العنوان أبو مرزوق: براءة الرجل وانتصار القضية
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1997
مشاهدات 91
نشر في العدد 1250
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 20-مايو-1997
كان لإعلان موسى أبو مرزوق –رئيس الجناح السياسي لحركة حماس– في يناير الماضي سحبه للاعتراض القانوني المقدم ضد ترحيله للمحاكمة في إسرائيل وقعًا مجلجلًا في الأوساط الأمريكية والإسرائيلية، فيما اعتبرته وسائل الإعلام «خبطة ذكية» ومبادرة جريئة أركت الدوائر السياسية في كل من واشنطن وتل أبيب وإصابتهما بالذهول.
لقد أسقط في أيدي الجميع وكشفت خطوة أبو مرزوق الجريئة خيوط العنكبوت الواهية التي حاولت بها إسرائيل ومن يناصرها في الولايات المتحدة أن تتهم فيها أبو مرزوق بالإرهاب.
وبعد معركة قانونية طويلة تكشفت من خلالها خيوط المؤامرة التي خططتها إسرائيل وأنصارها في أمريكا لإسكات صوت زعيم الجناح السياسي لحركة حماس.. ظهرت براءة د. أبو مرزوق.
ولقد بين د. أبو مرزوق في البيان الذي أصدره بمناسبة الإفراج عنه خيبة أمله في النظام القضائي الأمريكي الذي كان يعتبره المؤسسة الأمريكية المعروفة باستقلالها عن المؤسستين التنفيذية «البيت الأبيض» والتشريعية «الكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب».
وربط د. أبو مرزوق اعتقاله بالمناخ المسموم الذي استطاعت إسرائيل أن تزرعه ضد النشطاء الفلسطينيين ليس فقط داخل الأرض المحتلة ولكن في دول الغرب وبالذات في الولايات المتحدة.
الضغوط الصهيونية
وقد بين المحامي ستانلي كوهين في مقالة له عن قضية أبو مرزوق: «ماذا تعني العدالة الأمريكية أن الضغوط الإسرائيلية المؤيدة بالعناصر اليهودية الأمريكية ومن يسير في ركابها من أقطاب السياسة في أمريكا قد تلاعبت وأجهضت الإجراءات القانونية التي تحمي د. أبو مرزوق كمواطن مقيم إقامة قانونية بالولايات المتحدة، وكشف كوهين أن الولايات المتحدة لم تعتقل د. أبو مرزوق لأن القضاء الأمريكي قد وجد أسبابًا تبرر ذلك، ولكن السلطات الأمريكية اعتقلت الرجل لأن أحد العناصر المؤيدة لإسرائيل من موظفي وزارة الخارجية - والذي لا يملك أي سلطة قضائية - قد أصدر أمرًا باعتقاله، وأن الحكومة الأمريكية قد لوت عنق الإجراءات القانونية من أجل أن تقبض عليه وتعتقله».
إن اللغز المحير هو أن الدكتور أبو مرزوق كان قد طلب تجديد وثيقة سفره الأمريكية قبل اعتقاله بشهرين، وقد سلمته سلطات الهجرة الوثيقة الجديدة دون أي اعتراض منها على ذلك، ويرى كوهين أن اعتقال د. أبو مرزوق كان نتيجة لإستراتيجية إسرائيلية القصد منها إبعاد د. أبو مرزوق وتأثيره على مسيرة مفاوضات السلام بينها وبين السلطةالفلسطينية.
بلغ تغلغل النفوذ الإسرائيلي مداه في المجتمع الأمريكي، فالإدارة الأمريكية ترسم لها سياساتها الشرق أوسطية عناصر معروفة بانحيازها الكامل مع إسرائيل، وفقدت الإدارة الأمريكية حيادها المزعوم في قضية الشرق الأوسط حتى أصبح سفيرها لدى إسرائيل «مارتن إنديك اليهودي الأسترالي الذي منح الجنسية أصلًا ليعين في مجلس الأمن القومي يقول صراحة بأنه صهيوني» إضافة إلى ازدياد التحالفات الإستراتيجية بين الإدارات الأمريكية وإسرائيل حتى أصبحت إسرائيل تحتمي «بالفيتو» الأمريكي في وجه إجماع العالم ضدها ... وزيادة على ذلك فإن أغلبية أعضاء الكونجرس شيوخًا ونوابًا يتنافسون على خدمة إسرائيل لدرجة أن المعلق التلفزيوني المحافظ بات بیوگانان، وصف ذلك بقوله أن الكونجرس الأمريكي أصبح «مستعمرة» إسرائيلية.
ولكن الجديد الذي كشفته قضية أبو مرزوق هو أن مؤسسة القضاء الأمريكي التي كانت تزهو بأنها الملاذ الأمين للعدالة أصبحت رهينة لدوائر الضغط السياسي، بل إن بعض المحاكم الأمريكية غدت تتبنى الأجندة الإسرائيلية بسمومها ضد الإسلام وضد النشطاء الإسلاميين وخصوصًا ذوي الأصول الفلسطينية، يقول أبو مرزوق وإن هناك محاولة الترسيخ صور نمطية مشوهة عن الإسلام والمسلمين في الغرب لإضعاف الناس وصناع القرار تجاه الإسلام والمسلمين. وما قضية اعتقالي وحبسي في سجن انفرادي، ومنعي من تأدية فروضي الدينية كصلاة الجمعة لمدة تقرب من السنتين دون ارتكابي لأي جريمة إلا دليل على سوء المعاملة التي يجدهاالفلسطيني في المجتمع الغربي.
وأضاف: أن وصف وزارة العدل الأمريكية لي بالإرهاب واستمرارها في ملاحقتي قانونيًا -بأمر أو بتوصية من الإسرائيليين الذين يتمتعون بحصانة تحميهم من المسالمة القانونية- الدليل على موقفهم اللاأخلاقي.
وقد انعكس هذا الموقف بجلاء في صيغة الحكم الذي أصدره القاضي الفيدرالي كيفين دافي والذي عمل على تطويع القانون ليحكم على أبو مرزوق بالترحيل للمحاكمة في إسرائيل.. وقد أدى. بعمله هذا إلى تلطيخ سمعته وتعريض نفسه للسؤال... خصوصًا بعد أن قادة حقده الأعمى لأن يصف مئات الآلاف من الفلسطينيين بالمشاركة في مؤامرة إجرامية لكونهم أعضاء في حماس، ويقول أبو مرزوق إنني لا تساءل ماذا في وسع القاضي دافي أن يقوم به أو علم أن جهوده المضنية في صياغة رأيه القانوني الذي وضعه في ٦٥ صفحة، وحكم بأنني لست سجينًا سياسيًا وبأن قراره بترحيلي لم تكن وراءه دوافع سياسية... ماذا في وسع هذا القاضي أن يفعله لو علم أن إسرائيل ستتنازل عن موقفها، وهي المعروفة بتصلبها وعدم تهاونها مع ما يمس أمنها أو مع من تصفهم بالإرهاب ويقول أبو مرزوق: ليس لدي أدنى شك في أن برأتي قد ثبتت وأنني لأترك السيد دافي يتصارع مع نفسه.. وليحصد نتاج ما زرعه وهو الذي كان مستعدًا لأن يحكم على بالسجن مدى الحياة.
المواقف الصلبة لأبي مرزوق
لقد أثبت موسى أبو مرزوق انتصاره وهو في سجنه بمواقفه المبدئية الصلبة التي رفض أن يتنازل عنها، وحتى عندما عرضت عليه أماكن معينة للإقامة فيها نظير شروط معينة من الإدارة الأمريكية. بين أبو مرزوق بأن ذلك أمر مرفوض رفضًا باتًا وقد حاولت السلطات الأمريكية أن تشترط عليه عدم زيارة بلدان معينة أو عدم القيام بنشاط سياسي فما كان منه إلا أن رفض هذه الشروط وأبى إلا أن يكون خروجه دون قيد أو شرط يتعلق بمواقفه الفكرية أو توجهات حركته السياسية، وفضل الاستمرار في السجن على القبول بشيء من ذلك.
إن قضية أبو مرزوق تفتح للعناصر العربية الإسلامية بالولايات المتحدة قضايا عديدة عليهم أن يحرصوا على الاهتمام بها ومواجهتها، فبالإضافة إلى ظهور آثار النفوذ الإسرائيلي وتغلغله في الجهازين التنفيذي والتشريعي. كشفت قضية أبو مرزوق قدرة هذا التيار على التأثير في الجهاز القضائي.. وهذا يتطلب من المؤسسات العربية والإسلامية زيادة تكثيف الجهود والتخطيط الإستراتيجي للتصدي للنفوذ الإسرائيلي داخلالمجتمع الأمريكي والمؤسسات الأمريكية.
كذلك من المهم أن تعي الحكومات العربية والإسلامية أن عليها أن تنسق جهودها مع المؤسسات والمنظمات ومراكز البحوث العربية والإسلامية من أجل الدفاع عن الحقوق المشروعة الشعب الفلسطيني وقياداته لأن ما حصل لأبي مرزوق يظهر بوضوح أن قوة الضغط العربية والإسلامية لم تتبلور بعد في شكل يسمح بأن يكون لها دور مؤثر في المجتمع الأمريكي، ولعل هذا يحرك اهتمام المخلصين لزيادة التنسيق فيما بينهم من أجل الاستفادة من الإمكانيات الفكرية والإعلامية والمادية المتاحة في سبيل الدفاع عن قضايا الأمة العربية والإسلامية وفي مقدمتها قضية فلسطين. وقد بين أبو مرزوق بموقفه الشجاع والواضح أن في استطاعة أصحاب الرأي استخدام الإعلام والقضاء في الصراع مع قوى الشر وعدم الرضوخ والخنوع لها لمجرد الشعور بهيمنتها، وقد كان للجنة الدفاع عن أبي مرزوق دور كبير في تحريك ومساندة قضيته، كما كان المواقف الجمعيات العربية والإسلامية وهيئات حقوق الإنسان مواقف محمودة جعلت من القضية مدار نشاط للعديد منهم.
انتصار للمسلمين في أمريكا
يمثل انتصار أبو مرزوق وهو في سجنه انتصارًا للقوى الخيرة على مخططات جماعات الضغط الإسرائيلية ومن يدور في فلكها، وهي فرصة على المؤسسات العربية والإسلامية أن تستفيد منها. وأن تبني عليها، لأن سجل الصراع مع قوى الشر الصهيونية طريق طويل وهو جزء من صراع الحق ضد الباطل وصراع الخير ضد الشر، وعلى المسلمين أن يتصلحوا بما يمكنهم من مغالبة القوى الشريرة، ليس فقط تحقيقًا لمصالحهم ولكن من أجل الدفاع عن كل التطلعات والآمال الخيرة لهم ولغيرهم.
وقد بينت هذه القضية أن هناك عناصر غيرة في المجتمع الأمريكي مثال المحامي الأمريكي ستانلي كوهين الذي كانت له مواقف تسجل له بالتقدير.
أما الجهد الأخير فكان من أبي مرزوق الذي أدار القضية بشكل متميز واستطاع وهو السجين في حبسه الانفرادي أن يربك تخطيطات الدوائر الصهيونية ومن يساندها بعزيمته الصلبة وموقفه الراسخ، وبانفتاحه على وسائل الإعلام وعدم تردده في توظيف ما توافر لديه من إمكانات بسيطة كانت رغم محدوديتها. في النهاية أقوى من كل إمكانات، إسرائيل ومن يقف وراءها.
وهتف «ياريف» اليهودي: الله أكبر.. ولله الحمد
بقلم : صلاح عبد المقصود
كان المنظر غريبًا وجديدًا على ضباط المحكمة العسكرية التي نظرت قضية الإخوان المسلمين في خريف ١٩٩٥م، فالقضية المعروضة هي قضية فكر ليس فيها سلاح ولا عنف ولا قتل والمحاكمة المطلوبة هي محاكمة لفكر، ولعمل لم يتم بعد، بل شروع في عمل مشروع، وهو خوض انتخابات مجلس الشعب.
وأما المتهمون فهم صنف جديد من الناس إنهم أساتذة جامعات وعمداء كليات، وعلماء بالأزهر الشريف ونواب سابقون بمجلس الشعب وأطباء ومهندسون وصحفيون ومحامون وغيرهم.. لهجتهم هادئة وحججهم
وأدلة الاتهام لهذه القيادات كانت مثيرة للسخرية، فمن يطالع المضبوطات التي قدمت المحكمة العسكرية من قبل الأجهزة الأمنية بجد منها كتبًا متداولة في السوق يفرزها العامة والخاصة، وطبعت بطرق قانونية، ولاتزال مصفوفة في واجهات كبرى المكتبات في شوارع المحروسة - افلام كتب عليها دعاية انتخابية لأحد مرشحي التيار الإسلامي 4 أكياس بلاستيك مكتوب عليها عبارة «الله أكبر ولله الحمد» صورة فوتوغرافية لمؤسس حركة الإخوان المسلمين الإمام الشهيد «حسن البنا» جهاز فاكس - مرخص بوزارة المواصلات يخص الدكتور محمود حسين أمين عام اتحاد المهندسين العرب صورة تذكارية للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الأمين العام المساعد لاتحاد الأطباء العرب مع ضحايا الغزو السوفييتي لأفغانستان، جهاز كمبيوتر يخص الدكتورحسين شحاته - أستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر.
