; أثر تعليم القرآن في اللغات الأفريقية من خلال الرسم القرآني | مجلة المجتمع

العنوان أثر تعليم القرآن في اللغات الأفريقية من خلال الرسم القرآني

الكاتب محمد توفيق حمزة

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000

مشاهدات 80

نشر في العدد 1400

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 16-مايو-2000

إن الشغل الشاغل للعالم برمته، وعلى الأخص المربون والمدرسون والعلماء، يتمثل في تلقين مبادئ القراءة والكتابة لبني الإنسان، وترمي سياسة الارتقاء بالإنسان هذه إلى تخليصه من نير الجهل وظلماته. والملاحظ بخصوص حفظ القرآن منذ نزوله، وقبل قرون من ذلك أن الحرف العربي كان مستخدمًا في لغات المجتمعات الفارسية والعربية والعبرية إلى جانب الحرف اللاتيني.

إني لا أسعى من خلال هذا العرض إلى الحديث عن تاريخ هذا الحرف من حيث نشأته واستخدامه قبل نزول القرآن.

إن الجانب الذي يعنينا في هذا المسعى هو ما يتعلق بالقارة السمراء؛ لذا فإن متاخمة شبه الجزيرة العربية للحبشة «إثيوبيا» ومصر والسودان وشمال أفريقيا جنوب الصحراء جعل هذه البلدان تتلقى رسالة قوامها تعليم مبادئ القراءة والكتابة بواسطة الحروف العربية بالنسبة للذين كانوا يتعلمون القرآن، ولم يكونوا من الناطقين باللغة العربية.

فدخول القرآن الكريم إلى أفريقيا على يد التجار العرب، الذين كانوا يتاجرون مع أهالي القارة، نقل إليهم هذا الميثاق الروحي والفكري والثقافي والإنساني، وكان هاجس الفتيان الأفارقة في الكتاتيب القرآنية هو معرفة أصول التدريس على طريقة التحفيظ الإجباري في سن مبكرة، والذي كان بمثابة تشريف لصاحبه داخل أسرته وفي قريته ومنطقته.

فكيف تسنى إذن للفقهاء في افريقيا حفظ هذا الكتاب دون أن يكونوا من الناطقين باللغة العربية مما لا شك فيه أن ثمة ملكات تتجاوز المنطق توجد لدى كل كائن حي في هذا الكون.

 وإنني هنا بصدد الحديث عن نشاطي المتوارث والمستمد من هذا النهج السمعي البصري الأفريقي القرآني.

في بادئ الأمر نجد أن الطفل في سنه المبكرة لا يتحدث باللغة العربية، ويكتب له على اللوح «بسم الله الرحمن الرحيم»، ويبدأ بحرف الباء.

ثم يقال له: قل «سين» فيلفظ حرف السين، ثم يبين له أنه شبيه بالأسنان، ثم يقال له: قل «ميم» مكة، ويسمى حرف الميم الثاني «ميم بتشيدو» أي «ميم بذيل» وثمة مثال آخر يتعلق بحرف العين المبتدئة التي تدعى «عين باليدو»، أي «العين المائلة» أما العين الثانية «المتوسطة» فتسمى «عين دار يدو»، والثالثة «عين داريدو «واقفة»، ويطلق اسم «بتشيدوعين» على حرف العين المذيلة، وبذلك يكون للحروف الأبجدية الثماني والعشرين مقابلها المتخيل وأشياء مادية مستمدة من البيئة مثل «الصاد ذي البطن».

إن حرف الصاد الشبيه بالبطن موجود في الفولانية، لغة الفولانيين، وكذلك في الهوسا والبورنو في نيجيريا، والسواحلية والوولوف «السنغال» ويا مبارا سونينكي، والعربية في تشاد وموريتانيا، وتعتبر هذه بيداغوجية تمهيدية غير أبجدية تبدأ من الفاتحة وحتى سورة «الهمزة».

التلاوة والتكوين المباشر للآيات

ويتم خلال هذه المرحلة التلاوة المباشرة لغرض التحفيظ، ويطلق الفلانيون على هذه المنهجية التعليمية التي تقتصر على التعليم بواسطة اللوح دون غيره:

الأول: اللمتو «عد الحروف».

الثاني : الهيدجيو «نطق الحرف وتسميته»

الثالث : الشارو «التلاوة المركبة، أي الحفظ المباشر».

هذه الصيغة هي المعتمدة في مختلف بلدان القارة الإفريقية، ويتفاهم حفظة القرآن خلال المرحلة الأولى من عند الحروف إلا أنهم يعودون إلى نطق مسمى الحرف، وإلى التلاوة المباشرة: فبعد الاستماع والتلاوة على مدى سنوات، فإن الأطفال يتعلمون من المرحلة الثالثة، ويصبح بوسعهم استظهار القرآن كله عن ظهر قلب، إلا أنهم لا يغدون ناطقين بالعربية، إلا بعد إنهاء مرحلة تلقي علوم القرآن، ويتمتعون بذاكرة هي من القوة بحيث تمكنهم من إيجاد جميع الأجزاء والآيات ومواقعها وسورها وتكرارها وعدد حروف العلة والحروف الساكنة والتي تعد بالآلاف.

 ويمكن للمرء في وسطه، أن يكون ناطقًا باللغة العربية، وقارئًا  للقرآن دونما معرفة بالمنهجية الإفريقية القرآنية السمعية البصرية، ويمنح المعلم إجازة في علوم القرآن واللغة.

 أما المرحلة التالية فتشمل تدريس اللغة العربية وترجمتها إلى اللغات المحلية، وكذلك النحو والصرف والقانون وأصول الفقه وغيرها من العلوم الأخرى المرتبطة باللغة.

ويعود تاريخ هذا المسعى لتعليم مسلمي القارة الإفريقية مبادئ القراءة والكتابة إلى سنة خمسين للهجرة، وذلك قبل دخول الحروف اللاتينية، وبالتالي يتم عن وجود حضارة روحية ولغوية نابعة من التأثير الذي أحدثه النور القرآني في اللغات الإفريقية والآسيوية بلا شك دون أن يترتب على ذلك اندثار لغتهم الأصلية أو تبددها.

وإذا كان المؤرخون حسب علمي لم يعيروا حتى الآن ربما عن جهل الاعتبار الموضوع دخول الحروف العربية الثماني والعشرين ومسارها في

اللغات الأفريقية، فإننا نلاحظ نتيجة لذلك وجود شرح حضاري أو نقص في الاعتبار على حساب الأفارقة الذين تعلموا أصول القراءة والكتابة انطلاقًا من لغتهم ذات الأصل الفرعوني أو غيره، مما قد هدمته صروف الدهر وتقلبات الزمن.

 ومما يثير رد الفعل أن منظمتي اليونسكو والألكسو لم تدركا جيدًا هذا الجانب الأساسي المتعلق بإسهام أفريقيا جنوب الصحراء في التنمية الثقافية والعلمية والحضارية من خلال إدخال الحرف العربي الأفريقي، الذي استوعبته منذ فجر الإسلام، وأن القارة الأفريقية كانت أول أصقاع العالم التي استقبلت أشقاءنا العرب من التجار وحملة كتاب الله.

وإن غرضي هو لفت انتباه الباحثين والكتاب إلى هذا الإسهام، الذي ما زال علي الإهمال، وإن إنشاء معهد للثقافة واللغة والبحوث في هذا المجال من شأنه أن يشكل مرحلة جديدة لإصلاح الإجحاف، الذي لحق بإفريقيا جنوب الصحراء.

الرابط المختصر :