

وكانت وكالة الأنباء السعودية قد ذكرت يوم 25 أبريل في نبأ لمراسلها في باكستان أن المجاهدين تمكنوا من توجيه ضربة قوية إلى القوات الروسية، على الطريق الرئيسي الذي يربط بين كابول والاتحاد السوفياتي، وأضافت إن المجاهدين تمكنوا من تدمير جسر حيوي على نهر جوز بلند.

 وكانت المصادر الصحفية الغربية قد أكدت أن المجاهدين قد تمكنوا من تحقيق انسحاب تكتيكي، مما أدى إلى ما يمكن اعتباره فشلا لأهم أهداف الهجمة الروسية على الوادي، وفي نفس الوقت ذكر أحد الدبلوماسيين الأفغان- الذي يقيم حاليًا في المنفى في نيودلهي- أن المعلومات الواردة من وادي بانجشير تؤكد على الخسائر الكبيرة التي أصابت القوات الروسية.

واستطرد الدبلوماسي الأفغاني السابق قائلا: إن المعركة لم تنته بعد بالتأكيد، وإن الانسحاب التكتيكي للمجاهدين سيمكنهم من تجميع قواتهم لمهاجمة القوات الروسية، وكانت مصادر المجاهدين في بيشاور قد ذكرت أن الروس قد خسروا في المعارك التي جرت في وادي بانجشير خلال أسبوعين من القتال ١٤٠٠ جندي مع ضابط جنرال، إضافة إلى تدمير ١٥٥ دبابة ، وإسقاط ١٥ طائرة، كما أن ٨٠٠ جندي أفغاني من قوات العميل كارمل، قد لجأوا إلى صفوف المجاهدين بكامل أسلحتهم، كما ذكرت مصادر المجاهدين أن الانسحاب التكتيكي من الوادي كان خطة جهادية أدت إلى محاصرة القوات الروسية في الوادي، ويقدر عدد القوات الروسية بـ ٣٠ ألف جندي.

  • الوحشية الروسية في بانجشير:

استخدم الروس في هجومهم على وادي بانجشير القاذفات الثقيلة وأحدث الطائرات العمودية وكافة أنواع أسلحة الموت والدمار التي فتكت بالمدنيين، وكان متحدث باسم المجاهدين قد ذكر بأن الروس استخدموا في هجومهم أسلحة كيميائية متطورة، منها غازات خانقة وأحماض حارقة، ومواد تؤدي إلى العجز والحروق الجلدية والعمى.. وذكر المصدر أن الروس استخدموا أيضا نوعا من الغاز السام شديد الخطورة و يدعى «تي ٢ – ميكروتوكسين» بالإضافة إلى نوع آخر من الأسلحة الكيميائية التي تحتوي على الفوسفور والكبريت، يسبب الاختناق والحروق والاضطراب العصبي وتهيج أعضاء الجسم، كما تم استخدام غاز يطلق عليه اسم «سمبرشي» وهي مادة ذات تأثير مميت لا مثيل لها، نظرًا لكونها غير مرئية ولا رائحة لها، وتعتمد على المفاجأة الكاملة وتحدثالوفاة بسرعة، حيث لا تترك للضحايا فرصة للقيام بأية حركة مهما كانت ضئيلة، وقد ذكر متحدث باسم المجاهدين الأفغان أن القيادة الروسية باتت تستخدم الساحة الأفغانية لاختبار أسلحتها الجديدة، وأن التلوث لم يمتد إلى الأجساد فقط بل إلى مصادر المياه والمزروعات، بحيث يتحول كل شيء في الوادي إلى مادة مسممة!!

 وكانت إحدىالممرضات الفرنسيات العاملة ضمن بعثة طبية فرنسية قد ذكرت أن الجنود الروس حين يقتحمون القرى يقومون بقتل الذكور والاعتداء على النساء، وقالت إنها استطاعت الوصول إلى باكستان، عندما قرر ثلاثة من الجنود الروس الهرب بها إلى باكستان.

 وقالت إن الجنود هم من مسلمي آسيا السوفياتية، وكان الجندي الروسي إیجال الذي تمكن من الهرب نحو صفوف المجاهدين مع زميله إيليك قد ذكر لأحد المراسلين الصحفيين أن السبب الأول الذي دفعهما للهربكان الأسلوب الوحشي الذي اتبعته القوات الروسية أثناء هجومها الأخير، وذكر أيضًا: أن قائد كتيبته الكولونيل جيفور طعن بيده صبيا أفغانيًا لا يتجاوز العاشرة من عمره في كل مكان من جسده وبشكل وحشي حتى مات، ولهذا كله كانت صيحة أحد زعماء المجاهدين حين قال إن وحشية الهجوم الروسي تعتبر درسًا قاسيًا لكل من يحاول التفاوض مع الروس.

  • لماذا الهجوم على بانجشير؟

منذ وصول تشيرننكو إلى سدة الرئاسة السوفياتية، بعد وفاة أندروبوف قبل عدة شهور والمراقبون في العاصمة الروسية يتحدثون عن خطة يرسمها الكرملين، لتلميع صورة الدب الروسي بعد الجمود الذي أصابه في عهد أندروبوف، نتيجة المرض المزمن والمستمر للزعيم السوفياتي السابق، إضافة لوجود أسباب أخرى تتعلق بالوضع داخل الاتحاد السوفياتي، من حيث محاولة القيادة الجديدة رسم صورة مقبولة لها لدى الرأي العام الروسي، بعد الخسائر الفادحة التي أصابت القوات الروسية على مدى السنوات السابقة، حيث فقدت هذه القوات أكثر من ٥٠ ألف جندي من بينهم عدد كبير من المستشارين العسكريين والمدنيين، وما يقرب من ثلاث آلاف دبابة والعديد من الطائرات والآليات، كما أن الغزو الروسي يكلف موسكو أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنويًا، لذا فإن القيادة الروسية تحاول الوصول إلى إنهاء هذا التورط، بشكل لا يؤدي إلى انهيار صورتها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

ومع قناعة هذه القيادة باستحالة الحسم العسكري النهائي، وتأمين الاستقرار لحكومة كارمل العميلة، وجدت أن الحل السلمي للقضية الأفغانية هو الطريق الوحيد الذي يخرجها من المستنقع الأفغاني الذي سقطت فيه، وهذا ما يفسر التحرك الجديد للأمين العام للأمم المتحدة حيث توجه مبعوثه غوردوفيز إلى كل من أفغانستان وباكستان وإيران، لدراسة إمكانية الوصول إلى حل سلمي للمشكلة الأفغانية، والملاحظ هنا أن التحرك الجديد نحو الحل السلمي بدأ قبل أسبوع واحد من الهجمة الروسية الشرسة على وادي بانجشير ، مما يعطي انطباعًا بأن الهجوم الروسي الأخير كان بمثابة ورقة ضاغطة على الأطراف الأخرى لدفعها نحو المشاركة في الحل السلمي للقضية الأفغانية، ويبرز هنا الجانب الباكستاني باعتباره أهم الأطراف التي يعنيها الاتحاد السوفياتي، ومن هنا كان توجه القيادة الروسية لدعم التحركات الانفصالية العاملة ضد وحدة الأراضي الباكستانية، وعقد الصفقات العسكرية مع الهند كعامل ضغط على حكومة باكستان لإغلاق حدودها مع أفغانستان، مما يؤدي -على حد اعتقاد الجانب الروسي- إلى شل حركة المجاهدين الأفغان، ولكن يحضرنا في هذا الجانب كلام رئيس اتحاد المجاهدين عبد رب الرسول سياف حين زيارته الأخيرة للكويت حيث قال: إن إغلاق الحدود الباكستانية من شأنه أن يؤثر على حرية التحرك، ولكن لن يعيق الحركة الجهادية، لأن هذه الحركة ولدت داخل أفغانستان، ونمت وترعرعت في جبالها ووديانها لذلك فإن الحركة الجهادية باقية ومستمرة مهما وضعوا أمامها من عقبات وعراقيل.

  • الصمود:

مع أن الغزو الروسي لأفغانستان مضى عليه أكثر من أربع سنوات، ورغم الآلة الحربية المتقدمة والتي حوت كافة أنواع أسلحة الموت والدمار، ورغم سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها القيادة الروسية حيث أهلكت الحرث والنسل، واستعملت كافة أنواع الأسلحة الكيميائية الممنوعة دوليًا، ورغم القنابل الفوسفورية والحارقة والانشطارية و.... و... و..... رغم كل هذا بقي الشعب الأفغاني صامدًا وصابرًا في أروع وأعظم ملحمة بطولية عرفها التاريخ الحديث، وفي الوقت الذي توقع العالم كله انهيار أفغانستان أمام عظمة ووحشية الآلة الحربية الروسية، التي استطاعت أن تذل تشيكوسلوفاكية خلال ساعات خلال الأحداث التي جرت في الستينيات، والتي أركعت ألمانيا والمجر، مع أن العالم كله كان يؤيد هذه التحركات ضد روسيا ويدعمها ماديا ومعنويا، وها هي أحداث بولندا التي تدخل العالم كله يؤيدها ويناصرها إلا أنها لم تستطع أن تفعل شيئا أمام الطغيان الروسي والسيطرة الروسية..

نقول- مع ذلك كله- استطاع المجاهد الأفغاني وحده بسلاحه البسيط وطعامه القليل، وثيابه التي تكاد أن تستر جسمه أن يمرغ الجبروت الروسي، وأن يهز أمن الآلة العسكرية الروسية، وأن يسخر من جنرالات القيادة الروسية.

 ويبقى لنا هنا كلمة نوجهها إلى الكارمليين العرب الذين جعلوا من كارمل الأفغان قائدًا ثوريًا وبطلًا وطنيًا: إن الصمود المستمر لما يزيد على أربع سنوات يجب أن يحرك مشاعركم- إن كانت لديكم مشاعر، ويثير فيكم الأحاسيس الصادقة- إن كنتم تملكون أية أحاسيس..  إن القضية الفيتنامية أخذت حيزًا كبيرًا في جميع الأجهزة الإعلامية في العالم، ودبجت من أجلها المقالات وخرجت للتعبير عن التضامن معها وتأييدها المظاهرات، مع أن القضية الفيتنامية لقيت من التأييد المادي والعسكري من روسيا والصين ما لم تلقه أية قضية أخرى في العالم، وهاهي القضية الأفغانية تقابل بالتجاهل وبالتشويه، مع أنها تزداد أهمية عن القضية الفيتنامية من جميع الجوانب، وما كل ذلك إلا لكون القضية الأفغانية قضية إسلامية ترفع راية الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وتحقيق حاكمية الله فوق الأرض الأفغانية، ولهذا نرى أحد كبار المحللين السياسيين هنري برشادار، والذي كان يعمل في المخابرات الأمريكية عن منطقة غرب آسيا يقول حول موقف الإدارة الأمريكية من القضية الأفغانية: إن هناك تيارين داخل الإدارة الأمريكية أحدهما يدعو لتأييد أي مبادرة لحل القضية الأفغانية، وهو التيار الأضعف، أما التيار الأقوى فهو يعارض أي اتجاه لحلها بغرض إلحاق خسائر بالقوات الروسية عن طريق حرب العصابات، ولإحراج موسكو عالميًا، ولاسيما أمام العالم الثالث دون السماح للمجاهدين الأفغان بتحقيق انتصار على الروس، لأن هذا لا يخدم أساسًا الوجود الأمريكي في المنطقة وسوف يزيد من الشعور الإسلامي المتنامي، والذي يكمن الكراهية للروس والأمريكيين على حد سواء.

أما مراسل صحيفة التايمز البريطانية  فيقول: يبدو أن الجميع متفقون على إبقاء الحالة على ما هي عليه في أفغانستان، لأن المجاهدين يقاتلون الروس بأسلحة بدائية، ولو كان هناك أحد يريد مساعدتهم لقدموا لهم أسلحة يمكن أن يواجهوا بها الروس.

وعلى العموم فإن المجاهدين الأفغان يتطلعون إلى إخوانهم في البلاد الإسلامية، لمد يد المساعدة والمساهمة لتمكينهم من الصمود والقتال حتى يتحقق لهم النصر بإذن الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 452

106

الثلاثاء 03-يوليو-1979

من لأفغانستان بعد الله

نشر في العدد 468

99

الثلاثاء 05-فبراير-1980

أضواء على الجيش الروسي

نشر في العدد 492

124

الثلاثاء 05-أغسطس-1980

المجتمع الإسلامي (العدد 492)