; أبي كما عرفته-رجل بسبعة | مجلة المجتمع

العنوان أبي كما عرفته-رجل بسبعة

الكاتب جاسم المطوع

تاريخ النشر السبت 16-ديسمبر-2006

مشاهدات 74

نشر في العدد 1731

نشر في الصفحة 39

السبت 16-ديسمبر-2006

رجل بسبعة (٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه». «شاب نشأ في عبادة الله» الشباب صولات وجولات، انتصارات أو إخفاقات، في ميادين الحق أو في ميادين الباطل، للشباب روح متأنقة وهمم عالية، وعواطف متدفقة، وحماس منقطع النظير، إما أن يوجه للخير فيثمر، أو يكرس للشر فيدمر. ولأبي في شبابه رحلة شيقة، وسيرة عطرة، بدأها حين توفي والده -يرحمه الله- وعمره لم يتجاوز التاسعة عشرة، رحل وترك له المال الوفير، والعبء الثقيل، والمسؤولية العظمى من رعاية الأيتام من الإخوة والأخوات. وكان عمي عبد العزيز -يرحمه الله وهو أكبرهم- لما رأى أن والدي أهل للمسؤولية أوكل إليه مهمة الرعاية والولاية نظرًا لانشغاله بشؤونه وأعماله وتنقلاته العديدة. وابتدأ والدي مشواره الحافل برحلة إلى الأراضي المقدسة للحج بصحبة أخيه عبد العزيز، وعمره لم يتجاوز حينها العشرين ربيعا، وكان اللقاء هناك بالإمام حسن البنا، والتعارف والتألف في ظل محبة أخوية وعلاقات إيمانية. وقضى شبابه -يرحمه الله- يدير أموال الأيتام يزكيها وينميها ويضاعفها، ولا تجرؤ نفسه أن تتطلع إلى درهم لا يحل له أو به شبهة، ووضع نصب عينه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (النساء: 10). ولم يغير من نفسه شيئًا الضرب بالأسواق والتجول في أطراف البلاد وهو في مقتبل العمر، وفي ريعان الشباب لم يمنعه من الإقدام على معصية أو الانخراط في المحرمات إلا خوفه من الله عز وجل، ودائمًا يكرر علينا هذه المقولة: «إنه من فضل الله علي ورحمته أني لم أعصه في شبابي قط، أموالي تملأ محفظتي وأنا في دول غربية أرى أمام عيني الفتن من مسكرات وملهيات ومحرمات لا يصدني ذلك عن ديني». وهذا موافق لقول رسول الله ﷺ: «إن ربك ليعجب للشاب لا صبوة له» (۱). وليعلم كل منا أنه مسؤول عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم» (۲)؟ فالسؤال عن العمر بشكل عام، وعن الشباب بشكل أخص لأنه من النادر أن تجد من زهد في الدنيا، ورغب عن متعها في مقتبل عمره وعنفوان شبابه. وفي عقد تأسيس شركة «علي عبد الوهاب» عام ١٩٥٦م كانت شروط والدي واضحة، وقراراته صائبة موافقة لما يحبه الله ويرضاه «لا غش لا ربا، ولا رشوة والزكاة مفروضة، والأموال محفوظة من الإيداع في بنوك ربوية أو حسابات استثمارية»، فنمت الأموال وتكاثرت الأرباح، فضلًا من الله ومنة. ومما يحيرني فعلًا التزام والدي -يرحمه الله- ونشأته على طاعة الرحمن من غير أن يكون له من يرشده ويوجهه، صحيح أنه نشأ في بيئة متدينة، ولكنه أصبح مسؤولًا كما أسلفنا في بداية حياته، وانطلق إلى الميادين بهمة الشباب وبتقوى الرجال الأشداء، ولكني مؤمنة بأن للرحمن رجالًا يختارهم ويربيهم ويكلؤهم بعينه التي لا تنام، ويحفظهم بركنه الذي لا يضام.
الرابط المختصر :