العنوان أثاث البيت: باب خلف الأبواب عباد.. أُنسهم في خلوتهم مع الله
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 23-يوليو-2005
مشاهدات 89
نشر في العدد 1661
نشر في الصفحة 55
السبت 23-يوليو-2005
إنك لا تستطيع دخول بيتك دون المرور من الباب وإلا كنت سارقًا، كما أنك لا تستطيع الخروج أيضًا إلا من خلاله وإلا لما كنت عاقلًا، وهو عنوان البيت والحد الفاصل بينك وبين الشارع، فمنه تلج ومنه تخرج، يحفظك من عيون الفضوليين، ويكتم سرك ويغطي عورتك، وهو لك حافظ أمين ينأى بك عن أن تكون مشاعًا للجميع، ولك أن تتخيل بيتًا ذا رياش وأثاث وفراش لكنه بلا باب فهل يغني عنه أثاثه شيئًا؟! فبيت بلا باب كبدن عار بلا ثياب، ومن هنا كانت أهمية الباب.
ذكرت كلمة باب في القرآن الكريم، كما ذكرت في السنة المطهرة، وقد جعل الإسلام لدخول البيت والخروج منه Nدابًا منها: الخروج بالرجل اليسرى والتأدب بالدعاء المأثور عن النبي ﷺ: «بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» «النسائي»، «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي» «الترمذي».
وعند الدخول بالرجل اليمنى: « باسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى ربنا توكلنا» «أبو داود»، وقد أمرنا الله تعالى بأن نأتي البيوت من أبوابها فقال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (البقرة: ١٨٩)، وجعل للدخول على الغير آدابا، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (النور: ٢٧)، قال قتادة في قوله: «حتى تستأنسوا»: هو الاستئذان ثلاثًا، فمن لم يؤذن له منهم فليرجع، أما الأولى فليسمع الحي، وأما الثانية فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا.
خلف هذه الأبواب تجد عبادًا وجدوا أنسهم في خلوتهم، بعيدًا عن عيون الخلق، يتنقلون من وراء الأبواب من دوحة إلى دوحة في رياض من الجنة ونعيمها، قد علموا أن الشيطان لهم بالمرصاد فأغلقوا دونه الأبواب، ولم يفتحوها إلا لكل بر وإحسان وبسرية تامة، ومتى هدأت العيون كان لهم دوي كدوي النحل من ذكر الله وإذا خلا كل حبيب بحبيبه خلوا بربهم -سبحانه وتعالى- فسكبوا في محرابه دموع الرجاء والخوف، ورفعوا أكفهم بدعاء الرغب والرهب، فكانت لذة المناجاة بالنسبة لهم ليست من الدنيا وإنما من الجنة، وهم مع ذلك يخفون أعمالهم الصالحة وحسناتهم الخالصة لتربو وتتقبل، قد أصبحوا بوجوه غير الوجوه لما يعلوها من نور، ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود﴾ (الفتح: ٢٩)، لذلك لما سئل الحسن رحمه الله: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهًا؟ قال: «لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره».
ووراء هذه الأبواب أيضًا عبيد ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (النساء: ١٠٨)، فتجدهم يمارسون المنكرات ويرتكبون الفواحش ويغشون السيئات بقلوب قد علاها الران، وهم مستترون وراء قضبان أبوابهم، وقد سترهم الله -تعالى- بباب ستره لكنهم جعلوا من الباب سجنًا لهم، ومن الشيطان قائدًا وسجانًا، فخلوا إلى محارم الله فانتهكوها وجعلوا الله تعالى أهون الناظرين إليهم، وهؤلاء الغافلون يذكروننا بأصحاب الأبواب المغلقة، فهل سمعت عن تلك الأبواب؟
الأبواب المغلقة: إنها تشبه أبواب امرأة العزيز حين غلقتها أمام يوسف -عليه السلام- وقالت له ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (يوسف: ٢٣)، إن هناك أبوابًا كثيرة تغلق على أصحابها يفعل من ورائها ما الله أعلم به وليس فيهم من يقول ﴿مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِـمُونَ﴾ (يوسف: ٢٣) وليس منهم صاحب الدجاجة الذي أبي أن يذبحها في مكان لا يراه فيه أحد كما أمره أستاذه لأنه يوقن تمام اليقين أنه لن يكون وحده أبدًا، وقد ظن أصحابها أنهم في ستر عن العيون وأنساهم الشيطان أن الله حي لا ينام.
وهناك أبواب أخرى تغلق أمام أعمال البر والخير فلا تسمع لها صريرًا إلا صرير الصد والمنع، فهي دائمًا مغلقة في وجوه الكثير من الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والضعفاء، وكأن هذه الأبواب صنعت من صخر أصم، فهي لا تفتح وكأن قلوب أصحابها قدت من حجر أصم، فهي لا تمنح إذ يبخلون بمد يد العون من ورائها لأي من هؤلاء، وما علموا أن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وأن من فتح لهم باب الإحسان فتحت له أبواب الجنان.
بيوت بلا أبواب:
وإذا وجدت بيوت لها أبواب مغلقة فإن هناك بيوتًا لا يجد ساكنوها أبوابًا لها ليفتحوها أو يغلقوها، إنها لإخوان لنا قد أنهكتهم الحروب، ولاحقتهم دوريات التفتيش من المحتل في كل مكان، وضاعت أدنى حقوق إنسانيتهم الضرورية من الستر والتصرف بحرية داخل حرم بيوتهم وخلف أبوابها، لكن عيون الشر لا تهدأ إلا بفعل الشر، فتتبع الناس حتى داخل بيوتهم ولو أدى ذلك إلى خلع أبوابها بالقوة أو هدمها فوق رؤوسهم، وما يحدث في أرض الإسراء وبلاد الرافدين أكبر مثال على ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل