العنوان أحداث السودان: ثورة خبز أم ثورة حريَّة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1985
مشاهدات 118
نشر في العدد 711
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 02-أبريل-1985
. عمر الطيب.. هل يرث النميري في الحكم؟
. النميري والدوران ۱۸۰ درجة
. حراس السفارة الأمريكية من المارينز أطلقوا النار على المتظاهرين فقتلوا ثلاثة وجرحوا عددًا آخر.
. اتهام الاتحاد الاشتراكي للإخوان لا أساس له من الصحة وتنفيه وقائع الأحداث.
. الشيوعيون هم وراء إلحاف الأذى ببنك فيصل الإسلامي
. معركة الوراثة بدأت بين مراكز القوى داخل النظام.
. أحداث جامعة الخرطوم الشهر الماضي تؤكد أن النظام وراء الأحداث الأخيرة.
. الأزمة السودانية الحالية سببها الذيلية والتبعية للقوى الكبرى.
من حق المراقب لمجريات الأمور في السودان أن يسأل أو يتساءل: هل ما يجري في السودان ثورة خبز أم ثورة حرية أم الاثنان معًا؟
لقد أجمعت الصحف العالمية ووكالات الأنباء أن ثورة خبز قد اندلعت في السودان، واستندوا في قولهم هذا إلى أن المظاهرات خرجت عقب إعلان الزيادة في أسعار الخبز بنسبة الثلث تقريبًا، بعد أن كان سعر الرغيف الواحد ١٥ قرشًا، استيقظ الشعب من نومه ووجد أن سعره ارتفع إلى عشرين قرشًا.
وقالت تحليلات أخرى إنها ثورة حرية باعتبار أن المظاهرات خرجت من الجامعات والمعاهد العليا والمدارس الثانوية، وهؤلاء طلاب لا يحملون كثيرًا هموم المعيشة وإنما يتكفل بهذه الهموم آباؤهم، والطلاب في السودان عشاق حرية، والمجتمع الطلابي داخل جدران الجامعات والمعاهد يتمتع بحرية مطلقة في التعبير عن آرائه ومعتقداته، والذي يزور المؤسسات التعليمية العريقة ويقرأ صحف الحائط أو يستمع للندوات يدرك هذه الحقيقة دون عناء، عكس المجتمع خارج هذه الجامعات.
ولكن الرئيس نميري وبعد الاعتقالات الأخيرة لقيادات الحركة الإسلامية في السودان، أصدر قرارات وتوجيهات بمصادرة تلك الحريات من الجامعات على أن يكون العمل حكرًا فقط للطلاب المنضوين تحت لواء الاتحاد الاشتراكي السوداني، وهم قلة قليلة لا تذكر وانتماؤهم المنافع ومآرب شخصية لا أكثر ولا أقل.
والذين يقولون إنها ثورة الاثنين معًا، يجمعون بين الأسباب كلها، ولا سيما وقد انضم للمظاهرات أفراد من الشعب وممن هم ليسوا بالطلاب.
كيف بدأت المظاهرات
في يوم الاثنين 1 رجب الموافق ٢٥ مارس، نظم اتحاد طلبة جامعة أم درمان الإسلامية ندوة داخل حرم الجامعة «الاتحاد لا يسيطر عليه الإخوان»، ولكن الطلاب الذين جاؤوا للندوة كانوا يعتقدون أنها للتحضير للخروج في موكب احتجاج لما يجري في الساحة من قبول لشروط أمريكا والبنك الدولي، وما تتبع ذلك من إجراءات تتنافى مع حرية وكرامة المواطن السوداني، فضلًا عن تردي الأوضاع الاقتصادية للدولة والحالة المعيشية للفرد.
في اليوم التالي -يوم الثلاثاء- خرج طلاب جامعة أم درمان في مظاهرة صاخبة يرددون الهتافات ضد النظام وأمريكا والبنك الدولي، وانضم إليهم الكثيرون من الأفراد نعتهم الحكومة بأنهم «متسكعون وعاطلون»، بينما وصفتهم وكالة الأنباء الرسمية بالرعاع والدهماء! وهم على كل حال سودانيون من واجب الدولة الارتقاء بهم وتحسين ظروف معيشتهم.
مظاهرة الثلاثاء كانت سلمية نسبيًّا، أما في يوم الأربعاء فقد اندلعت المظاهرات في المدن الثلاث: الخرطوم- أم درمان- الخرطوم بحري، وهي المدن التي تعرف بالعاصمة المثلثة، أي المدن الثلاث وتربط بينها جسور مقامة على النيل.
اتسمت مظاهرة الأربعاء بالفوضى والتخريب والنهب، وكانت مظاهرة حاشدة اشتركت فيها جموع مختلفة من أفراد الشعب بالإضافة إلى الطلاب
أهداف منتخبة
تميزت مظاهرة الأربعاء بتوجهها نحو أهداف معينة منتخبة، فأعطت الانطباع على أنها ثورة خبز وحرية في آن واحد معًا، فاتجهت أول ما اتجهت إلى مجلس الشعب عند كوبري أم درمان فوجدته مغلقًا، فرجم المتظاهرون مبنى المجلس بالحجارة، واتجهوا إلى جمعية تعرف بجمعية «ود نميري» التعاونية بإحدى ضواحي أم درمان، ويرأس مجلس إدارتها ويديرها مصطفى النميري شقيق جعفر نميري، وقصد المتظاهرون هذه الجمعية لأن شبهات حامت حولها وأقاويل لاكتها الألسن وشككت مصادر كثيرة في ذمة من يملكونها ويديرونها، وأصيبت الجمعية بأضرار بالغة ورُددت هتافات ضد نميري وشقيقه وأقاربه.
أما مظاهرة الخرطوم فاتجهت نحو الاتحاد الاشتراكي، التنظيم السياسي الوحيد، وحطم المتظاهرون النوافذ والأثاث. ومن هناك توجهوا إلى بعض المكاتب الحكومية وفعلوا الشيء نفسه.
السفارة الأمريكية هدف أساسي
اعتبر المتظاهرون سفارة أمريكا بالسودان هدفًا أساسيًّا لهم، فاتجهوا صوبها وحاصروها ورشقوها بالحجارة وحاولوا اقتحامها، وهتفوا ضد أمریکا مستعبدة الشعوب وهتفوا ضد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ودارت معارك حامية بين متظاهرين عُزل من السلاح وبين حراس السفارة الذين أطلقوا الرصاص فقتلوا على الفور ثلاثة من المتظاهرين وجرحوا عددًا آخر.
والسؤال: من الذي يحرس السفارة ومن الذي أطلق النار؟ يقولون إن السفارة الأمريكية حراسها أمريكيون من المارينز كبقية السفارات الأمريكية في العالم المعادي لأمريكا، وهؤلاء هم القتلة؛ إذ إن الحارس السوداني يصعب عليه إطلاق الرصاص على العُزل بهذه القسوة.
والسؤال الثاني: لماذا السفارة الأمريكية في موقعها الحالي؟ إن السفارة في موقع يصعب الدفاع عنه أمنيًّا؛ فهي تقع في شارع علي عبد اللطيف المحاط بعدد من المؤسسات التي يرتادها جمع غفير من الناس، وقريب من الشارع توجد جامعة القاهرة فرع الخرطوم، ومعهد الخرطوم للتكنولوجيا، واستاد الخرطوم لكرة القدم، والسينما الوطنية، وعدد كبير من المدارس لمختلف المراحل، فضلًا عن البيوت السكنية والمؤسسات التجارية والشارع نفسه مكتظ بالمارة والسيارات، فلماذا اختير هذا الموقع بالذات رغم أن السفارة نقلت له بعد اقتحامها من قِبل الفدائيين الفلسطينيين في فبراير عام ٧٣، وكان موقعها في العمارات وبالتأكيد أفضل من الموقع الجديد.
على كل هذا هو الذي حدث، تهشيم للسيارات أمام السفارة وتحطيم للنوافذ وإطلاق للرصاص صرعی وقتلى أمام السفارة، وإلى الله نشكو ظلم أمريكا، ونسأل الله أن يجعلها في سافل السافلين إنه على ما يشاء قدير.
يقول شاهد عيان: اقتحم أحد المتظاهرين سيارة «خواجة» فحطم سيارته واستولى على حقيبة بها أربعون ألف جنيه، فقام بنثرها على المتظاهرين ولم يأخذها لنفسه.
وبما أن المقر الرئيسي لبنك فيصل يقع قبالة السفارة الأمريكية، فقد قصده فئة معينة من المتظاهرين وألحقوا به بعض الأضرار، وتعرض بنك فيصل الإسلامي لكثير من التجني المقصود من أركان النظام الحاكم في السودان، وسنفرد لنشاط البنك حيزًا خاصًّا دحضًا للبهتان والافتراء.
من وراء الأحداث
تضاربت الأنباء والتحليلات فيمن يكون وراء الأحداث: هل هي مظاهرات بتدبير الجهات المعارضة للنظام؟ أم هي مظاهرات عفوية أشعلها الطلاب كعادتهم وسار وراءها الناس؟ أم هي من تدبير جماعة الإخوان المسلمين بعد اعتقال قادتهم قبل أيام عقب زيارة جورج بوش مباشرة؟
الحكومة نفسها لم تستطع أن تحدد الجهة المنظمة، التنظيم السياسي اتهم الإخوان صراحة وأعضاء هذا التنظيم، وهم «كلحم الرأس» في اختلاف المشارب والأهواء لهم مصلحة في اتهام الإخوان؛ فهم حاقدون على الطهارة والأطهار الأخيار، وكان الإخوان أيام تحالفهم شوكة حوت وغصة في حلوق هؤلاء وسدًّا كبيرًا أمام فسادهم الخلقي والذممي، لذلك فهم جاهزون لإصدار التهم الممجوجة التي ملتها الشعوب، وما عاد أحد يصدقها.
أما وكالة الأنباء الرسمية وسلطات الأمن فقد حملت المسؤولية على الرعاع والمخربين والغوغاء الذين انضموا للمظاهرات الطلابية.
تضارُب هذه البيانات من أجهزة النظام الحاكم أثار موجة شك عند الدبلوماسيين الغربيين الذين يراقبون الموقف في قلق على مصير نظام صديق الغرب، وقالوا إن من الصعب تصديق إلقاء مسؤولية إثارة وتنظيم المظاهرات على الإخوان المسلمين، وأشاروا إلى أن المظاهرات بدأت من جامعة أم درمان التي لا يتمتع فيها الإخوان بنفوذ كبير.
وتستطيع «المجتمع» أن تؤكد -استنادًا إلى مصادرها الخاصة ووثيقة الصلة بما يجري في السودان- أن اتهام الاتحاد الاشتراكي للإخوان لا أساس له من الصحة، وأنه اتهامٌ مُنافٍ للحقيقة والواقع.
إذًا من وراء الأحداث؟
يقول رأي إن الحكومة نفسها دبرت المظاهرات ولم تستطع السيطرة عليها، ولكن لماذا تدبر الحكومة مظاهرات ضد نفسها؟
ويقولون إن ذلك ربما يكون لأسباب، منها:
١-إعلام أمريكا أن قبول شروطها صعب ولا بد من دعم مالي حقيقي لإنقاذ النظام الصديق.
٢-معركة الوراثة بدأت بين مراكز القوى داخل النظام، وبدأ البدلاء في تصفية حساباتهم ليهلك من هلك ويبقى من بقِي على بينة.
3-لم تجد سلطات الأمن تهمًا لمعارضي النظام لتقديمهم للمحاكمات، خاصة المعتقلين من قادة الإخوان، وافتعلت هذه الأحداث لإلصاق التهم لهم وتقديمهم إلى المحاكمات إرضاءً لأمريكا ومصر.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن جهاز الأمن الذي يرأسه النائب الأول عمر محمد الطيب يضم مختلف فئات الشعب، فإلى جانب الضباط الذين تلقوا تدريبهم الخاص في أمريكا يضم الجهاز أفرادًا عدة من المدنيين السائقين وبائعي الخضار، وكثيرًا من الموظفين ضعيفي النفوس وحتى بعض الوزراء وثيقي الصلة بعمر محمد الطيب، مثل السيد الجهلي رئيس المجلس الأعلى للشؤون الدينية.
وهذا لا يمنع اشتراك أفراد الشعب بمختلف انتماءاته السياسية والمذهبية دون تنظيم أو توجيه مسبق، ولو أن المؤكد أن الشيوعيين اندسوا وسط المظاهرات وكانوا هم الذين هدفوا إلحاق الأذى ببنك فيصل الإسلامي؛ للإيحاء بأن المؤسسات الإسلامية سبب في المعاناة مجاراة لادعاءات النظام.
أحداث جامعة الخرطوم
وأحداث جامعة الخرطوم الشهر الماضي تؤكد أن النظام وجهاز الأمن بالذات وراء الأحداث الأخيرة من مظاهرات وفوضى، فقد استغل جهاز الأمن الموجود داخل الجامعة بالتعاون مع الاتحاد طالبًا لا ينتمي للإخوان وهو صغير السن، وأوعزوا إليه عمل منشور يهاجم فيه أعراض الطالبات والطلبة ويمس الاتجاه الإسلامي مسًّا غير كريم، إلا أن شقيق الطالب وبَّخه وأرشده إلى السلوك القويم، ولا سيما أن له أختين بين الطالبات ويؤديان الصلاة في مسجد الجامعة بانتظام، فقام الطالب المغرر به بنشر بيان اعتذار قال فيه: إن أفراد الاتجاه الإسلامي هم أقرب الناس إليه وأنه غرر به من بعض أعضاء الاتحاد. وبعد أن فضح أمر جهاز الأمن والاتحاد، تحرش هؤلاء وهم مسلحون بالعصِيّ والسيخ والمولوتوف بأعضاء الاتجاه الإسلامي وألحقوا بهم أذى وهم عُزل، فاستغلت الحكومة الأمر وأغلقت الجامعة واتخذت تلك الأحداث للكيد ضد الحركة الإسلامية عمومًا.
قصة الرغيف من قرش إلى عشرين
تلك قصة الأحداث قصصناها عليك، فما هي قصة الرغيف -أي الخبز- الذي يشعل في كل بلد عربي زراعي ثورة؟ فهو الذي أشعل انتفاضة ۱۸ و۱۹ يناير ٧٧ في مصر وسماها السادات آنذاك بانتفاضة الحرامية رغم تراجعه عن قراراته، وكانت انتفاضة المغرب وتونس العام الماضي للسبب نفسه، وفي كل انتفاضة سقط القتلى والجرحى.
استلم جعفر النميري الحكم في مايو عام ٦٩ بعد أن أطاح بحكومة الائتلاف بين حزبي الأمة والاتحاد الديمقراطي «هز بها طائفتي الختمية والأنصار»، وكان ثمن الخبز قرشًا واحدًا فقط لا غير!!
والآن وبعد ستة عشر عامًا ارتفع سعر الرغيف إلى ٢٠ قرشًا بأمر مباشر من صندوق النقد الدولي، رغم أن متوسط دخل الفرد السوداني لا يتعدى المائة جنيه!
والسؤال: كيف يحدث هذا والسودان هو البلد الزراعي الواسع الذي ألقى كل العرب آمالهم عليه في أن يكون سلة غذاء لهم يساعدهم في التحرر الاقتصادي والسياسي من نفوذ أمريكا والغرب؟
وفي بداية عهد نميري هيمن الشيوعيون بصفة خاصة واليساريون من الناصريين وأشكالهم بصفة عامة على أمر الدولة، وقاموا بتخريب الاقتصاد السوداني بُغية تطبيق منهجهم الاقتصادي المؤسس على نظریات کارل ماركس، وكان سلوكهم هذا فيه كثير من الغباء والغرور تمامًا كالطالب الصغير الذي يردد المحفوظات دون إدراك معانيها، وقبل مرور عام واحد أصدروا بواسطة رئيس النظام الجديد نميري قرارات التأميم الشهيرة التي طالت حتى بعض المطاعم، مما ألحق أضرارًا بالغة بالاقتصاد السوداني لم ينمَحِ آثارها إلى يومنا هذا، فأحجموا على أثر تلك القرارات رأس المال الأجنبي والمحلي عن الاستثمار داخل السودان وهربوا.
وانتفت الثقة اللازمة للاستثمار، فرأس المال كما يقولون جبان وهذا حق.
لم تكتف الإجراءات الشيوعية بالاقتصاد والتجارة وإنما طالت الزراعة ومؤسساتها، فأممت المشروعات الخاصة دون داع لذلك، وأُلغيت القروض الغربية التي اتفق عليها لاستصلاح الأراضي الزراعية الجديدة، مثل مشروع الرهد الزراعي وكنانة، وحاولوا الاتجاه نحو روسيا التي لم تسعفهم كثيرًا، بل حاولت البدء بالقوات المسلحة وبيع الأسلحة لها!!
لم يمض عامان وقام الانقلاب الشيوعي وانقلب النميري عليهم ومسح اتجاههم، وتوجه نحو الرأسمالية بعد أن انسلخ من الاشتراكية ولو أبقى على كلمة الاشتراكية والديمقراطية إلى يومنا هذا «الاتحاد الاشتراكي السوداني- جمهورية السودان الديمقراطية».
أفرز الوضع من أول يومه فئة المنتفعين والمتسلقين من المثقفين، وقام الشيوعيون في أول أيامهم برفع شعار «التطهير واجب وطني»، فقاموا بإعفاء عدد كبير من الموظفين الكبار المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة من الخدمة المدنية، فأصيب هذا الجهاز المفخرة في صميمه، كما أصيب الاقتصاد والزراعة وتسلق النفعيون من بقايا الأحزاب بما فيهم «المنشفيك» والمستقلون الذين وجدوها فرصة للاستوزار، فكان كل ذلك بداية الانحدار الذي وصل القاع الآن.
فكل عام يأتي وزير مالية يوصَى إليه بزيادة الأسعار الموازنة بين الإيرادات والمصروفات فيفعل، إلى أن وصل سعر الخبز إلى عشرين قرشًا في البلد الذي كان يصدر الحبوب بأرخص الأثمان إلى الدول المجاورة!
إلى أين تتجه الأحداث
الأزمة السودانية الحالية أزمة ذو ثلاث شعب، وهي أزمة أكثر الأنظمة العربية التي قلدت عبد الناصر في انقلابه وسلوكه في الحكم، وتتلخص في:
1-الأزمة السياسية التي تفتقد إلى التراضي بين الراعي والرعية لانعدام الشورى والحرية.
2-الذيلية للأجنبي والتبعية للقوى الكبرى.
٣-الأزمة الاقتصادية النتيجة الطبيعية للأزمتين السابقتين.
هذه المرة تفاقمت الأحداث لدرجة جعلت المحللين السياسيين يذهبون مذاهب شتى في التحليل.
لذلك يتوقع كثيرون وقوع انقلاب عسكري يطيح بالنظام، ولم يستبعدوا أن يتحرك ضباط وطنيون من داخل الجيش لإنقاذ الموقف بعد أن بدأت شرطة النظام وجنده إطلاق الرصاص على جماهير الشعب.
ولكن هنالك من يستبعد الانقلاب لأن عيون النظام ساهرة، حيث يعيش الجيش الآن حالة استعداد قصوى مما يجعل أي تحرك غير محسوب صعبًا للغاية، ولوجود عدد كبير من الضباط الشباب في الجنوب لقمع التمرد هناك.
كما أن الجيوش الآن ليست قادرة على الانقلاب بعد أن اعتمدت الأنظمة على أجهزة أخرى مثل الحرس الجمهوري والأمن القومي والأمن الخاص والمخابرات... إلخ.
ويتوقع آخرون أن يعيد التاريخ نفسه فيتكرر ما حدث في ٢١ أكتوبر عام ٦٤، حيث قُتل طالب جامعي اسمه القرش رحمه الله، فاندلعت ثورة شعبية عارمة اشترك فيها السياسيون والخدمة المدنية إلى أن أجبرت الطغمة العسكرية على التخلي عن السلطة راغمة صاغرة. بَيْد أن الملاحَظ أن ثورة أكتوبر كانت ثورة حرية أولًا وأخيرًا، وثورة اليوم ثورة خبز في المقام الأول، ومع ذلك من غير المستبعد أن تتحول إلى ثورة حرية.
وهنالك من يتوقع أن يحتدم الصراع بين المتطلعين للوراثة من داخل النظام، فهناك تطلعات النائب الأول الحالي عمر الطيب، وهناك طموحات النائب الأول السابق أبو القاسم محمد إبراهيم، ويسعى الرشيد الطاهر الذي عُين نائبًا للرئيس للشؤون السياسية والقانونية، لأن يكون حاكمًا للسودان، فطموحات الرجل لا حدَّ لها.
ولكن.. من يفوز؟
يرى المراقبون أن حظ عمر هو الأوفر، فهو النائب الأول وهو رئيس جهاز الأمن الآن. وترضى عنه أمريكا ولا ترفضه مصر ومن في حكمها، وقد نُسب لعمر الطيب قوله في الماضي القريب، «النميري مُنتهٍ طبيًّا وأنا الوريث للحكم». ويقال إنه أوعز للأمريكان وأنه على استعداد لتنفيذ ما يُطلب منه، مثل ضرب الحركة الإسلامية وحصر التوجه الإسلامي في الطرق الصوفية والإسلام التقليدي المرضي عنه أمريكيًّا وإقليميًّا، وفعلًا كان قد شرع في وضع تصور لمؤسسات بديلة وشبيهة للمنظمات الإسلامية الحالية مثل منظمة الدعوة ووكالة الإغاثة.
وكان قد بدأ في وضع العراقيل أمام نشاط هذه المنظمات، فبُحجة الأمن ألغى دورة تدريبية تعليمية لأبناء الجنوب في إحدى محافظات الجنوب، رغم أنه سمح بستِّ دورات شبيهة للنصارى هناك رغم أنهم أجانب قادمون من وراء البحار.
وبما أن عمر ينتمي إلى عائلة تتزعم طريقة صوفية وتنتمي هذه الطريقة إلى طائفة الختمية المشهورة، فإنه يعد العدة الآن لتكون المرحلة القادمة مرحلة الختمية، وسوف تشهد البلاد احتفالات لإحياء ذكرى السيد علي الميرغني زعيم الطائفة الراحل؛ إذ إن صوره بدأت تحتل أمكنة بارزة في صحف النظام فجأة.
وهناك من يذهب أبعد من ذلك ويرشح السيد الصادق المهدي أحد زعماء طائفة الأنصار لخلافة النميري، ويؤكد هؤلاء أن أمريكا لا تمانع، ولكن المشكلة بالنسبة له أن هنالك حاجزًا نفسيًّا وتاريخيًّا بين الرجل ومصر، فمنذ أن قاد الإمام محمد أحمد المهدي ثورته الإسلامية الشعبية وحكام مصر ينظرون إلى عائلة المهدي بخيفة وتوجس.
والرأي الأخير يقول ببقاء النميري في الحكم؛ خصوصًا وأنه أثبت لأمريكا أنه قام بالواجب الذي كان سيقوم به عمر الطيب ثانية، من ضرب للحركة الإسلامية حسب الطلب وحصرٍ للإسلام في الركن المرضي عنه.
ورغم هذا وذاك تردد قول الشاعر العربي:
والليالي من الزمان حُبالى *** مثقلات يلدن كل عجيب
ونسأل الله العلي القدير أن يقي السودان من كل سوء ومكروه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل