; أثر الطاعة والمعصية.. في حياة الدعوة والداعية | مجلة المجتمع

العنوان أثر الطاعة والمعصية.. في حياة الدعوة والداعية

الكاتب جعفر يوسف الحداد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1994

مشاهدات 80

نشر في العدد 1120

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 11-أكتوبر-1994

أثر الطاعة والمعصية في حياة الدعاة

يروى عن العابد الزاهد أبي إسحاق إبراهيم الخواص (1) أنه كان جالسًا في مسجد الري ومعه نفر من طلبة العلم يذكرون الله - تبارك وتعالى - إذ سمعوا صوت معازف صادرة من بيت قرب المسجد فاستنكروا ذلك واضطربوا وقالوا يا أبا إسحاق ما ترى؟

وكان مسموع الكلمة لورعه وتقواه، فخرج إبراهيم من المسجد نحو الدار التي فيها المنكر فلما بلغ طرف الطريق؛ إذا كلب رابض فلما قرب منه إبراهيم نبح عليه وقام في وجهه، فعاد الشيخ أدراجه إلى المسجد، وتفكر ساعة ثم قام مبادرًا وخرج فمر على الكلب، فبصبص الكلب (2) له فلما قرب من باب الدار خرج إليه شاب حسن الوجه، وقال أيها الشيخ لم انزعجت؟ كنت وجهت ببعض من عندك فأبلغ لك كل ما تريد، ولي عهد الله وميثاقه لا شربت أبدًا، وكسر جميع ما كان عنده من معازف وشراب، ورجع الشيخ إبراهيم إلى مسجده فلما جلس سئل عن خروجه في أول مرة ورجوعه، فقال نعم: إنما نبح عليّ الكلب لفساد كان قد دخل علي في عقد بيني وبين الله، فلما رجعت إلى الموضع ذكرته فاستغفرت الله عز وجل، ثم خرجت الثانية فكان ما رأيتم (3).

إن للطاعة والمعصية أثرًا في حياة الدعاة إلى الله فمما لا شك فيه أن طاعة الداعية لله وقربه من المولى، عز وجل له الأثر الكبير في دعوته وفي سلوك المدعوين وفي استجابة الناس وفتح أبواب الخير في عمله وتحقيق النجاح يتلوه النجاح في دعوته، وفي المقابل فإن للمعصية أثرها وشؤمها على الدعوة فهي محق للبركة، وهي باب موصد في طريق النجاح والتوفيق، وهي كذلك سبب في نفور الناس عن الدعوة وقد فقه الإمام العابد الفضيل بن عياض هذا المعنى فقال: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وخادمي وامرأتي وفأر بيتي (4) فإن كان للمعصية أثرها على الجمادات والحيوانات أفلا تؤثر في نفوس البشر؟، ولذلك قال الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: ما نزلت مصيبة إلا بذنب وما رفعت إلا بتوبة.

وصية عمر

أرسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، جيشًا بقيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، لفتح بلاد فارس وكتب إليه عهدًا جاء فيه "وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم وعدتنا ليست كعدتهم، فإن استوينا في المعصية؛ كان لهم علينا الفضل في القوة، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله" (5).

وهكذا تنتصر الجيوش وتعلو راية الحق بقوة الإيمان ونصرة الله تبارك وتعالى واجتناب نواهيه مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249).

صلاح المدعو بصلاح الداعية

قال أبو سليمان الرازي من صفى صفي له ومن كدر كدر عليه، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله (6)، فمتى أصلح الدعاة إلى الله أنفسهم وكان شعارهم "ميدانكم الأول أنفسكم... أصلح نفسك وادع غيرك" (7)، تبعهم صلاح الأفراد وصلاح الناس، وليس أدل على هذه الحقيقة من الموقف التربوي الإيماني الذي قام به سعد بن أبي وقاص وقد فتح الله على يديه كنوز كسرى فأرسل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بساط كسرى وجواهره وكنوزه، فقلب عمر تلك الغنائم. وهو يقول: "إن قومًا أدوا هذا لأمناء"، فقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: "عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعوا".

إنها كلمة ترسم لنا شعارًا في طريق الدعوة، إن صلاح الأفراد بصلاح القدوات ومتى ضعف القدوات، تبعهم ضعف الأفراد.

بركات الطاعة

ومن بركات الطاعة أن تجد الداعية يبارك الله له في عمله وإن كان قليلًا وتتهافت عليه قلوب الناس وإن لم يكن ذا طلاقة لسان وجمال بيان ويقذف الله في قلبه العلم والفهم مصداقًا لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ (البقرة: 282)، ويبارك الله في كلماته بل وفي فلتات لسانه فتجد طريقها إلى القلوب، ويتأثر بها الآخرون، ويبارك الله في نومه وفي علمه، وفي زوجه، وأهله، وأبنائه، وما ذاك إلا من مآثر الحسنات التي تجعل للمؤمن قبولا في الأرض وتفتح له أبواب الخير، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ (الأعراف: 96) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:2- 3) والرزق ليس رزق المال فحسب فإن الله يرزق من يحب ومن لا يحب، وإنما الرزق الحقيقي هو رزق الطاعة والعبادة وتحبيب ذلك في قلب العبد، وأما المعصية فهي وبال على صاحبها وشؤم على الدعوة يقول الإمام حسن البنا - رحمه الله: وإن كان فيكم مريض القلب مغلول الغاية مستور المطامع مجروح الماضي فأخرجوه من بينكم، فإنه حاجز للرحمة حائل دون التوفيق (8) ويقول الصحابي الجليل أبو الدرداء رضي الله عنه: "إن العبد يخلو بمعاصي الله فيلقي الله ببغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر" (9).

ففروا إلى الله

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتنًا توابًا نسيًا إذا ذكر ذكره (10)، فالتوبة التوبة والإنابة الإنابة قبل فوات الأوان، فإن ذنب الداعية متعد إلى الدعوة، وكم ماتت دعوات، واضمحلت أفكار وطمست دول وبادت بشؤم المعاصي، بل إن للمعصية أثرها على العقل والفكر والعلم، يقول شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية - رحمه الله "وإنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة التي تشكل علي؛ فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر وينحل إشكال ما أشكل" (11).

نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا من أهل طاعته الذين تفتح بهم أبواب الخير وأن يعصمنا من المعاصي والذنوب.

الهوامش

(1) هو أبو إسحاق – أصله من (سر مَن رأى) لكنه أقام بالري ومات بها سنة 291هـ، وهو من عُبَّاد وزهاد الري.

(2) حرك ذَنَبَهُ.

(3) صفة الصفوة ج4- ص 100.

(4) البداية والنهاية ج 10 – ص 199.

(5) الفاروق القائد ص 155.

(6) صيد الخاطر.

(7) الإمام حسن البنا.

(8) رسائل الإمام البنا.

(9) الجواب الكافي ص 47.

(10) رواه الطبري وصححه الألباني – ص.ج (ص 5735).

(11) ابن تيمية بطل الإصلاح ص 16.

 

الرابط المختصر :