; أبي.. كما عرفته زهد في الدنيا | مجلة المجتمع

العنوان أبي.. كما عرفته زهد في الدنيا

الكاتب شيخة عبدالله المطوع

تاريخ النشر السبت 04-نوفمبر-2006

مشاهدات 69

نشر في العدد 1725

نشر في الصفحة 49

السبت 04-نوفمبر-2006

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس».

قاعدة ربانية، ووصية نبوية من التزمها في حياته اليومية، حاز على محبة رب البرية، وفاز بمحبة الخلق الأبدية.

وكم كان والدي- يرحمه الله- يلتزم هذه الوصية، فكان عازفًا عن الدنيا وعن متعها الثانوية، راغبًا بنعيم الجنة وبالحياة الأخروية، لا يأبه بما في أيدي الناس وما يملكون من مال ومتاع فأحبوه محبة فعلية.

اختار أبي ألا يعيش في هذه الدنيا الفانية عيشة المترفين المسرفين المبذرين، مع أنه كان يملك ما يؤهله لأن يعيش عيشة الملوك المنعمين والوجهاء المكرمين، لكنه آلى على نفسه ألا يجعل هذه الدار له قرارًا، فكان- يرحمه الله- متواضعًا في ملبسه، ومطعمه، ومسكنه، وسائر شؤونه، ولا يخفى ذلك على أحد عاشره أو زاره أو رافقه واطلع على أحواله....

وكان دائمًا يردد علينا هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (الإسراء: 27).

 والناظر لأحواله يجد شيئًا عجبًا؛ ينفق في سبيل الله وفي المشاريع الخيرية وعلى الفقراء والمحتاجين إنفاق من لا يخشى الفقر، ولسان حاله يقول: «أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالًا»، بينما كان يقتصد في الإنفاق على نفسه ومتطلباته وحاجته الدنيوية حتى كان يظنه الكثيرون مقترًا وما هو بذلك، بل كان زاهدًا راجيًا ما عند الله خائفًا من حسابه وسؤاله عن كل درهم: من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟

لم يشعرنا يومًا بأننا أفضل من غيرنا من «الناحية المادية» أو أرفع قدرًا لأنه هو نفسه لم يكن يستشعر ذلك، بل كان يرى أن ما يملكه هو وغيره ملك لله تعالى يضاعفه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء سبحانه... وكان دومًا يحاسبنا: بكم اشتريت هذا؟! وإذا كان سعره معقولًا يقول: «اذهب واشتر أخرى»، وإذا كانت تميل إلى الغلاء قليلًا يقول: «لقد غلبوكم» «أبنائي لا تسرفوا» «حرام ما يجوز» «أنا تاجر وأعرف أنها تساوي أقل من قيمتها بكثير».

أذكر أني عندما كنت في المرحلة الثانوية اشتريت حقيبة للمدرسة بمبلغ (٢٥ د.ك)، وكم أنبني لذلك وكم غضب وراح يكرر علي المواعظ صباح مساء... «ابنتي هذا إسراف.. حقيبة بـ ٢٥ دينارًا؟، هذا هو التبذير بعينه، هل تعلمين أن هناك أسرًا تتكون من أربعة أشخاص يعيشون على ٦٠ دينارًا كل شهر يأكلون منها ويقتاتون ويدفعون أجرة منزلهم.... ابنتي إنك بذلك تكسرين قلوب الفقراء».

جعلني أحس بالذنب وسوء الفعل، بل جعلني أكرهها وأمقتها وأشعر بتأنيب الضمير إلى حين أضعها، ولم أرتح إلا حين تصدقت بها وأرحت نفسي من شرها... وعندما كنت أقول له: أبت.. حقيبة بـ «٢٥ دينارًا» تقيم الدنيا علي ولا تقعدها! انظر إلى فلان وفلانة من الناس كم يسرفون وبكم يشترون فكان يرد: «ما عندهم سالفة» «لا يفهمون» «لو كانوا يفقهون قليلًا لم يفعلوا ما فعلوا».

فأقول: ولكن يا أبي الخير كثير ونحن أبناؤك ولنا وضعنا في المجتمع، فيجيب بكل ثقة: «نعم أبنائي.. يجب أن تكونوا قدوة لغيركم مميزين عمن دونكم بتقواكم لله وورعكم.. لا بدراهمكم ودنانيركم».

وكم كثرت المناقشات في هذه الميادين وغالبًا ما كان يخرج أبي منها منتصرًا ظافرًا...

لله درك أبتاه.. غرست فينا هذه المعاني الجليلة، وربيتنا على البر والفضيلة، وورثتنا اسمًا لامعًا ومجدًا خالدًا، وذكرًا طيبًا... والذي نفسي بيده هذه.. هي الثروة العظيمة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 35

159

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

هذا الأسبوع (35)

نشر في العدد 435

91

الثلاثاء 06-مارس-1979

الأسرة.. (عدد 435)