; أحداث الجزائر وأزمة الشرعية على الساحة الغربية | مجلة المجتمع

العنوان أحداث الجزائر وأزمة الشرعية على الساحة الغربية

الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

مشاهدات 57

نشر في العدد 1167

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

ما يجري على ساحة الجزائر يؤكد أهمية طرح عدد من القضايا والأزمات في موضوعية وتجرُّد على بساط البحث العربي ، اليوم قبل الغد، والأمس قبل اليوم، وعلى رأس هذه القضايا والأزمات، تأتي قضية أو أزمة الشرعية. 

وفي قائمة هذه القضايا أيضًا تأتي قضايا الديمقراطية والحريات، كما تضم كذلك قضية أو أزمة التنمية التي صارت كقميص عثمان يتشبث ويتسربل بها أهل الشرق مثل أهل المغرب، لتمرير أو تبرير السياسات. 

ونحسب أن طرح قضية أو أزمة الانتخابات التشريعية التي أجريت في عهد الرئيس الجزائري السابق بن جديد، والتي أطيح بسبب نتائجها، كما تم إلغاؤها قبل أن تبدأ مرحلتها الثانية بعد أن تأكد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ الساحق فيها- هو الآخر حظى بأهمية بالغة- لأن هذه الانتخابات، وأيضًا نتائج مرحلتها الأولى تمثل بداية الطريق الصحيح لفهم أبعاد وزوايا وخفايا أزمة أو قضية الشرعية والديمقراطية، وكافة القضايا الأخرى، بالإضافة إلى أنها أكدت على مجموعة هامة من الحقائق بدت واضحة جلية، ليس من السهل إخفاؤها أو إغفالها، ومن ذلك: 

أن الحركة الإسلامية ذات وزن وحجم على المستوى الشعبي تستطيع من خلاله في أي انتخابات حُرة ونزيهة أن تحظى بثقة الناخبين، وأن تحقق أرقامًا في قوائم الناخبين أو قوائم الفائزين من المرشحين تتضاءل دونها أرقام الآخرين، وخاصة أحزاب أو جماعات السلطة. 

والوزن والحجم اللذان تتمتع بهما الحركة الإسلامية على المستوى الشعبي بقدر ما يعودان إلى جذور عميقة تمنحها الاستمرارية والنماء طالما بقيت الحركة على أصالتها، ووضوح زواياها وأهدافها، وقوة ومتانة الرباط الذي يربط إيمانها بفهمها بتطبيعها، بقدر ما يؤكد أن الأمة في شتى أقطارها لم تستطع أن تصرفها تجارب الشرق أو الغرب عن هويتها، أو تبعدها عن أصالتها، أو تفصل بينها وبين معتقداتها، بل جاءت هذه التجارب مصحوبة بالكثير والكثير من الخسائر، كما أن حصيلتها من الهزائم والتراجع جاءت أكبر من أية حصيلة أخرى جنتها أو دفعت ثمنها الأمة في أي تجارب أخرى، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ يقين في الأذهان أن أي مستورد أو وارد من فكر أو نظريات يدور حول تنظيم أو ترتيب شئون وأمور العباد يتعارض مع ثوابتهم أو يجافي نظرتهم –لا يحمل في طياته إلا الخسران والبوار- وأن ما هو نابع من أصالة وهوية الأُمّة هو مصدر الرخاء والأمن والاستقرار، والعدل والإنصاف، وهذا يؤكده أنه بعد ثلاثة وعشرين عامًا من استقلال الجزائر، وبعد رفع رايات الاشتراكية وتجريم كل ما هو إسلامي، ومحاول صياغة العقول والأذهان والمفاهيم والسلوكيات في إطار وارد أو مستورد، عاد الناس إلى منبعهم الإسلامي الصافي، حين بدت سانحة يلتمسون فيها ومنها الحلول للقضايا والمشاكل، والنهوض من المآزق والمآسي، والحرية والعدل، بعد القهر والظلم. 

كما أن كل الدلائل والوقائع قد أكدت أن قضية المعتقدات والمفاهيم الراسخة إسلاميًا في أعماق القلوب والأذهان على مستوى الأُمّة داخل وخارج الجزائر أبعد ما تكون عن التغيرات العرجاء التي تطرح اليوم من باب الجهل أو التضليل، قائلة: إن الأزمات المعيشية مع تدهور الأوضاع الحياتية، إضافة إلى استفحال أمر البطالة، وسط الأحياء العشوائية، هي من أهم أسباب ظهور أو بروز الفكر الإسلامي والتيار الإسلامي، والبحث    عن الحلول الإسلامية، خاصة حين يضم التيار الإسلامي جموعًا من كل القطاعات، ومن كل الأحياء، ومن كل المستويات الثقافية والمتخصصة والفقيرة والثرية، ومن ثم فقضية الإسلام العقيدة، والشريعة، ونظام ونهج الحياة أبعد وأعمق من ذلك، وتلمس التغيرات المادية لا يعدو محاولة مكشوفة للتضليل أو التهوين من شأن الصحوة الإسلامية مثلها في ذلك مثل محاولات رميها بالإرهاب وسفك الدماء، والسعي للقفز على السلطة، وضرب الديمقراطية بعد ركوب موجها، وربما كانت محاولة للهروب من ضخامة الواقع بدفن الرؤوس في الرمال، أو لتسليط البنادق على الدُعاة إلى الله. 

وهي أيضًا- فوق كل هذا أو قبل كل هذا- تسلط الأضواء على ما يُسمى بشرعية نظم حكم عديدة ترفع أعلام الشرعية، وتتهم الآخرين بالتطاول والعدوان على الشرعية، وتزعم أنها تمثل الشعوب، وتحظى بثقة الشعوب، وأنها على مستوى الأداء والسياسات والتوجهات تحظى برضا الجماهير، وأن هذا الرضا غير المحدود من قبل الشعوب، مع هذا التأييد غير المحدود لها يجعلها الأمينة على الشرعية التي تذود عن الشرعية وتلزم الآخر بإطار الشرعية. 

إنّ تجربة الانتخابات الجزائرية التي ألغاها العسكر قبل أن تكتمل- وإن كانت ملامحها ودلائلها كانت قد اكتملت- تقول إن هذه الدعاوى التي تطلقها نظم حاكمة عديدة حول الشرعية والحفاظ على الشرعية والذود عنها قد انهارت، ودالت وزالت، كما أنها تزداد انهيارًا وزوالًا عند أي انتخابات حُرة نزيهة، تُتاح فيها للشعوب أن تمارس حقها في اختيار حُر نزيه، دونما قيود، وأن تمارس دورها في اختيار مسؤوليها في حُرية وأمن دون ضغوط. 

وإذا كان النظام الحاكم في الجزائر قد ألغى الانتخابات، بعد أن وضحت العلامات والدلائل والمؤشرات، فإن تطورات الأحداث في الجزائر منذ أُلغيت الانتخابات حتى اليوم تؤكد أن النظام الحاكم في الجزائر، وهو يفتقد إلى الشرعية، ويسعى بكل السبل للخروج من مأزقها يوجه عنفه وبطشه إلى أكثر من وجهة وعلى أكثر من ساحة، وتحت شعار الشرعية وحماية الشرعية. 

وأحدث ما يسعى النظام الجزائري الحاكم لإنجازه هو سعيه الدؤوب لإجراء انتخابات للرئاسة في نوفمبر القادم، فهو يراها خطوة بالغة الأهمية تستحق بذل كافة الجهود واللعب على كافة الحبال، مع حشد كافة الإمكانات لإتمامها، وصولًا إلى تحقيق ولو قدر من الشرعية في ظل معارضة واسعة تأتي من قبل أكبر الأحزاب والقوى الشعبية في الجزائر، ومنها جبهة الإنقاذ، وجبهة التحرير، وكافة أطراف وثيقة روما المشهورة. 

والملفت للنظر أن النظام الحاكم في الجزائر وهو يفتقد الشرعية ويسعى بكل جهده للوصول ولو إلى قدر من الشرعية، لا يتوانى في توجيه الاتهامات لهذه القوى الشعبية الواسعة، كما يتعمد إقفال كافة أبواب الحوار معها متهمًا إياها بالخروج على الشرعية، وفي نفس الوقت يجعل كل همه إجراء انتخابات الرئاسة في أي الظروف وفي ظل أي أجواء، وصولًا إلى تنصيب رئيس إن لم يكن من العسكر وبشكل سافر، فليس ثمة ما يمنع أن يكون من التابعين الخاضعين لتوجيه العسكر، ولافتات الشرعية أكثر من متوفرة وجاهزة. 

إن النظام الجزائري الحاكم، مثله مثل أي نظام حكم آخر يفتقد الشرعية، ويسعى إلى توفير أي قدر أو غطاء من الشرعية، ويغفل أو يتغافل عما يجري على الساحة من تدهور في الأوضاع، واختلال في أمان العباد والبلاد، لا يتوانى عن سلوك كافة السبل المفضوحة أو المكشوفة. 

فيتجنب إجراء انتخابات اشتراعية حُرة لاختيار جمعية تأسيسية أو مجلس شعبي لمواجهة الأوضاع والأحوال، وعلاج التدهور والانهيار، لأنه يعرف سلفًا أن ذلك يعني وصول التيار الإسلامي إلى قاعة البرلمان، وفوزه بالأغلبية. 

كما أنه يتجنب فتح حوار حُر غير مُقيّد من قِبله أو من قِبل أعوانه مع الأحزاب والقوى الشعبية وخاصة القوى الإسلامية للاتفاق على صيغة للمواجهة والتعامل مع الكارثة التي حلت بالجزائر، والمحنة التي تعيشها الجزائر، وهي في نفس الوقت تحاول حصر الحوار مع أطراف ثانوية أو هامشية، وفي إطار انتخابات الرئاسة. 

والنظام في توجهه نحو إجراء انتخابات الرئاسة، ومع إغلاقه لأبواب الحوار مع التيار الإسلامي ومع الأحزاب المتعاملة معه من أجل بلورة رؤية صحيحة حول القضايا والأزمات، وحول الحصول والخروج من الأزمات يحاول أن يغلف تصرفات بأغلفة كلها التحايل والتزييف مع التلويح بالقبضات في الوجوه. 

كما أنه يُعلن أن ساحة الانتخابات الرئاسية مفتوحة للجميع بعد أن كان قد حاول تقييدها بقيود ذات مغزى ومعنى لم يغب عن الكثيرين، وذلك حين حاول فرض شروط تتعلق بزوجة المرشح، وأصولها وآبائها وجدودها، ناسيًا أو متناسيًا أن الكثيرين من الرموز على مستوى السلطة والقيادات لا تتوفر لهم أو فيهم مثل هذه الشروط. 

كما أعلن النظام ويعلن بين الحين والحين عن لجان للإشراف على الانتخابات، ودعوة أناس من الخارج لمراقبة الانتخابات، ونزاهة الانتخابات، ويحكم على الآخرين بالبلاهة حين يظن أنهم يجهلون معنى تحريك أو تحرك العسكر واستدعاء الاحتياط، وبماذا توصف انتخابات تجري في ولايات قال محافظوها إنهم لا يضمنون سيرها أو نجاح إجرائها في موقعها، وأنه لا بُد من نقل سكانها لولايات أخرى للإدلاء بأصواتهم، ضمانًا للأمن، والسلامة. 

إن ما يجري في الجزائر هو مثال لما يجري على كثير من الساحات العربية، نظام حكم يفتقر إلى الشرعية، يحكم باسم الشرعية، يستند إلى قوة السلاح، لأنه يفتقر إلى تأييد شعب وثقة أُمّة، ثم يتهم الآخرين بالخروج على الشرعية، 

قبل زروال كان علي كافي يقول: إن الإنقاذ لم تحصل في الانتخابات الاشتراعية التي أُلغيت إلّا على 3.5 مليون صوت، فهل هذه نسبة تسمح للإنقاذ أن تعلن من خلالها أنها فازت بالأغلبية؟ ونسى كافي أو تناسى أنه وزروال وغير زروال جلسوا أو يجلسون على مقاعد الرئاسة، دون الحصول على صوت، ولكن خلال أسنة الرماح وسط لعلعة السلاح، وفي حماية بزات العسكر، 

إنها الشرعية في المفهوم العربي الرسمي، العيش في إطارها المزعوم عذاب، والخروج عن إطارها المزعوم جريمة، والشعوب وحدها تدفع الثمن. 

الرابط المختصر :