; أحداث آتشيه ومستقبل إندونيسيا | مجلة المجتمع

العنوان أحداث آتشيه ومستقبل إندونيسيا

الكاتب أحمد دمياطي بصاري

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999

مشاهدات 63

نشر في العدد 1377

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 23-نوفمبر-1999

المنطقة آتشيه تاريخ يعود ذكره إلى عهد بعيد حتى استقلال إندونيسيا عام ١٩٤٥م، هي منطقة تبلغ مساحتها ٥٧,365 كم مربع، وعدد سكانها حوالي 3.7 مليون نسمة منهم ٩٦ %مسلمون، ومعدل النمو السنوي ۲.۲ ، ويشتهر سكانها بقوة تمسكهم بالإسلام منذ دخوله المنطقة بين القرن السابع والثامن الميلادي، وكان للإسلام ولا يزال إلى هذه الساعة شأن في جميع حياتهم اليومية، وكانت الممالك الإسلامية سائدة منذ سنة ٨٠٤م، واستمرت سيادتها على قناة ملقا التجارية حتى قدوم القوى البرتغالية الاستعمارية عام ١٥١١م التي تمكنت من استبعاد التجار العرب من المنطقة، وبدأت السيادة تتدهور، واستمر هذا التدهور من سنة ١٦١٠ - ١٦٤٠ م، وانهارت تمامًا بوفاة السلطان إسكندر الثاني المعروف بشجاعته وكرمه عام ١٦٤١م.

وجاءت القوى الهولندية والبريطانية بعد وفاته، واستولت على المنطقة التي كانت تحت أيدي المسلمين، وبعد أن تم توقيع الاتفاق الأمني في لندن عام ١٨٢٤ م، تمكنت هولندا من السيادة على الممتلكات البريطانية في جزيرة سومطرة، وبالمقابل تنازلت هولندا لبريطانيا عن مستعمراتها في الهند وسنغافورة، وعلى الرغم من ذلك فإن القوى الهولندية لم تتمكن من فرض سيطرتها على منطقة آتشيه التي اشتهر سكانها بشجاعتهم وبطولاتهم النضالية، فقد اشتعلت المقاومة في آتشيه من عام ١٨٧٣-١٩٤٢م وعرفت أنها من أطول الحروب التي واجهت هولندا الاستعمارية حيث كلفت الاستعمار الهولندي حوالي 10.000 قتيل.

وبعد استقلال إندونيسيا في تاريخ ١٧ أغسطس ١٩٤٥م انضمت آتشيه إلى رحاب الدولة الوليدة «جمهورية إندونيسيا»، لكن بذور الانشقاق بدأت تظهر بين سكان آتشيه، حيث كان العلماء وغالبية السكان يرون الانضمام إلى إندونيسيا، وكان البعض الآخر يرى الاستقلال التام عن إندونيسيا وإقامة دولة أخرى خاصة بهم، وكان على رأس أنصار الانضمام الشيخ داؤد بورو Daud Breureuh وتفاقم الخلاف بين الحزبين مما أدى إلى وقوع حرب بينهما، وسميت بحرب تشومبو ,Cumbo نسبة إلى داؤد تشومبو الذي كان يدعو إلى استقلال منطقة آتشيه عن إندونيسيا وخرج منهزمًا حيث كانت الغلبة لأنصار الانضمام إلى إندونيسيا، وبذلك أصبحت هذه المنطقة الغنية بالثروات لاسيما الغاز الطبيعي تحت الحكومة الإندونيسية، وهنا سؤال يطرح نفسه : هل أحسنت الحكومة الإندونيسية استقبالها لسكان آتشيه بعد أن فضلوا خيار الوحدة؟

لقد تبخرت الآمال والأحلام التي تمناها شعب آتشيه حيث لم يجن من ثمار الوحدة إلا الخداع والكذب والتسويف من قبل رئيس إندونيسيا الأول أحمد سوكارنو الذي كانت له علاقة وطيدة بداؤد بورو قبل الاستقلال وبكى متضرعًا إليه أن يتعاونوا جميعًا لطرد الاستعمار الهولندي، على أن يكون لآتشيه فيما بعد حق تطبيق الشريعة الإسلامية، وكذلك على أن تكون العدالة في توزيع الثروات والتنمية الاقتصادية والتعليم... إلخ، وبناء على هذه الوعود حصل الانضمام، وما لم يتوقعه داؤد وما لم يخطر على باله أن يكون جزاؤه «جزاء سنمار»، حيث أرسل أحمد سوكارنو آلافًاً من القوات الإندونيسية بحجة أن هناك من يريد الانفصال عن إندونيسيا، وقام الجيش بتفتيش البيوت والقبض على بعض الزعماء ومن بينهم داؤد نفسه، وكان ذلك في أوائل السبعينيات مما أدى إلى قيام حركة مقاومة جديدة بقيادة حسن تيرا الذي كان من أنصار داؤد بورو، وأعلن عنها رسميًّاً في ٤ ديسمبر ١٩٧٦م باسم حركة آتشيه الانفصالية GAM، في مقاطعة فيدي «آتشيه الشمالية»، وكانت هذه الحركة ذات ميول علمانية بحتة، بل تسعى إلى استعادة عصر السلطنة الذهبية تعبيرًا عن خيبة أملهم وقناعتهم بفشل الحكومة المركزية في جاكرتا، ونجحت الحركة في جذب الجماهير فبعد أن كانت تتكون من ۳۰۰ مقاتل بلغ عدد المنتمين إليها 5000 مقاتل، ونقل بعض المصادر أن هذه القوات تلقت دعمًاً من ليبيا عام ١٩٨٣م تمثل في تدريب ليبيا لأول مجموعة مقاتلة لحركة آتشيه الانفصالية، غير أن الضغوط الشديدة التي مارسها الجيش الإندونيسي في ذلك الوقت حدت من نشاط الحركة؛ مما جعل حسن تيرا زعيم الحركة يهرب إلى أمريكا غير أنه استمر في تنظيم المقاومة ضد القوات الإندونيسية، وتواصل ذلك التنسيق حين غادر أمريكا إلى السويد للانضمام إلى مؤيديه في مدينة نورسبورج Norsborg، التي تعتبر مركزًا لهم بالإضافة إلى مؤيديه المتواجدين في ماليزيا.

ازدياد المجازر وتفاقم القضية

فرض الجيش الإندونيسي الأحكام العرفية، وأعلن حالة الطوارئ في أنحاء مقاطعة فيدي Pidie التي يتواجد بها أنصار الحركة منذ عام ۱۹۸۹ - ۱۹۹۸م في محاولة للقضاء على جذور المقاومة، وتسبب ذلك في قتل ما لا يقل عن35.000 وتشريد حوالي 50.000 شخص حتى تاريخ ١٢ يوليو ۱۹۹۹م، وذلك على الرغم من انسحاب القوات الإندونيسية المسلحة من المنطقة في تاريخ ١٧ أغسطس ۱۹۹۸ م، وحلت محلها قوات خاصة لمكافحة الشغب والمتظاهرين، إلا أن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لاتزال تتدهور من سيئ إلى أسوأ، ومجازر الأبرياء تتواصل والانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان؛ مما دعا الوزير الجديد في حكومة عبد الرحمن وحيد  الذي يتولى حقيبة وزارة حقوق الإنسان، لأن يعلن أن حالات الانتهاك لحقوق الإنسان في منطقة آتشيه وحدها بلغ 7.000 حالة وهذا رقم ضخم قد يكون له أثر بالغ فيما يجري الآن من أحداث، وقد يتعرض الرئيس السابق الجنرال سوهارتو وأعوانه للمحاكمة إذا وجدت الأدلة الواضحة على جرائمه، وهذا ما تبحثه الوزارة الجديدة لحقوق الإنسان.

شعبية حركة آتشيه الانفصالية : كان تأسيس حركة آتشيه الانفصالية نتيجة للظلم الذي وقع على سكان المنطقة حيث كان المبرر الذي أعلنته الحركة في وجه الحكومة الإندونيسية أن المنطقة ومنذ انضمامها إلى إندونيسيا لم تنعم بأبسط الحقوق فضلاً عن الرفاهية وهي التي تساهم بمبلغ 2.6مليار دولار سنويًّا من ثرواتها المتمثلة في إنتاج الغاز السائل، مما جعل للحركة شعبية ومدًاً جماهيريًّاً، ولاسيما أن رياح الديمقراطية قد هبت على إندونيسيا، وفتحت أمام الجميع حرية التعبير؛ مما شجع سكان منطقة آتشيه في ظل الأوضاع الجديدة أن يعبروا عن إرادتهم ويطالبوا بحق الاستفتاء، وبعدها يختار شعب آتشيه البقاء مع إندونيسيا في ظل إصلاحات جديدة أو الاستقلال عنها تمامًاً كما حدث في تيمور الشرقية التي لم تساهم يومًا واحدًا في دعم الاقتصاد الإندونيسي، بل على العكس من ذلك أرهقت خزينة الدولة.

وهنا تبرز مكانة الحركة والدور الذي ستلعبه في المستقبل القريب أو البعيد، وكما يقول المحللون: «إن الأيام القادمة ستتيح الفرصة للحركة لتعبر عن دورها في إيجاد حل للقضية يرضي جميع الأطراف، وسرعان ما استجاب الرئيس عبد الرحمن وحيد لمطالب سكان آتشيه : «إن من حق شعب آتشيه أن يمنح حق الاستفتاء كما منح لجزيرة تيمور الشرقية». لكن هذا التصريح أصبح محل جدل، وكما تقول السيدة عائشة أميني عضوة مجلس النواب عن حزب الوحدة للتنمية: «إنه ليس من حق الرئيس اتخاذ قرار بمنح الاستفتاء، فإن صاحب القرار هو الشعب الإندونيسي وذلك عبر مجلس الشورى».

أين الحل ؟

يرى كثير من المحللين أن القضية يمكن حلها إن بادرت الحكومة الإندونيسية بالحوار مع الأطراف التي لها شأن في الأحداث الأخيرة في آتشيه، فإن الأحداث الأخيرة ليست ناجمة عن عزم سكان آتشيه بالانفصال بقدر ما تبرز عدم مبالاة الحكومة في الحيلولة دون تفاقم الأزمة والدفع بها في زاوية ضيقة ليست في صالح الطرفين، حيث يمكن للقضية أن تحل دون اللجوء إلى الاستفتاء، وكما يقول الدكتور يسر الهدى ما هندارا - رئيس حزب القمر والنجمة ووزير شؤون القضاء والدستور : «لا يوجد أي دستور وطني أو دولي يمنح منطقة مثل آتشيه حق المطالبة بالاستفتاء»، وعليه إذا ما سمح لآتشيه بأمر كهذا، فإن طريق الانهيار سيفتح على مصراعيه أمام جمهورية إندونيسيا المسلمة التي كانت تتمتع بوحدة أراضيها منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، حيث ستطالب بالاستقلال مناطق أخرى مثل إيريان جايا Irian Jaya الغنية بالذهب في أقصى شرق إندونيسيا و سولاويسي Sulawesi، وربيو Riau، وسط سومطرة الغنية بالنفط وأمبون Ambon الغنية بالتوابل وكثير من المناطق الأخرى، إذًا فقضية بمثل هذه الحساسية يجب أن تحل بمنتهى الحكمة لأن الاستفتاء لا يحل القضية بقدر ما يعقدها ويفتح بابًا قد لا تستطيع إندونيسيا إغلاقه في المستقبل المنظور، لكن الحل قد يأتي لسكان آتشيه وغيرها من الجزر التي تتململ بالحوار الهادئ والبناء الذي يراعي قبل كل شيء مصلحة الإسلام والمسلمين، وتفويت الفرصة على الذين يصطادون في المياه العكرة.

والأمر الذي يدعو للتفاؤل أن أحد كبار حركة آتشيه الانفصالية صرح قائلاً: «إن حركته ليست عسكرية ولكن سياسية»، الأمر الذي جعلنا نستنتج أن قيادة الحركة تفضل منطق الحوار والعقل على منطق القوة، وكذلك فإن منطق الحوار والعقل قد اقترحه كثير من الحادبين عن مصالح البلاد ووحدتها كما يبدو من تصريح أحد كبار المحامين وهو عدنان بويوغ ناسوتيون Adnan Buyung Nasution «إن حل مشكلات إندونيسيا الحالية يكمن في الحكومة الفيدرالية»، وقد شاركه الرأي الدكتور جمال الدين أحمد الأستاذ في جامعة شاه عالم بمدينة آتشيه في ندوة عقدت في جاكرتا قائلاً: «الحل الأمثل في نظري ونظر الحادبين عن مصالح إندونيسيا يكمن في الحكومة الفيدرالية واللامركزية، وذلك لضمان الاستقرار السياسي وتوزيع الثروة والعدالة الاجتماعية».

والأمر نفسه كرره أمين رئيس، رئيس مجلس الشورى الحالي حيث اقترح الحكومة الفيدرالية، وجعل تطبيق ذلك من أولويات أجندة حزب الأمانة الوطنية الذي يترأسه. فهل يستطيع عبد الرحمن وحيد ومجلس النواب حل القضية والخروج بإندونيسيا إلى بر الأمان؟ نترك الجواب للأيام.

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً          ويأتيك بالأخبار من لم تزود.

الرابط المختصر :