العنوان أحبوا أعداءكم.. باركوا لاعنيكم
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1315
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
قد تأتي في المستقبل القريب تعليمات مشددة بحب الأعداء والهيام بهم، بل وعشقهم، والتغزل فيهم، وقد تملى على الشعوب الإسلامية إرادات عالمية بمباركة لاعنيهم، وضاربيهم على أم رأسهم ولا غرابة، فنحن في زمن العجائب.
وقد تأتي البيانات ممن يملكونها، والبلاغات ممن يطلقونها بطأطأة الرأس حتى تتمرغ في التراب، وتتعطر بالأوحال، وتتزين بالقطران ليرضى عنا جزارونا، وقاتلونا، ومصاصو دمائنا. وقد تصدر المنشورات بتبديل الأفكار القديمة والعادات البالية التي أصبحت لا تصلح لهذا الزمان الواعد بالويل والثبور، فتصبح خدمة المعتدي فريضة، وتحمل ضرباته واجب وخدمته والارتماء تحت قدميه حتمية من الحتميات اللازمة. والهتاف له والتسبيح بحمده، وتقديره واستحسان عهره والاقتداء به من التكاليف القومية، والقرارات الرئاسية.
وإذا سألت عن شيء فعليك اللعنة ،
وإذا اعترضت فتلك جريمة لا تغتفر،
لأن تصرفات أعدائنا كلها كرامة
وأعمالهم كلها شهامة، فهم لهذا وبهذا
لا يسألون عما يفعلون، ولا يلامون عما
يقترفون، وإذا قالوا صدقوا، و ...
إذا قالت حزام فصدقوها
فإن القول ما قالت حزام
وبعد.. فماذا حل بهذه الأمة؟ وماذا
دهاها؟ وكيف بلغت هذا المبلغ
واستبيحت إلى هذا الحد، حتى ضاع
حقها، وامتهن الكلاب عرضها، ونهشوا لحمها؟.. ولله در القائل
أحل الكفر بالإسلام ضيماً
يطول عليه للدين النحيب
فحق ضائع وحمى مباح
وسيف قاطع ودم حبيب
وكم من مسلم أمسى سليباً
ومسلمة لها حرم سليب
أمور لو تأملهن طفل
لأشعل في عوارضه المشيب
فقل لذوي البصائر حيث كانوا
أجيبوا الله ويحكموا أجيبوا
وتتوالى الحوادث كل يوم من أعداء ألداء يعتبرهم البعض - رغم ما يفعلون بنا في كل آن وحين - أصدقاء ويريدون إقناعنا كل ساعة ولحظة أنهم أوفياء.. ويراد لنا أن نكون أغبياء ولكنه وفي كل يوم تكشف الأستار، وتفضح الأسرار، وتظهر الأخطار، ويتضح الاستهتار .
يخدعنا الإرهابيون تحت ستار محاربة الإرهاب، ليمارسوا علينا الإرهاب والعدوان، ويتضح لكل ذي عينين أنهم زعماء الإرهاب في العالم، ولا يتورعون عن ممارسته بوحشية منقطعة النظير وباستهتار ليس له مثيل، ولا نحتاج إلى ضرب الأمثلة، أو إلى استحضار الشواهد لأنه يمارس ضدنا كل يوم، وآخره العدوان الأمريكي على السودان وأفغانستان، الذي يمثل استخفافاً بالأمة كلها، وازدراء لها. وعدواناً على كرامتها وشخصيتها وامتهاناً لوجودها ومكانتها، ولن تقف أمريكا عند حدود محاصرة الأمة في ليبيا أو السودان أو غيرهما، ولن تقتصر على ضرب أمة بعد أخرى، ولكنها ستتسبب دائماً في إذلال الأمة، وستستهدف كل المشاريع التنموية وقوى النهوض في الأمة، وستحرض علينا في السر والعلن وستدعو الأمم إلى تأييدها في ذلك بدعاوى وأفانين، وتهم وأباطيل وذرائع بالية، وحجج باطلة، وستدعم القوى المعادية لنا داخلياً وخارجياً، للعدوان علينا، وضرب عزائمنا، ورموز كفاحنا.
إن أمريكا تؤكد كل يوم عداءها للإسلام ولأمته، وتحاول جاهدة حشد التبريرات واختلاق الأسباب لتضرب عمق الأمة الديني، وشرفها الوطني، وهويتها الصامدة، والمتمثلة في عقيدتها وثقافتها، ووعيها، وإحساسها القومي، ونهضتها وحضارتها، وصحوتها الصاعدة، ويشتد ذلك العداء مع اشتداد القبضة الصهيونية، وصلف الهجمة الإسرائيلية على الأمة، ومع بقاء التفرقة والتجزئة في العالم العربي والإسلامي.
ولقد تعدى وتخطى أعداء الأمة كل الحدود. وها هي اليوم تحاول جاهدة أن تحاصر الأمة العربية والإسلامية، وتجيش ضدها، وتلهب حدودها، وتبذر الفتن هنا وهناك، فتارة تلوح باستغلال المياه والضغط بواسطة عملائها للسيطرة على منابع النيل، وتارة تحرض جنوب السودان على شماله، وها هي اليوم أمريكا تميط اللثام عن وجهها الكالح، وتشن هجمات صاروخية مباغتة على دولتين إسلاميتين، منتهكة بذلك جميع الأعراف والمبادئ الإنسانية، واللوائح والقوانين العالمية، وتصيب بذلك أناساً أبرياء، ثم تأتي وتفتخر بذلك، وتعلن بكل صلف وغرور أنها ستعاود الكرة مرات ومرات، وأن هذا سيكون أسلوب الحرب القادمة ضد الإسلام والجماعات الإسلامية التي تتهمها بمعاداتها. والآن، أما آن للأمة أن تتحد وتعرف الأخطار المحدقة بها وكل يوم يزداد الخطر، ويتضح ويظهر فماذا تنتظر الأمة؟ وماذا تنتظر السلطات، وقد حمد صوت الأمة وكتمت أنفاسها، حتى إنه يجري ما يجري، وما يسمع صوت للشعب ولا احتجاج لسادته أو كبرائه وقد كانت الشعوب هي نبض الوطنية وعزيمتها، ودمها وشريانها، وقلبها النابض، واليوم لا تسمع لها صوتاً يهدر، ولا احتجاجاً، ولا إضراباً، أو مسيرة تندد، أو تستنكر أو تدفع وتحرض ضد العدوان.
فمن قتل النخوة في نفوس الشعوب؟ ومن حبس الصوت في حلوق الشباب والفتية؟ ومن نزع الوطنية والحمية من الشارع العربي والإسلامي؟ ومن قتل الشعور بالأخوة والترابط؟
إن هذا سيعود حتماً على الأمة، عمقاً في الفرقة، وتمزيقاً للوحدة، وضياعاً للشتات، وفقداناً للإحساس، فإذا ظلم شعب اليوم واستفرده العدو، فإن الدور سيأتي على الجميع، والعداء للإسلام والمسلمين حتمي، ولن يكون هناك أحد في معزل أو منجى، ويوم تقع الواقعة على الآخر لن يجد من يقف معه لأنه باع إخوته، وتخلى عن نصرته لأخيه، وإغاثته لجاره، وهذا ما يتمناه العدو، ويصبو إليه والأمة لو اجتمعت على أمر هابها العدو، ولو عزمت على شيء فكر كثيراً قبل أن يقدم على عدوانه، وشهر سلاح المقاطعة معروف وميسور، وهو أضعف الإيمان، والمقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية، وبخاصة ونحن أكثر من خمسين دولة إسلامية، وثلث شعوب الأرض، وعندنا من الموارد والخامات ما يسيل له لعاب العدو، وعندنا من الأسواق التي يستغلها ويصرف فيها بضائعه لو منع منها لسدت مصانعه أبوابها، ولخسر الكثير، ولثارت عليه شعوبه وانكسرت هامة المعتدين.
ولكن يظهر أننا تطبعنا على شيء بغيض. وعادة سيئة، ونفسية بئيسة، وعقلية ضحلة، لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً، وأريد لنا طوعاً أو كرهاً، أن نحب أعداءنا، ونبارك لاعنينا، وهذا شيء لن يكون وفي الأمة عرق ينبض، ونفس يتحرك، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، نسأل الله السداد والتوفيق.. آمين .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل