; أحاديث الانقلاب في تركيا من جديد | مجلة المجتمع

العنوان أحاديث الانقلاب في تركيا من جديد

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الاثنين 01-يونيو-2020

مشاهدات 72

نشر في العدد 2144

نشر في الصفحة 44

الاثنين 01-يونيو-2020

حالة العالم الإسلامي

تصريحات لقيادات بحزب الشعب الجمهوري بأن «أردوغان» ذاهب قريباً بصناديق الانتخابات أو بطريقة أخرى

من غير المتوقع أن يكون هناك من يخطط لانقلاب عسكري ثم ينسف عنصر المباغتة بتسريب الأمر للإعلام

التصريحات تمثل ضغطاً على «أردوغان» وحزبه.. ودغدغة لمشاعر أنصار «الشعب» باقتراب وصولهم للسلطة

القيام بانقلاب عسكري وفرص نجاحه واحتمالية وقوعه أقل بكثير من السابق

مع الحذر المطلوب ثمة حاجة ملحة لسد الثغرات التي يمكن أن ينفُذ منها التفكير بانقلاب عسكري

الانقلابات العسكرية جزء لا يتجزأ من تاريخ تركيا الحديث؛ ذلك أنه بالإضافة إلى عشرات التدخلات غير المباشرة في الحياة السياسية من قبل المؤسسة العسكرية منذ تأسيس الجمهورية، عانت البلاد من 5 انقلابات عسكرية مباشرة، كان آخرها عام 2016م دبره ما يعرف بـ «التنظيم الموازي»، أو القيادة المتنفذة في جماعة «كولن».

وقد ساد اعتقاد محق بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة صيف 2016م وما حوته من أحداث وتضمنته من دلالات بأن تركيا قد أغلقت باب الانقلابات العسكرية إلى غير رجعة، لكن بعض التصريحات السياسية أعادت الأجندة السياسية في البلاد مؤخراً للحديث عن الانقلابات واحتمالاتها.

وردت تصريحات على ألسنة بعض قيادات حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، في إطار تقييم أداء الحكومة مؤخراً وخصوصاً في مواجهة وباء «كورونا» تبشّر أنصار الحزب بأن «أردوغان» ذاهب قريباً، بصناديق الانتخابات أو بطريقة أخرى.

هذه الإحالة إلى «طريقة أخرى» غير صناديق الانتخابات أحدثت ضجة كبيرة، وسيطرت على النقاش السياسي والإعلامي في البلاد على مدى أسابيع، ذلك أن بلداً مثل تركيا من الصعب تفسير كلمة «بطريقة أخرى» فيه بعيداً عن شبح الانقلابات العسكرية، فهل هددت المعارضة «أردوغان» وحزب العدالة والتنمية بانقلاب عسكري صريح؟

تقول مصادر الحزب المعارض: إن تصريحاتها لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالتهديد بانقلاب، وأن ذلك ما حاول الحزب الحاكم إيهام الناس به للتغطية على المشكلات الأساسية للبلاد وخصوصاً الأزمة الاقتصادية في ظل «كورونا»، مؤكدين أن حزبهم كان وما زال وسيبقى ضد الانقلابات العسكرية.

عدم اقتران تلك التصريحات بانقلاب عسكري وشيك يبدو أمراً منطقياً؛ ذلك أنه من غير المتوقع أن يكون هناك في المؤسسة العسكرية -على رأسها أو ضمن قيادتها- من يخطط لانقلاب عسكري ثم ينسف عنصر المباغتة فيه بتسريب الأمر إلى سياسيين، ثم إلى الإعلام والرأي العام، عبر تصريحات سياسية كيدية على لسان المعارضة، كما أن البلاد ليس فيها ما يهيئ الأوضاع لانقلاب عسكري كما كان يحصل سابقاً بشكل عفوي أو متعمد، مثل الانسداد السياسي أو الاحتراب الأهلي أو الأزمات الاقتصادية الكبيرة.

لذا؛ يصح قول الحزب المعارض بأن تصريحات قياداته لا علاقة لها بانقلاب عسكري وشيك، لكن ذلك لا يعني أيضاً أنه لن يكون سعيداً لو حصل، ذلك أن تاريخه مرتبط إلى حد كبير بالانقلابات العسكرية السابقة، على الأقل من زاوية الرضا بها –حيث أطاحت بمنافسيه عادة- والتعامل معها أو من باب أنه يمثل النخبة العلمانية السياسية المتحالفة مع المؤسسة العسكرية في الوصاية على الجمهورية التركية.

تصريحات مقصودة

الأهم أن التصريحات التي أدلى بها بعض مسؤولي الحزب تبدو مقصودة لذاتها، ومطلوب منها أن توحي بما أوحت به، فالحزب يرى في ذلك -على ما يبدو- ضغطاً على «أردوغان» والعدالة والتنمية، وإضافة إلى ذلك -ولعل ذلك هو الأهم- يدغدغ مشاعر أنصاره وكوادره ويعيطهم أملاً بالوصول للسلطة أخيراً بعد الغياب عنها لعقود، ويوفر كذلك مادة للجدل السياسي والحضور الإعلامي للحزب يمكن أن يلقي بظلالها على أداء الحكومة المرضي عنه عموماً في مواجهة جائحة «كورونا».

رد العدالة والتنمية كان سريعاً وحاداً وحاسماً، اتهم «أردوغان» حزب الشعب الجمهوري بدعم الأفكار الانقلابية لإسقاط الحكومة بعد الفشل في منافستها سياسياً أو تغييرها انتخابياً، وشن عليه حملة واسعة عبر عدة مسؤولين في الحكومة والحزب الحاكم، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي اشتعلت في البلاد، خاصة من أنصار العدالة والتنمية وممن واجهوا المحاولة الانقلابية الأخيرة في الشوارع بأنفسهم، رفضاً لمنطق الاستنجاد بالتدخلات العسكرية لحسم التنافس السياسي في البلاد.

ولئن كان العدالة والتنمية محقاً في رفضه الحاسم لأي تلميحات بخصوص انقلاب عسكري محتمل في البلاد؛ لما يتعلق به كحزب حاكم، وكذلك لما قد يجره على البلاد من ويلات، إلا أنه لا يمكن إغفال فكرة استثماره تلك التصريحات للضغط أكثر على الشعب الجمهوري وزيادة التفاف أنصاره هو خلف قيادة «أردوغان»، فضلاً عن تحويل الأجندة السياسية والإعلامية في البلاد قليلاً عن وباء «كورونا» وتداعياته الاقتصادية على وجه التحديد.

لكن يبقى الأهم من تصريحات الشعب الجمهوري الفكرة التي أوحت بها، وهي احتمال حدوث انقلاب عسكري.. فهل ثمة احتمال كهذا؟

لا شك أن المحاولة الأخيرة الفاشلة كانت محطة إضافية على مسار طويل يصعّب التوسل لانقلاب جديد؛ ذلك أنها كانت دموية أكثر مما سبقها من انقلابات، ونزل الشعب خلالها لأول مرة إلى الشوارع ليشارك بنفسه في مواجهة الانقلابيين، فضلاً على أنها فشلت عكس الانقلابات الأربعة الناجحة قبلها، يرجّح ذلك أن أي محاولة انقلابية مقبلة ستواجه أضعاف ما واجهته الأخيرة من رفض شعبي ونزول للشارع؛ الأمر الذي يعني تكلفة أكبر بكثير لأي محاولة من هذا النوع.

يضاف هذا للخطوات الدستورية والسياسية السابقة التي أخضعت المؤسسة العسكرية للقيادة السياسية المنتخبة من الشعب، وفي مقدمتها تعديل المادة الدستورية المتعلقة بمهمات المؤسسة العسكرية وصلاحياتها، وتعديل بنية مجلس الأمن القومي ليصبح ذا أغلبية سياسية، فضلاً عن تحويل قراراته لتوصيات استشارية غير ملزمة، وصولاً لتغيير بنية مجلس الشورى العسكري الأعلى الذي أصبح كذلك ذا أغلبية مدنية، رغم اختصاصه بعمليات الترقية والتسريح في الجيش إضافة لمنظومته التوجيهية.

فإذا ما وضعنا في الحسبان كذلك غياب أي ذريعة واضحة للتدخل في الحياة السياسية، من قبيل الاحتراب الأهلي أو الانسداد السياسي كما أسلفنا، يمكن القول: إن القيام بانقلاب عسكري بات أصعب بكثير، وفرص نجاحه أضعف بكثير؛ وبالتالي احتمالية وقوعه أقل بكثير من السابق.

سد الثغرات

بيد أن ذلك لا ينفي بالمطلق هذه الاحتمالية؛ فالفلسفة التي سادت في المؤسسة العسكرية لعشرات السنين، التي تفيد بأنها من بنت الدولة وبالتالي هي الوصية عليها، من الصعب تغييرها تماماً خلال 18 عاماً هي فترة حكم العدالة والتنمية، كما أن التفكير بانقلاب عسكري تحكمه عادة المغامرة والمقامرة أكثر من التفكير العقلاني والحسابات المنطقية.

ولذلك، إلى جانب الحذر وزيادة منسوب الوعي في الشعب، ثمة حاجة ملحة لسد الثغرات التي يمكن أن ينفُذ منها التفكير بانقلاب عسكري؛ ما يعني الحاجة للعودة بزخم إلى مسار الإصلاحات الذي عرف به العدالة والتنمية، ورفع منسوب الحريات، ومعالجة الأزمة الاقتصادية وارتداداتها على المواطن، فضلاً عن ترسيخ ثقافة التعددية السياسية وتخفيف حدة الاستقطاب.

فإذا ما اجتمعت الخطوات الدستورية والقانونية السابقة، مع وعي الشعب وحرص الحكومة، جنباً إلى جنب مع سد الثغرات التي قد يستغلها المغامرون، فحينها يمكن القول: إن احتمالات حصول انقلاب عسكري في البلاد ستكون بالحد الأدنى، وإن فرص نجاحه لن تكون كبيرة إن حصل.

الرابط المختصر :