; أجراس الخطر.. والأشاوس الصُم | مجلة المجتمع

العنوان أجراس الخطر.. والأشاوس الصُم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1995

مشاهدات 76

نشر في العدد 1147

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 25-أبريل-1995

أجراس الخطر التي تدق في أجواء الأمة العربية هذه الأيام، يبدو أنها لا تسمعها الآذان الصُّم، ولا تعيها القلوب الغلف، وحملات الضغط التي تتعرض لها الأمة لصالح أعدائها في هذه الأوقات تظهر للمتأمل أن الأفهام البله لم تستوعبها أو تقدرها قدرها، ووسائل الخداع والمكر التي تحيط بشعوبنا صباح مساء، وأساليب الترغيب والترهيب التي يُدَندَن بها في أجوائنا الساعة، يبدو أنها أفقدتنا الإحساس بالكرامة أو القدرة على التفكير السليم، أو الشعور بالخطر المحدق من حولنا، وأي خطر أكبر من الخطر النووي الذي يتنامى عند أعدائنا، ويتكاثر عند المتربصين بنا، والمحتلين لديارنا، والطامعين في بلادنا؟! وأية كارثة أشد من امتلاك عدونا لترسانات من الأسلحة، بل وتصنيعها وتطويرها، ونحن نيام فاقدو الإحساس والوعي.

قد أذهل بل يعتريني الدوار؛ إذ أرى «إسرائيل» رغم ترسانتها العسكرية التي لا توازيها ترسانة أسلحة العرب مجتمعة، والتي ليس عندها بترول، ولا أنهار، ولا موارد، ولا معادن كما يقولون، تصنع الصواريخ، بل تقوم بتصنيع الصواريخ المضادة للصواريخ، فصنعت صاروخ «جيتش» المضاد للصواريخ على غرار صواريخ الباتريوت، وصنعت أقمار التجسس، وقد أطلقت في 28/3/1995م قمرًا للتجسس؛ ليدور حول الأرض مرة كل 90 دقيقة، ويمر فوق دول الشرق الأوسط للتجسس، وستطلق قمرًا آخر في شهر نوفمبر القادم بواسطة صواريخ إسرائيلية الصنع من مجموعة «أريان أسباس» المُصَنّعة في معهد «التخنيون» في مدينة حيفا، هذا فضلًا عن ترسانة إسرائيل النووية وصناعاتها النووية التي تقوم على أربعة اتجاهات:

الأول: الرؤوس النووية بنوعياتها المختلفة «قنابل»، وتتكون من قنابل كبيرة الحجم، وقنابل متوسطة، وقنابل صغيرة، «صواريخ» تستطيع أن تحمل هذه القنابل.

الثاني: أدوات توصيل السلاح النووي إلى الأهداف التي تريد «إسرائيل» الوصول إليها.

الثالث: قواعد إطلاق القذائف والصواريخ ثابتة ومتحركة.

الرابع: أنظمة السيطرة والاتصال والإشراف والتوجيه.

هذا فضلًا عن صناعة الطائرات والدبابات والمصفحات والمدافع الثقيلة والخفيفة وما يلزمها من ذخيرة، وكذلك الألغام البرية والبحرية... إلخ، هذا عدا الأسلحة التي تتدفق عليها من كل حدب وصوب، هذا وقد بدأت «إسرائيل» التصنيع الحربي من أول يوم أُنشئت فيه الدولة، وبدأت التصنيع النووي في 1957م، يوم أن كنا ننعم بظلال الثورات المباركات، وكان زعماؤنا الأشاوس يصرحون بمناسبة وغير مناسبة بأننا سنلقي بإسرائيل في البحر، وكانت العنتريات العربية تنطلق من الإذاعات بالخُطب الرنانة كأنها زئير الأسود الكواسر، وهم أسود كرتونية، وأرانب برية، وصدق من قال:

أرانب غير أنهمو ملوك                                    مفتحة عيونهمو نيام

بأجسام يحر القتل فيها                                 وما أسيافها إلا الكلام

ونحن كشعوب أو كرعايا عرب أو كأمة إسلامية، لا ندري ما يفعل بنا اليوم وغدًا، ولا بماذا سيتصرف بنا رعاتنا -حفظهم الله وأطال في أعمارهم-! وهل سنظل بغير سلاح حتى «ولا سكاكين البصل»؟ وهل سنظل بدون تصنيع حتى ولا «البلاليص القناوي»؟ وهل سنبقى بدون رادع حتى ولا أطفال الحجارة؟ وهل سنظل نساق إلى المجازر خافضي الرؤوس ولا عزاء، مستسلمي النفوس ولا رجاء؟ وهل سنظل بلا عزائم ولا كرامة ولا همة ولا وزن ولا أمان أو أمن؟ وهل سنظل نجر بمقامع من حديد، ونجلد بسياط من لهيب؟ وهل ستظل الأمة مغيبة عن مصائرها، بعيدة عن همومها، غريبة عن ديارها؟ مقطوعة اللسان مصمومة الآذان، مهدومة الأركان؟ بغير نصير حتى من عزائمها، وبدون قوة حتى من سواعدها:

من كان ذا عضد يُدرك ظُلامَتَهُ                    إن الذليل الذي ليست له عضد

إن الأمة تتأخر كل يوم، وتنحدر كل ساعة، حتى أصبحت وبكل المقاييس مهزومة في كل ميدان، متخلفة في كل ناحية، هابطة في كل مجال، ولا نسمع إلا أحاديث عرقوب، أو صياح البوم، أو نعيق الغربان.

ليت الغراب غداة ينعق دائبًا                       كان الغراب مُقطع الأوداج

ولا يعقل أن تكون أمة لها من التاريخ ومن التراث ومن المنهج ما يبعث الجماد، ويرفع الخامد، ويبعث الرمم، تصبح متخلفة إلى هذا الحد، منحطة إلى هذا القدر، تائهة إلى هذا الكم، تُساق بالعصي، وتجر بالسلاسل حتى من قِبَل أعدائها، تقطع أشلاء وهي جسد واحد، وتمزق إربًا وهي عروق ودماء متصلة، فلا يحس منهم أحد أو تسمع له ركزًا، الجزائر تحترق بالفتن والعمالات، وليبيا تقهر بالحصار والتنازلات، والسودان يجوع ويستنزف ويُحَرض عليه، والصومال يتمزق وينتحر، ولبنان، وفلسطين، وأفغانستان، وآخرون وآخرون، يموج موج البحر بالفتن الداخلية والعداوات الحدودية، والأحقاد العصبية، فمن المسؤول عن ذلك؟ ومن المُحاسب عليه؟ وهل رؤوس الأمة بعيدة عن المسؤولية؟ وهل تقدر على تخطي العقبات، أو خوض الأزمات في هذا الزمن الذي لا يصلح له الصغار؟ ولا يرفع الهِمة فيه إلا الكبار وأصحاب العزائم، الذين إذا قالوا فعلوا، وإذا جاهدوا صبروا، وإذا حكموا عدلوا، وقديمًا فتح الأندلس قلة من الكبار، وأضاعها ثلة من الصغار بعد أن أمرضوا نفوس المسلمين، وأضاعوهم حتى قال قائلهم:

مما يزهدني في أرض أندلس                          ألقاب معتصم فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها                       كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

فهل يسمح للكبار أن يقارعوا الأمواج العاتية؟ وأن يكونوا ربابنة للسفن الماخرة؟ وقادة للركب المتقدم؟ وحداة للعزائم المبدعة؟ وهل يرتاح الصغار ويريحون؟ فهذا ليس عصرهم أو ميدانهم، هل يكون ذلك؟ أظن أن الحوادث والتاريخ، ورصيد الأمة الإيماني، ورحمة الله سيحقق ذلك قريبًا ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

257

الثلاثاء 09-يونيو-1970

ذكرى حزيران.. النصر الذي ننتظره

نشر في العدد 14

131

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!