العنوان أبي كما عرفته... رجل بسبعة
الكاتب عبدالرحمن المطوع
تاريخ النشر السبت 09-ديسمبر-2006
مشاهدات 64
نشر في العدد 1730
نشر في الصفحة 35
السبت 09-ديسمبر-2006
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» (أخرجه البخاري في صحيحه، حديث رقم:٦٦٠).
وقد نظم الإمام أبو شامة «عبد الرحمن بن إسماعيل» هذه الخصال السبعة بقوله: وقال النبي المصطفى إن سبعة يظلهم الله الكريم بظله. محب عفيف ناشئ متصدق وباك مصل والإمام بعدله. يوم يقوم الناس لرب العالمين، وقد دنت الشمس من رؤوس الخلائق أجمعين، وبلغ العرق مبلغه كل بحسب عمله وفعله، منهم المحسن ومنهم المسيء ومنهم من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.. في ذلك الموقف الرهيب كل ينتظر حسابه، ويرتقب عقابه وثوابه، إلا سبع فئات من الناس يستظلون في ظل عرش الرحمن، قلوبهم مطمئنة، وأعمالهم مشرفة، كرمهم المولى بظله الظليل وعفوه الجميل.
وقد أخبرنا رسول الله ﷺ وبين لنا صفتهم، ونسأل الله أن يجعلنا منهم. وكان أبي يرحمه الله نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا يتصف بالصفات السبع، ويتحلى بالخصال الموجبة لاستقلاله بعرش الرحمن «كلها مجتمعة» وسنفصل الحديث عنها في سبع مقالات، إن شاء الله تعالى بحيث تتناول كل واحدة على حدة.
فأولها: الإمام العادل
والإمام هو -كما أخبر الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري- «كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه» وهو الذي يتبع أمر الله يوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط (فتح الباري،٢/١٦٩، ١٧٠ ط العبيكان).
كان والدي نسأل الله أن يرحمه ويوسع له في قبره – مثالًا يحتذى في العدل والإنصاف في كل شؤون حياته، يضع كل شيء في موضعه في الوقت المناسب وبالكم المناسب والكيف المناسب. ولاطلاعنا على أحواله الخاصة في بيته وبين أهله وبنيه، كنا نستشعر ذلك ونراه ونتعجب من عدله وتقواه. كان لا يفرق بيننا في منحة أو أعطية كلنا أمام عينه في ذلك سواسية إلا في مرض وعلاج أو دراسة، فإنه يضطر أن يعطي أحدنا أكثر لظروفه الخاصة. وإذا احتاج أحد أبنائه لشيء من المال أو الحاجة «كبيت وغيره» فإنه يعطيه ويسجله عليه دينًا، إما أن يدفعه خلال حياته أو أنه سينقص من مقدار إرثه.
بهذه العظمة كان والدي يرحمه الله، حتى إني أذكر أنني إذا طلبت منه طلبًا كان يقول: «ابنتي.. لك ثماني أخوات وعلى كاهلي أمانة العدل بينكن لا يسعني ذلك ....». وحتى المحبة القلبية، كان لا يحب الإفصاح عنها خشية التفريق بيننا، مع أن ذلك يمكن أن يعرف من عينيه ومن خلال تصرفاته. لا أنسى أنني ذات يوم جلست أسامره فسألته قائلة: إنك تحب أختي «فلانة» أكثر من غيرها، بل أكثر منا جميعًا. فاجأني بإجابته الذكية وسرعة بديهته يرحمه الله، قال: «بل هل التي تحبني وتودني وتقدمني أكثر من غيرها ...». وحدثني أخي أن العدل قائم أيضًا في عمله وبين موظفيه، إذا حدث خلاف كان يستمع إلى كلا الطرفين ولا يقيم حكمًا أو يصدر أمرًا إلا إذا استمع إليهما جميعًا.
ومن تمام عدله -يرحمه الله- أنه كان يحسب كل مشروبات وضيافة مكتبه من حسابه الخاص، خشية أن يأتيه زائر أو ضيف خارج نطاق العمل، فيعتبر ما يتناوله من حساب الشركة وهذا، بنظره غير جائز وكذلك أوراقه الخاصة، كان يدفع قيمة تصويرها من حسابه الخاص أيضًا، وهكذا كان حاله في تعاملاته مع الناس خاصة إذا تدخل بالصلح بين متخاصمين أو الحكم بين متنازعين، وكذلك في أموره الدعوية وبين إخوانه، تجده يمسك بميزان العدل والقسطاس في مواقفه وقراراته وتعاملاته.
أبتاه.. أتمنى أن يتحقق فيك قول رسول الله ﷺ: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» أخرجه مسلم حديث رقم (١٨٣٧). وسنكمل حديثنا -بإذن الله عز وجل- في العدد المقبل عن «شاب نشأ في عبادة ربه».