أما دليل اتهام كاتب هذه السطور فكان عبارة عن صورة ضوئية لمقال سبق نشره تحت عنوان ليس دفاعًا عن الإخوان. بل دفاعًا عن شعب مصر وقدم للنيابة العسكرية على أنه منشور يدعو إلىازدراء نظام الحكم!
لم يشعر ضباط وجنود الشرطة العسكرية المكلفين بحراسة قفص الاتهام بغربة بينهم وبيننا، بل كانت نظراتهم إلينا حانية، وكان بعضهم يستقبلنا بالابتسامة ويدعو لنا بالخير.
وأكدنا مرارًا على احترامنا وتقديرنا لقواتنا المسلحة، وطالبنا قضاتهاالعسكريين بأن يرفضوا نظر قضيتنا، باعتبارها قضية سياسية، ولا ينبغي لجيشنا الذي نكن له كل الحب والإعزاز أن يكون - طرفًا في صراع سياسي..
واحتشد ما يقرب من أربعمائة محام مصري - وعربي وأجنبي، وعدد من نشطاء منظمات حقوق الإنسان العالمية، إلا إنهم انسحبوا احتجاجًا بعد عدة جلسات.
كان موقف الشعب المصري عظيمًا من تلك القضية، فقد أعلن عبر مثقفيه وكتابه ومفكريه وقادة أحزابه وقواه الوطنية والشعبية، رفضه واستنكاره لمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية. وأذكر موقفًا من مواقف التقدير لرموز الإخوان المسلمين لمسته من أحد اليهود المتهمين في إحدى القضايا، والذي أودع معنا بسجن ملحق طره، حيث انتقل إليه بعد تجوال لمدة سبع سنين في عدة سجون. واختلاطه بعدة جماعات وشخصيات، كان اليهودي شابًا في الثامنة والعشرين من عمره، ذكيًا مثقفًا يتقن الحديث بعدة لغات، ويمتلك قدرة كبيرة على التحليل.
اسمه ياريف بن حيروم كان يسكن في الزنزانة المجاورة، وكان الإخوان حريصين كل يوم على إطعامه مما نأكل ويشركونه معهم في التريض ولعب الكرة. وتأثر ياريف بالمعاملة الحسنة، فكان إذا أحرز فريقه هدفًا هتف بشعار الإخوان الله أكبر ولله الحمد وعندما سمعنا بحادث تفجير السفارة المصرية بباکستان، ونحن في السجن، وكان قد أسفر عن مقتل بعض رجال السفارة طلب منا الدكتور محمد حبيب - رئيس نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة اسيوط. أن نؤدي صلاة الغائب على أرواحهم. واستغرب ياريف منظر الصلاة، فلما سألنا وأجبناه قال: إنكم وطنيون مخلصون، وجديرون بثقة الشعب المصري.
ومع صدور الأحكام العسكرية على رموز الإخوان المسلمين في 22/11/1995م سجل مراسلو الصحف ووكالات الأنباء المصرية والعالمية مظاهرة حب الله والوطن، حيث علت هتافات الإخوان الله أكبر ولله الحمد - في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء، لا لدنيا قد عملنا نحن للدين الفداء، ورفعوا عشرات الأعلام المصرية داخل القضبان ورددوا نشيدهم لمصر.
بلادي بلادي اسلمي وانعمي سأرويك حين الظما من نعي
بلادي إذا ما دهتك الخطوب فإننا بأرواحنا والقلوب
سنحمي ثراك ونحمي الدروب هتافاتنا النصر للمؤمنين
وانهمرت الدموع من عيون كثير من ضباط وجنود الحراسة، واختلس بعضهم الفرصة ليعانق المحكومين ويشد على أيديهم ويقول لهم الله معكم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل