; أبي.. كما عرفته.. همة عالية وعمل متواصل | مجلة المجتمع

العنوان أبي.. كما عرفته.. همة عالية وعمل متواصل

الكاتب شيخة عبدالله المطوع

تاريخ النشر السبت 18-نوفمبر-2006

مشاهدات 77

نشر في العدد 1727

نشر في الصفحة 33

السبت 18-نوفمبر-2006

كلنا يحب الراحة، فكل منا يسعى إلى الدعة بنسب متفاوتة وبأوقات مختلفة، ومنا من ينشدها صباح مساء ويتمنى أن يأتيه رزقه رغدًا وهو في أهنأ بال وأصلح حال من غير تعب ولا نصب ولا كد ولا عمل.. أما أصحاب الهمم الفتية، والروح المتألقة الندية فهم لا يرون طعما للحياة ولا لذة في الدنيا إلا في العمل والجهد والتعب.. وأبي يرحمه الله. من هذا الصنف الأخير، فقد ظل حتى بلغ الثمانين عامًا يعمل ويكدح ويثابر ويسعى من غير توقف أو كلل أو تململ. حتى أتته المنية وهو في مكتبه وفي عمله وبين موظفيه لا بين أهله وبنيه، فسبحان من قدر الأمور كلها، دقها وجلها.. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسان فِي كَبَدٍ﴾ (البلد:4).

وقد ظل أبي يرحمه الله يصارع الحياة ويكابدها طوال عمره.. وكم كنا نشفق عليه ونرأف لحاله، ونطلب منه أن يريح نفسه من عناء العمل وغيره، فكان دائما يقول: إنني في الثمانين من العمر وأحس أني في العشرين بداخلي من الهمة والنشاط ما أضاهي به همم الشباب وعزائمهم... حتى في أيام العطل وفي الصيف كان يوجد لنفسه عملًا ويشغل نفسه بأشغال متعددة....

وعندما يعزم على السفر صيفًا للراحة والاستجمام كما يقولون، تراه أيضًا في عمل وشغل ولكن من نوع آخر.. فهو في سفره مجند لاستقبال الضيوف من كل حدب وصوب، وكأن الله خلقه ليغيث الملهوف ويجيب السائل ويكرم الضيف وليعيش هموم المسلمين وأحوالهم، ولا تستطيع بحال من الأحوال أن تثنيه عن عزمه أو تلهيه عن هدفه.

وكان إذا اشتكى مرضًا أو وجعًا، وأشفقت لحاله تراه بعد ساعات قليلة، قد استعد للذهاب لعمله، وعندها تسأله متعجبًا يقول: «والله لا أقدر ولا أستطيع العيش من غير عمل»، وكان معدل ساعات نومه يوميا لا يتعدى الست ساعات أو الخمس، مضافة إليها نومه نهارًا.

أما عن سفراته للعمل، أو لحضور المؤتمرات والمعارض السنوية والشهرية فحدث ولا حرج، حتى في سنواته الأخيرة، فكان يرحمه الله كالطائر المهاجر الذي لا يستقر بمكان ولا يحده زمان.

وإذا عاد من عمله يوميًا نهارًا أو ليلًا، تراه يتابع الأخبار والأحداث... المرئية والمقروءة والمسموعة.

وكم كان يغط في النوم وهو جالس أمام التلفاز متابعًا لأخبار العالم ويستمع عبر الهاتف الموضوعات مجلة المجتمع فيصحو ويتدارك ما فاته ثم يعود لينام، ثم يصحو مبتسمًا ويطلب من محدثه أن يعيد قراءة المقال...

وإن تنصحه بتغيير هذا الحال فذلك من المحال.

وعند موته تناهى إلى سمعي قول إحدى أخواتي «الآن استراح أبي»، فقلت في نفسي: «نعم لقد استراح من عناء الدنيا وشقائها»، وذلك موافق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مرت عليه جنازة فقال مستريح ومستراح منه، قالوا: يا رسول الله، ما المستريح وما المستراح منه؟! قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب. البخاري - حديث رقم: (٦٥١٢).

قد علم أبي ألا راحة للمؤمن إلا في جوار ربه فلم يرغب في راحة الدنيا الزائلة واختار الراحة الأبدية للحياة السرمدية.

جعلنا المولى على خطاك - يا أبي - ولا حرمنا أجر مسعاك، وأتمنى أن: يتحقق فينا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور:21).

الرابط المختصر :