; أبي.. كما عرفته - «رجل بسبعة» (٥) | مجلة المجتمع

العنوان أبي.. كما عرفته - «رجل بسبعة» (٥)

الكاتب عبدالرحمن المطوع

تاريخ النشر السبت 13-يناير-2007

مشاهدات 93

نشر في العدد 1734

نشر في الصفحة 41

السبت 13-يناير-2007

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله. ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ..

رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله .. ما أخبرنا به في الحلقات السابقة عن أوصاف يتصف بها والدي. يرحمه الله. ويتحلى بها أمور معروفة ومشاهدة لمعارفه وأحبائه وأصحابه وأقربائه لا تخفى على الكثيرين منهم، ولكن هناك أموراً خاصة وحوادث وقصص معينة اختص بمعرفتها أبناؤه وأهله المقربون، وبما أن المقام يقتضي ذكر بعضها فلا يسعنا إلا أن نطلعكم على جانب من حياة والدي الخاصة كي يكون قدوة لغيره وأسوة لمن سواه..

أن تنسلخ المرأة من حياتها، وتتجرد من كرامتها، وتعرض نفسها على رجل يقبلها أو يرفضها، فهذا أمر مستهجن، وفعل مستقبح، وأن يقاوم الرجل هذا العرض المغري ويدفع هذه المرأة التي أتته بكليتها وهي راغبة، فهذا هو العفاف بعينه.

وهذا ما حدث مع سيدنا يوسف عليه السلام. حين عرضت امرأة العزيز نفسها عليه، و (غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) (يوسف: 23)

وهذا ما تكرر مع والدي يرحمه الله فقد حدثنا مرات عديدة عن هذا الموقف الذي حصل معه في إحدى الدول الغربية، فكان يقول يرحمه الله في أحد سفراتي العديدة إلى الدول الأجنبية لحضور أحد المعارض الدولية في الأثاث، وقد كنت في ريعان الشباب وفي بداية العمر، وكان الوقت قد تأخر ليلا، وقد انتهيت للتو من حضور المعرض، وبينما أنا متوجه إلى غرفتي في الفندق الذي أسكن فيه، إذا بامرأة تدخل معي المصعد، ذات جمال ملحوظ، وقوام ممشوق، وإذا بها تبتدرني قائلة إني أعرفك.. فحملقت فيها بعد أن تسمرت في مكاني وأعدت إليها النظر فقلت، ولكني لا أعرفك، فقالت بلى إني أعرفك جيدا ومعرفة تامة.

قلت لها، وكيف ذلك؟ قالت أنسيت تلك الليلة التي قضيناها سويا، واستمتعنا بقضائها مع بعضنا البعض.. وأخذت بالوصف وأسهبت بالشرح.

هنا رد أبي عليها بصرامة.. إني لا أعرف امرأة غير زوجتي ولا أقضي مع غيرها الليالي، وإن كنت بسؤالك هذا ترمين إلى شيء آخر فقد أخطأت الاختيار، ولم توفقي بالانتقاء.. فأنا رجل مسلم ولا يحل لرجل مسلم أن يعاشر غير زوجته.. نحن نخاف الله سبحانه.. 

خاب رجاؤها حينها، وانقطع أملها، وهي التي ظنت أنها بجمالها وحسن مظهرها ستغزو قلبه، وتسلب لبه، وأنى لها ذلك بقلب ينبض بحب الله وحب رسوله.

 في خلوة وفي غربة وفي شباب امتنع أبي من امرأة ذات جمال دعته وحاولت إغواءه، وقال بملء فيه، إني رجل مسلم أخاف الله.. ليسمع شبابنا، ولينظر صبياننا كيف أن القلب إذا كان معلقاً بربه، خائفاً من عقابه، راجيا ثوابه كيف يحفظه الله وقت المحن، ويعصمه من الزلل، كيف لا وقد علمنا إياها سيد البشرية احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك..

أما دعوة بنات الهوى وفتيات الرذيلة، والعياذ بالله، فلا تقتصر في زماننا هذا وفي عصرنا على الصورة التقليدية التي ذكرتها أنفا.. فهي الآن دعوة مجانية لكل رجل يسمع ويرى ويستطيع أن يميز بين الروائح الطيبة وغيرها. 

فكم من مناظر تسلب اللب على شاشات التلفاز، وعلى صفحات المجلات، بل أصبحت هذه المناظر مألوفة للعين تراها في كل وقت وحين..

وأصبحت الأصوات المائعة، والألحان الماجنة مسموعة من غير أن تسعى إليها، والروائح الطيبة تشمها في الطرقات، وفي الأماكن العامة، كأن كل واحدة منهن قد تزينت وتطيبت ليوم عرسها، ولا حول ولا قوة إلا بالله ما جعلني أذكر ذلك هو أن والدي رحمه الله، قد حاول خلال حياته معنا جاهداً أن يحارب كل هذه الوسائل للدعوة غير المباشرة التي تثير الشهوات، وتبعث الفتن، فعندما كنا صغاراً كان يراقب ما نشاهد في التلفاز، وعندما كبرنا، ما كان منه إلا أن تخلص منه خوفا من أن نرى المناظر الشائنة المخلة بالآداب.

إضافة إلى ذلك، كان يحرص أشد الحرص على ما نقرؤه في الصحف وما نشاهده في المجلات، وكان دائم التنقيب عما يوجد في بيته، وإن رأى شيئاً لا يتناسب مع الشرع أخذه وتخلص منه.

ولم يكن يرحمه الله يحب لنا أن نسافر إلى الدول الغربية حتى لا نتأثر بما نراه هناك من فتن ومناظر وأجواء غير طاهرة.

حاول جاهداً أن يبعد أبناءه وبناته عن أن يتعرضوا لهذه الدعوات القائمة، ويحصنهم منها، كما حصن نفسه هو ويربي في ضمائرنا الخوف من الله سبحانه.. عسى الله أن يجعلك يا ابت من سكان الجنان ويرزقك من الحور العين ما تشاء وأن يجعل خوفك منه سبباً لاستظلالك بعرشه.. أمين.

الرابط المختصر :