العنوان أبو زيد مات.. و عنتر مات.. وكل ما هو آت آت!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999
مشاهدات 62
نشر في العدد 1364
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 24-أغسطس-1999
كانت أيامًا عشناها كالأحلام، استمتعنا بها في طفولتنا وصبوتنا، خفيفة الظل عبقة النسيم، خلابة الأماني، صبوحة المحيا، ينام فيها الأتراب قريري الأعين في أحضان آباء وأمهات يرضعون الحنان
ويرتشفون الأمان، يغردون في الدنيا وتغرد لهم، يسون ويصبحون في سعادة وأمان، ورخاء واطمئنان الناس أسرة واحدة، والحياة سهلة ومحببة، والأخلاق والقيم الفاضلة مصانة ومرعية، والرجولة والنجدة طبيعة نفسية تكاد تحس أن طفولة العصر وشبابه أزهار ورياحين، وورود وياسمين، تنبت في وسط حديقة غناء، وطبيعة فيحاء، وربيع جميل ونسيم عليل أو تحسبهم طيورًا مغردة في طبيعة صحوة، وبلابل صادحة في مرابع زاهرة، يتناغم هديلها، ويتلألأ شدوها مع سحر الطبيعة المرصع بحبات الندى وأكاليل الزهور.
ومع هذا كله ترى مخايل النجابة في الوجود، والفراسة في العقول، والرجولة في العزائم، والطهارة في النفوس ﴿وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ ﴾ (سورة الأعراف: 58) كانت أسماعنا تعف عن سفاسف الأمور، وتجل عن الصغائر والدنايا وسماع المرذول، وطباعنا تتأبى على المجون والجنون والخلاعة والدون، وكانت رؤوسنا عالية مرفوعة سامية عظيمة، لا يرهبها طاغوت مهما تجبر، ولا شيطان مهما عتا أو تمرد وتسلط.
أذكر جيدًا أن أذاننا ما كانت تسمع الأغاني الخليعة، ولا الألفاظ القبيحة، وما كانت أعيننا ترى المناظر الفاضحة، ولا المرائي الداعرة، وما كانت تروج في بيئتنا الروايات الهابطة ولا القصص الماجنة ولا اللهو العابث، وإنما كانت القرية كلها تتجمع في أفراحها وأعيادها على القصص الشعبي الطاهر النظيف، الذي كان دائمًا ما يحكي قصص البطولة والنجدة والشجاعة النادرة في فعل المكرمات أو مقارعة الأعداء، ومنازلة المغيرين والظالمين، كانت العائلات تأتي في أفراحها بالشعراء والمنشدين الذين يروون القصص في سير الأبطال والفاتحين من أمثال أبو زيد الهلالي سلامة، الذي دوخ الأعداء، وكان في شجاعته مضرب الأمثال، وكان في جواره دياب ابن غانم صاحب الحيل في الحروب والمحن، وكيف غزا البلاد وفتح الأمصار،وجاء بالأسرى مقيدين بالحبال، وما هزم في معركة قط ولا استطاع أحد أن ينال منه؟، وكيف كان شريفًا بطلًا لا يقرب الحرمات، ولا يفعل الدنايا في شجاعة عربية نادرة.
وكان الناس يسمعون ويجتمعون بالآلاف من كل حدب وصوب، كان على رؤوسهم الطير، ويتفاعلون مع القصص والشعراء حتى كأنك أمام معركة حقيقية يخوضها القصاص، وهو يمسك بالسيف كأنه أبو زيد يضرب به في الهواء هنا وهناك، ويتلقى الطعنات ويتفاداها كأنه في أتون المعركة يخوض غمارها، والناس جاثون على الركب كأنهم يشاركون في الحرب إن لم يكن بأجسادهم، فبأرواحهم وشعورهم وهممهم حتى إذا تم النصر صفق الناس وتهللت أساريرهم، وسمعت زغاريد النساء من على أسطح المنازل ابتهاجًا بالنصر العظيم.
ويجلس بعدها القصاص للاستراحة، فيسرع الناس إليه ومن معه بالشربات والتبريكات، وما يكاد ينتهي من بعض قصص أبو زيد حتى يبدأ في قصص آخر من أمثال: الزير سالم، أو عنترة بن شداد، ذلك البطل العبسي الذي استطاع ببطولته رغم أنه كان ابن أمة، ولا تعترف به القبيلة، وكان أبوه يضن عليه بإلحاقه به إلا أن بطولته جعلته مضرب الأمثال، فحمى أهله وقبيلته، وكان فخرها وعزها، وتزوج بعبلة فاتنة القبيلة التي كانت تحبه لشجاعته ويحبها ويهيم بها.
كان الشاعر يصور شجاعة عنترة وعفته ورجولته وصولاته في الحرب، وهو على صهوة جواده كأنك ترى النقع والغبار يملأ الجو، وتحس قعقعة السيوف يتطاير منها الشرر، وتسمع صهيل الخيل في ساحة الوغي وصيحات الفرسان في جنبات الميدان تصم الآذان، وترى عنترة يشق الصفوف ويطيح بالرؤوس كأنه المنية التي تقبض الأرواح أو الأسد الذي يقتنص الفرائس، ثم تنجلي المعركة عن البطل عنترة الذي تحيط به هالات النصر والفوز، وكان الحضور من السامعين للمعركة يحسون أن عنترة هو ممثلهم وقائدهم، ورمز كفاحهم ويطلهم، وتنظر إلى الشباب، وكل يحب أن يكون أبا زيد أو عنترة أو الزير سالم، أو غيره من هؤلاء الأبطال.
هذا، وكان العلماء في المساجد يروون قصص البطولة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولعلي بن أبي طالب، وقصص خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، ويتطرقون إلى أبطال الإسلام من أمثال صلاح الدين الأيوبي، وسيف الدين قطز، وغيرهم، فتكاد تحس أنك تعيش دائمًا عبق البطولة، ورياح النصر، وزخم المعارك، والجو الطاهر، والرجولة والصبوة، والفتوة والعزة والمثل الكريم.
أما اليوم، فقد مات أبو زيد، ومات عنترة، ومات الزير سالم، ومات في المساجد خالد بن الوليد، وسعد ابن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وظهرت ها هنا وها هنا، وجوه وأقنعة بالغة العفونة طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة، صفق لها إبليس مندهشًا، وباعهم فنونه، وقال: إني راحل، ما عاد لي دور هنا، دوري أنا، أنتم ستلعبونه!
ثم تنادون: قم يا صلاح الدين، قم حتى اشتكى مرقده من حوله العفونة، كم مرة في العام توقظونه وأنتم لا تستحقونه، كم مرة على جدران الجين تجلدونه، أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة وهم لا يتمثلونه، دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه؛ لأنه لو قام حقًّا بينكم ستعتقلونه، وسوف تقتلونه!!.
سائلوا أنفسكم وسائل نفسك قل لها حقيقة أنا حي، لكن جلدي كفني، لا أسير حيث أشتهي؛لأنني أسير نصف دمي «بلازما»، ونصفه خفير مع الشهيق دائمًا يداخلني، ويرسل التقرير في الزفير، وكل ذنبي أنني أعيش في زمن أساطير، قال لي يومًا أخي:
ضللت عن بيت صديقي، فسألت العابرين، قال لي أحدهم: امش يسارًا سترى أمامك بعض المخبرين، لف لدى أولهم، سوف تلاقي مخبرًا يعمل في نصب كمين، أتجه للمخبر البادي أمام المخبر الكامن وأحسب سبعة ثم توقف تجد البيت أمام المخبر الثامن في أقصى اليمين، فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!.
صديقي ما رأيك؟، هل يستطيع أن يعيش أبو زيد أو عنترة، ما دامت أمتنا تنجب عشرة أبطال؛ كي تقتل منهم عشرة؟، كيف سنجني شهدًا والبذرة في يدنا مرة.
وأخيرًا.. ما زال يرن في أذني من تراثنا الشعبي أيام أبو زيد وعنترة، موال يقول: السبع سكن جبل عالي وعال الهم- والكلب سكن جنينه وردها بنشم، مثل سمعناه من اللي قبلنا قاله: الضرب بالسيف ولا تقول للعويل يا عم!!، ولا تقول للعويل يا عم!!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل