العنوان أبو محمد الفلسطيني.. وقباب الأقصى
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 20-مارس-2004
مشاهدات 91
نشر في العدد 1593
نشر في الصفحة 46
السبت 20-مارس-2004
a-aiyafee@hotmail.com
السلام عليكم ورحمة الله.. السلام عليكم ورحمة الله
سبح الشيخان الفلسطينيان بعيد الصلاة ما شاء الله لهما أن يسبحا.. ودار بينهما حوار عجائزي بين جنبات الأقصى الأسير:
يتقبل الله يا أبو محمود.
الله يقبل منا ومنكم.
يازلمة هوا الأقصى إلنا لحالنا..شو مالهم ها المسلمين ساكتين.. هيا مآذن الأقصى مش بتكبر الله؟.. يا عمي بدناش طياراتهم ولا دباباتهم ومش عايزين منهم إشي.. بس بدنا يحموا هالأقصى .. يازلمة.. هوا مش مسرى نبيهم.. اللهم صلي عليه؟!
صمت ودموع مقهورة تتلألأ في عينيه وتنحدر جنوبًا نحو غابة الشعر في لحيته.
أجابه الشيخ المرافق له بثقة بالغة: يا أبو محمود.. أمة محمد على خير.. ولازم ييجي يوم تصحا فيه ..!!
هذا الحوار العجائزي الفلسطيني الذي يحمل في مضامينه مرارة الشكوى وبريق الأمل ليس مشهدًا دراميًا للاستمتاع.. ولا حكاية فلكلورية للتسلية.
أبو محمود يتحدث عن غياب العمق الاستراتيجي للشعب الفلسطيني ويؤلمه هذا الشقب العربي الاستراتيجي الذي أحدثته الهيمنة الأمريكية تطبيقًا لاستراتيجية الليكود الداعية للضغط على الغلاف الإقليمي كي يخضع القلب الفلسطيني. تعلم هذا العجوز وهو في بيارات يافا عندما كان يطلق النار على الجنود الإنجليز من بارودته العتيقة أن لب الصراع هو قضية فلسطين، ويستغرب الآن وهو يجلس على سجادة الأقصى بعد أداء الصلاة حالة الخذلان العربي.. ويقهره هذا الصمت الجنائزي الذي يخيم على فضاء المنطقة.
أبو محمود لا تهمه تفاصيل المشهد السياسي الإقليمي ولا يقيم وزنا المشروع بوش لدمقرطة الشرق الأوسط الكبير. ما يهمه... قباب الأقصى.. وهو يخاف عليها.. وكلما أفاق صبيحة كل يوم يسرع ويتجه نحوها لينظر إليها .. هل ما زالت تخترق فضاء القدس متوازية مع معراج الصخرة المشرفة؟! وكلما شاهدها توجه للقبلة داعيًا.. اللهم عجل بصلاح الدين الجديد.
ولكن أبا محمود رغم بساطته يدرك أن الإدارة الأمريكية تريد أن تزيف ذاكرته وتعمل المحو حقول المعرفة الأساسية في الذاكرة العربية، وإحدى أدواتها المستحدثة في هذا الشأن مشروع الدمقرطة الوهمي الذي يروج له راعي البقر الأمريكي.
أمريكا في هذا السياق تريد أن تؤسس الثقافة بمقاس أمريكي ولا بأس من اعتبار بعض المعايير الأوروبية لضمان تأييد التابع الأوروبي كي تدفع أمثال وزير خارجية ألمانيا يوشكا فيشر لكي يقول إن مشروع الدمقرطة غير مرتهن بمصير الصراع القائم بالمنطقة، وهي الصورة التي تجهد واشنطن لرسمها لطمس تأثيرات سياستها المنحازة تجاه المشروع الصهيوني، فهي تطمح لفك ارتباط الأزمة القائمة بالمنطقة بجوهر الصراع لتحول الأنظار باتجاه هموم محلية وإقليمية لإشغال النخب والشعوب عن القضية الأساسية المتمثلة بالاحتلال القديم لفلسطين والاحتلال الجديد للعراق.
في الثقافة الشرق أوسطية الجديدة ستصبح إسرائيل دولة إقليمية تتمتع بشرعية الوجود ووفق المقاس الأمريكي المعولم ستغدو المقاومة إرهابًا، والتدين الفاعل أصولية والمناهج التعليمية ستقلب رأسًا على عقب من أجل إنتاج أطفال بدون بوصلة ثقافية وجيل «منزوع الكرامة»..
لكن أمريكا في معركتها الديمقراطية ذهنية أبي محمود السائدة بالمنطقة ستواجه عقبتين:
- تناقض مشروع الدمقرطة مع مصالح كثير من الرؤوس المتناغمة مع المصالح الأمريكية بينما الطرف المستهدف، وهي الشعوب لا يتوافق مع السياسات الأمريكية.
- نافذة الديمقراطية المقترحة ستكون قناة لنفاذ التيار الإسلامي واقترابه من سلطة القرارأو على الأقل ستخلق هذه النافذة مناخًا ملائم لنماء هذا التيار المتناقض مع المصالح الأمريكية.
في الحالة الأولى ربما تقايض واشنطن تلك الرؤوس.. ففي مقابل فرصة البقاء.. عليهم أن يخضعوا أكثر للأجندة الأمريكية، وبالتالي ستدشن معادلة جديدة للمنطقة يتحقق فيها أقصى درجات الهيمنة الأمريكية.
وفي الحالة الثانية، تنصح بعض الأوساط الأمريكية أن تعمد الإدارة الأمريكية للتقارب مع التيار الإسلامي ودمجه بالسلطة، ولكن على نمط الليبرالية الدينية التي تجسدها حكومة أردوغان التركية مقابل أن يغضوا الطرف عن عملية التسوية للملف الفلسطيني وفق الأجندة الصهيونية- أو ربما- كما يستنتج من بعض التلميحات. تعمد واشنطن لتفجير التيار الإسلامي من داخله كما حدث في الحكومة التركية، إذ انقلب أردوغان على أربكان وتواصل الأول مع بعض مفردات السياسة الأمريكية.
ومع هذه الصورة التي تبدو غير متفائلة. فإني أهدي أبا محمود وكل من يحمل هموم الأقصى وهموم الأمة.. هذه الخلاصة التاريخية التي أدركها أحد أعدائنا وهو الجنرال وشيه كلاو أحد أبرز أصدقاء شارون إذ يقول: لم يعد يغمض لي جفن بعد أن تعددت قراءاتي لملابسات معركة حطين التي انتصر فيها العرب على الصليبيين، خصوصًا بعد أن لاحظت أن أوضاع العرب والمسلمين في المرحلة. التي سبقت المعركة لم تقل سوءا عن وضعهم الآن، ومع ذلك حققوا نصرًا غير من شأن المنطقة
(*) كاتب وشاعر فلسطيني