العنوان المجتمع الثقافي: 1386
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1386
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 01-فبراير-2000
أبو الحسن الندوي منحى متميز في الحياة العلمية والرحلات الدعوية
د. محمد لقمان الأعظمي الندوي (*)
كان الشيخ أبو الحسن الندوي -يرحمه الله- من أكثر علماء عصره إنتاجًا وتأليفًا لم يقتصر على أداء رسالة الإسلام بعلمه وقلمه ولسانه، بل كان كثير الرحلات لم يتردد في الجهر بكلمة الحق في الملمات والنكبات التي كانت ولا تزال تتعرض لها بلاد الهند، وكانت له كلمة مسموعة عند المسؤولين والحكام.
نشأ وترعرع في عصر حافل مليء بالأحداث الخطيرة الفاصلة، وعاصر فترة أفول نجم الدولة العثمانية وانهيارها، وعاش مع تغلغل النفوذ الأجنبي الذي بدأ يحكم خناقه على العالم الإسلامي، ويسيطر على بلاد الهند والسند سيطرة محكمة، وكان الأستاذ الندوي فتى ناهضًا، وكان يرى المسلمين بين معجب بالحضارة الغربية الوافدة داعيًا لأخذها بكل ما فيها، وبين خائف منها منكمش عنها، وكان لا بد أن يكون له موقفه الواضح في هذا كله.
وكان لأسرته العريقة المنتسبة إلى عترة الحسن بن علي -رضوان الله عليهما- وأمه المثقفة والمؤمنة، كان لها ولتربيتها دور كبير في اتخاذ الفتى الناشئ الموقف الإسلامي الصحيح، فتسلح بأسلحة عصره، وجمع بين ثقافتين: الدينية والعصرية، وظل يطالع كتب السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بشغف ونهم، وتوسع في قراءة كتب التاريخ والتراث، وعكف على دراسة كتب الأدب العربي، وتذوق الشعر والبلاغة، وبذلك تمكن من إجادة اللغات الأردية والعربية والإنجليزية، وساعده هذا الشغف العلمي على الاستفادة من المراجع الأجنبية والمصادر العلمية، فبدأ يدرس الحضارات القديمة مثل الحضارة اليونانية وتاريخها، والحضارة الفارسية ومنعرجاتها، والحضارة الهندية ومميزاتها وثغراتها، وكانت دراسته دراسة العالم المتبصر المقارن يبحث عن مميزات هذه الحضارات من جهة، ويدرك أخطارها وأخطاءها من جهة أخرى، وأدرك بمقارنته الذكية البعيدة النظر بين هذه الحضارات من جهة وبين الحضارة الإسلامية من جهة أخرى - أدرك الفروق الدقيقة بينهما والبون الشاسع بين أهدافهما، وإذا كانت مواجهة الأضداد تميز الأشياء، فإن فضيلته قد أبرز لنا التمييز المتفرد النفيس الرائد لحضارتنا الإسلامية في ثمرة علمية دائمة الأكل هي كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟» وكان كتابه مفاجأة سارة للأوساط العلمية الحائرة بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، وأصبح هذا الكتاب القيم موضوع الساعة، وموضع إعجاب المفكرين والعلماء أمثال الدكتور أحمد أمين، والدكتور يوسف موسى، والكاتب الإسلامي سيد قطب، والدكتور أحمد الشرباصي، وتوجوا الكتاب بمقدمات قيمة، وقرر بعض المسؤولين الكتاب في الثانوية مع كتاب المطالعة «معالم المنهج العلمي للشيخ» وأصبح هذا المنهج التاريخي والتحليلي سمة بارزة في معظم مؤلفاته وكتاباته.
وقد يدعم بالاستشهاد بالآيات والأحاديث في المكان المناسب، ويذكر أقوال المؤرخين الموثوقين وآراء السلف الصالح بأسلوب علمي رصين وبنفسية الداعية الحكيم المتسم بالنزاهة العلمية، وتوظيف هذا المنهج وثمرته الناضجة يلمسهما القارئ في كتابه الممتع «السيرة النبوية» وكتابه القيم «المرتضى»، فضلًا عن توظيف هذا المنهج في اللقاءات العلمية العالمية والملتقيات الفكرية التي جعل منها منطلقًا لإلقاء المحاضرات والندوات والمناقشات الهادفة البناءة في رحلاته وجولاته.
وكانت رحلة الأستاذ الندوي إلى القاهرة إثر السمعة الطيبة التي نالها كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟»، فاستُقبل بحفاوة بالغة من العلماء والمفكرين، وذكر انطباعاته في كتابه «مذكرات سائح في الشرق العربي»، وهو سجل جميل حوى ذكرياته، ونظراته نحو العلماء والمفكرين بما يضفي على قارئه المتعة الفكرية التي تخلع على النفس مسحة صفائية، ويلمس القارئ الفرق الواضح بين الحياة العلمية في الخمسينيات وبين الحياة العامة في الوقت الحاضر.
- اختير - رحمه الله- عضوًا في المجمع العلمي بدمشق، ودعته جامعة دمشق أستاذًا زائرًا عام ١٩٥٦م، وحل بين أحبائه من إخوانه ضيفًا كريمًا، وألقى محاضرات علمية عرفت باسم كتاب «رجال الفكر والدعوة»، وكانت بداية لسلسلة علمية جميلة، تمت بالكتابة عن حياة شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله.
ومن أبرز محاضراته في هذه الأسفار، تأملات في سورة الكهف بعنوان: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: 13) و«ترشيد الصحوة الإسلامية» و«أزمة هذا العصر الحقيقية» وأخيرًا نال جائزة خدمة الإسلام في شهر رمضان لعام ١٤٢٠هـ، فكان ختام رحلاته الدعوية لهذه البلاد مسكًا.
وكانت الرحلة إلى تركيا في جلسة استشارية لرابطة الأدب الإسلامي لونًا جديدًا من ألوان الدعوة الإسلامية، حيث عقد هناك احتفال كبير للأدباء والمثقفين الأتراك.
وأمست رابطة الأدب الإسلامي وسيلة ومن وسائل الدعوة ونجحت نجاحًا موفقًا في الهند، وما زالت تشق طريقها في البلاد العربية والإسلامية وكان الشخصية الأستاذ الندوي دور كبير في نجاح الرابطة.
موقفه من الجماعات العاملة
كان -رحمه الله- يتمتع برحابة الصدر وسعة الأفق، وعالمية الفكر بقدر العاملين في سبيل الله، ويشجع الحركات الدعوية، ويتعاون معها، نظرًا لنشدانه الحق أينما كان، ضاربًا بعصا الإنصاف حواجز الاعتساف فيعود بالمتنازعين إلى حظيرة الدين في بساطة ويسر ويسعى إلى توحيد جهودهم، وتقريب وجهات نظرهم.
فقد أعجب بحماس الإخوان المسلمين ونشاطهم، وكتب مقدمة لكتاب مذكرات الدعوة والداعية للشيخ حسن البناء وأشاد بحكمتهم وإخلاصهم في الدعوة، وله رسالة مختصرة بعنوان «أريد أن أتحدث للإخوان» وكان ذلك في رحلته إلى مصر عام ١٩٥١م.
وكان الفقيد - يرحمه الله- من أوائل من شرفه الله بعضوية المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، كما كان عضوًا في المجلس الأعلى للمساجد والمجمع الفقهي في مكة، وكُلّف عام ١٩٦٣م بإلقاء المحاضرات في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكانت ثمرة هذه المحاضرات كتابه «النبوة والأنبياء في ضوء القرآن»، و «الطريق إلى المدينة»، و «ربانية لا رهبانية»... إلخ.
وكانت هذه الروابط العلمية عاملًا أصيلًا يحرك في وجدانه الشوق الدائم الذي يثمر حضور فضيلته إلى أرض الحجاز حينًا بعد حين حتى أتاه اليقين.
لا بد من صنعاء وإن طال السفر
ومن أبرز هذه الرحلات العلمية والدعوية رحلته إلى اليمن، وكان فيمن نظم برامج هذه الرحلة وخطط للاستفادة منها وإتاحة الفرصة للقاء مع المسؤولين في الحكومة وتبادل الآراء معهم الشيخ يحيى العسيل -رئيس الهيئة العامة للمعاهد العلمية والقاضي العرشي- رئيس الجمهورية سابقًا، وكانت الرحلة حافلة بالمحاضرات والندوات واللقاءات.
واستمرت رحلاته العلمية والدعوية لجميع المؤسسات والجامعات بالرغم من ضعف صحته مما يؤكد تفانيه وتضحيته لإعلاء كلمة الله ولنشر دعوة القرآن، وسافر لذلك إلى الجزائر في الملتقى الإسلامي العالمي أكثر من مرة، كما سافر إلى الكويت والإمارات «أبو ظبي – والشارقة».
رحم الله الشيخ الندوي رحمة واسعة.
(*) رئيس قسم الدراسات الإسلامية- كلية إعداد المعلمين- حائل- السعودية
الداعية الأديب
د.منجد مصطفى بهجت
قال عنه الشيخ علي الطنطاوي: بنى أمة من العلماء الصالحين والدعاة المخلصين
استطاع أن يوظف الأدب في خدمة الدعوة الإسلامية
كان اللقاء الأول بالشيخ الندوي منذ حوالي ثلاثين عامًا حين أقبلت على كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» (1) أقرأه بلهفة وأستعيد أفكاره بنهم، ولم أزل أستحضر مفاهيمه وأفكاره التي خلص منها إلى زبدة الكتاب وثمرته وقدم الحل بأسلوبه الأدبي البليغ في قوله «والعالم الإسلامي لا ينهض إلا برسالته التي وكلها إليه مؤسسه ﷺ والإيمان بها والاستماتة في سبيلها، وهي رسالة قوية واضحة مشرقة لم يعرف العالم كله رسالة أعدل منها ولا أفضل ولا أيمن للبشرية، والقرآن الكريم وسيرة محمد ﷺ قوتان عظيمتان تستطيعان أن تشعلا في العالم الإسلامي نار الحماسة والايمان.. وتحدثا في كل وقت ثورة عظيمة على العصر الجاهلي».
وكان اللقاء المباشر بالشيخ في المؤتمر الأدبي الذي عقدته رابطة الأدب الإسلامي في إسطنبول ٢٤ - 26/١٢/1417هـ الموافق ٨-10/8/ ١٩٦٨م وكانت له كلمة افتتاحية موجزة أكد فيها أن الإسلام لا ينحصر في نطاق العقائد ولا في عبادات مرسومة مشخصة معينة.. بل يشمل الحياة كلها، ثم كان مسك ختام الكلمة في قوله: «لو اجتمع أدباء العالم الإسلامي كلهم، وأرادوا أن يمدحوا شيئًا ذا هدف خاص وغاية خاصة غاية نبيلة، تدعو الإنسانية إلى ما فيه سلامتها، وإلى ما فيه كرامتها، لم يستطيعوا أن يقولوا أحسن مما قاله الله تبارك وتعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ﴾ (إبراهيم:24) (۲).
بهذه الكلمات النيرة ختم الشيخ كلمته.
ولا أكتم القارئ أني كنت أستمع لأول مرة -مباشرة- للشيخ الندوي، ودارت الأرض بي.. وأصبت بذهول، أفقت بعده على كلمات أدباء کبار جاء دورهم، وقلت في نفسي: ليت شعري! من أي مشكاة يقتبس هذا الشيخ! إنها منحة ربانية، وقلت: ليت شعري فأين اللكنة والعجمة، وهي أمور لا يمكن أن يفلت منها أعجمي إذا تكلم بالعربية (۳) فعلمت أن له باعًا كبيرًا في اللغة العربية وأدابها وفنونها.
وكان اللقاء الثالث حين تشرفت بالإشراف على رسالة ماجستير للطالب محمد عبد السلام أزادي، في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا بعنوان «جهود الشيخ أبي الحسن الندوي في التأصيل الإسلامي للغة العربية وآدابها عرض وتقويم» وأجيزت هذه الرسالة في ديسمبر ۱۹۹۸م وأتاحت لي الاقتراب خطوات أخرى من الشيخ الندوي.
ولا يتسع المقام للخوض في تفصيلات كثيرة، ولكني أدعو الباحثين والعلماء إلى ضرورة تخليد ذكرى الشيخ بكتابة المقالات والبحوث -كل حسب تخصصه- فقد عرفه خلق كثير، وحديثه عطر في المجالس وأريد بكلمة التخليد أن يكون نموذجًا يحتذى ومثالًا يقتدى به فيما وفّقه الله إليه، وما أحوج أبناءنا الشباب لأمثاله، وهي دعوة تشمل الجامعات والمؤسسات العلمية، ولا سيما رابطة الأدب الإسلامي التي كان يرأسها الشيخ بنفسه بالإعداد لمؤتمر عالمي يتناول دراسة آثار الشيخ في المجالات المختلفة.
مولده وطرق من سيرته
ولد الشيخ الندوي كما يذكر عن نفسه في ٦ محرم الحرام ١٣٣٣هـ- الموافق سنة ١٩١٤م، ومنذ سن مبكرة، أتاحت له أسرته أن يقبل على علوم العربية إقبالًا منقطع النظير، ومن يقرأ سيرته الذاتية يتعرف تعرفًا مباشرًا دور أسرته في تنشئته ودور العلماء المحيطين به، وأما أبوه عبد الحي الحسيني (ت ۱۹۲۳م) فيعد ابن خلكان الهند؛إذ هو صاحب كتاب نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر في ثمانية أجزاء.. ولما بلغ التاسعة توفي أبوه ثم تعهدته أمه السيدة خير النساء (ت ١٩٦٨م) وكانت شاعرة عابدة حافظة للقرآن ومؤلفة للكتب العديدة.
وكانت باكورة نتاجه الأدبي سنة ۱۹۳٠م؛ إذ نشر في مجلة المنار بالقاهرة مقالة بعنوان «ترجمة السيد الإمام أحمد بن عرفان الشهيد مجدد القرن الثالث عشر»، وكان قد نيف على السادسة عشرة من عمره، ثم نشرها له كتابًا العلامة السيد رشيد رضا في القاهرة ١٩٣٤م، ثم تتابعت نشاطاته وكتاباته، ولما كان عام ١٩٤٧م انفتح على العالم الإسلامي برحلاته إلى دول آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا، وألقى المحاضرات في معظم الجامعات العالمية، والمؤسسات العلمية فيها، ومنح الجوائز وشهادات التكريم من أكثر من جهة، ولم يكن حريصًا على الشهادات التي ربما قدح تسلمها في مروءته وشخصيته، ولهذا ترك بعضها ولم يتسلمها كما رفض تسلم مكافأة من إحدى الجامعات بعد أسبوعين من إلقائه المحاضرات بما يقابل ستة آلاف دولار أمريكي، وكان جوابه أنه لا يأخذ على الدعوة أجرًا.
وأصبح معروفًا على الصعيد العالمي، وقد جمع تلميذه وابن أخته الشيخ محمد الرابع الندوي الرسائل الموجهة إليه في كتاب سمّاه «رسائل الأعلام»، فكانت سبعين رسالة لخمسين من الكتاب والإعلام انتقاها الشيخ أبو الحسن الندوي من حوالي ثلاثمائة رسالة.
شهد له كبار الكتاب والأدباء من أمثال الأديبين السوريين محمد المجذوب وعلي الطنطاوي، رحمهما الله.. يقول الأول:
ومتتبع ما يكتب الشيخ الندوي يشعر بأن لعبارته الأدبية سحرًا لا يتوافر في العادة إلا في العلية من أصحاب المواهب الذين تعمقوا سر الكلمة وتفاعلوا به وكان لقلوبهم أكبر الأثر فيما يصوغونه، وتلك هي الخاصة الرئيسة التي يمتاز بها أولو الأذواق الروحية من المتخرجين في مدرسة القرآن.
ويقول الشيخ الطنطاوي منبهًا إلى طريقة التعليم التي اتخذها أسلوبًا في الدعوة «فيا أخي أبا الحسن أثبت أنت وجماعتك على ما أنتم عليه، فإني لا أعرف اليوم في أساليب الدعاة من هو أصح منكم أسلوبًا وإذا كان من بنى حصنًا أو قاد جيشًا عد من العظماء، فأبو الحسن بنى للإسلام في نفوس تلاميذه حصونًا أقوى وأمتن من حصون الحجر، بنى أمة من العلماء الصالحين والدعاة المخلصين»، ويبين مكانته في الدعوة الإسلامية فيقول: وعرفت رجالًا من أعيان الدعاة إلى الله، ومن أكابرهم كما عرفت أبا الحسن (٤) ويرى الشيخ الطنطاوي أن الندوي جمع العلم والأدب مع الحسب والنسب، تلك الغاية التي لا غاية بعدها.
سفينة الأدب
ولعل أبرز ما يميز الشيخ الندوي في مضمار الدعوة الإسلامية اتخاذه الأدب سفينة تمخر عباب محيط الدعوة الإسلامية وهي السفينة التي رفع شراعها معظم الدعاة إلى الإسلام في العصر الحديث أمثال الإمام الشهيد حسن البنا، والشهيد سيد قطب، والشيخ الغزالي وغيرهم، وإن الفكرة لا يمكن أن تقدم بمعزل عن الأدب، وإن الدعوة إلى الإسلام بين العرب أو غيرهم لا يمكن أن تكون بمعزل عن العربية، وعزل اللغة العربية عن الفكرة الإسلامية، عزل للروح عن الجسد، يقول الطنطاوي: «يا أخي الأستاذ أبا الحسن! لقد كدت أفقد ثقتي بالأدب حين لم أجد عند الأدباء هذه النغمة العلوية»، وحين كتب الشيخ القرضاوي عن فقه الدعوة عند العلامة أبي الحسن الندوي ذكر ست خصال جعلها من المواهب التي أعطيها ومن القدرات التي تميز بها، خصلتان هما: الملكة الأدبية والقلب الحي.
ثلاث نظريات في اللغة والأدب
وأستطيع أن أزعم أن الشيخ الندوي قدم نظريتين متكاملتين في اللغة والأدب، ثم أتبعها بثالثة تتعلق بتعليمهما، فقد استطاع أن يستنبط مبادئ عامة شاملة تبين حقيقة الأدب وأثره بوصفه ظاهرة عامة.
وبعد أن شاع لدى جمهور الباحثين أن النظريات كلها قد أنتجها فلاسفة الغرب، ونقاده فإن لنا أن نعتز بما قدمه الشيخ الندوي في هذين المضمارين بوصفه رائدًا من رواد الدعوة إلى الأدب الإسلامي، كشف لنا عن سر روعة اللغة العربية وبين حاجتنا إلى تأصيل اللغة العربية تأصيلًا إسلاميًّا.
وتحدث في شروط المفردات والمصطلحات، والأساليب والتراكيب، وعناصر تطور اللغة العربية وجعلها أربعة: الضرورة والعاطفة والاندفاع والنفع والفائدة، واهتم بأساليب تعليم اللغة العربية وطرق تدريسها، ورأى أن دور التعليم أخطر من القتل وأن إهماله أسهل طريق لقتل الأولاد والتعليم عنده غاية ووسيلة، ورفض الاتكال على النظريات التي ظهرت في الشرق والغرب والاستسلام لها، بل نأخذها على أنها تجارب بشر يخطئ ويصيب، كما حذرنا من الانسلاخ عن قيم الأمة، وأوجب اقتحام المعركة واستخدام الأدب سلاحًا، وأفاد من المناهج التربوية القائمة على التجريب وإخضاعها لظروف مختلفة ثم قياس النتائج.
وفي مجال الأدب حدد مفهوم الأدب الإسلامي، وأنكر وجود الحدود الجغرافية فيه، وقرر أن عناصر الأدب الإسلامي وأسسه أربعة هي: العقيدة، والعاطفة، والإخلاص، والصدق، وهذه الأسس ليست بمعزل عن الشروط الفنية.
وقد تكاملت نظرية الأدب عند الشيخ حين بين أهمية الأجناس المختلفة شعرًا، وأدب أطفال وأدب رحلات، وأدب سيرة، وأدب تقديمات، وتميزت نظرياته بأنها جاءت مشفوعة بالجانب التطبيقي فقد أسهم في الجانب الإبداعي في معظم الأجناس الأدبية المذكورة سابقًا، وفي مجال القصة شهد له سيد قطب فقال: «لكني أشهد في غير مجاملة أن عمل السيد أبي الحسن في هذه القصة التي بين يدي قصة موسى جاء أكمل من هذا كله (يعني قصصه الأخرى) بما احتوى من توجيهات دقيقة وإيضاحات كاشفة لمرمى القصة وحوادثها ومواقفها...» وأصبحت قصصه عنوانًا له يقول سيد قطب: «عرفت صاحب هذا الكتيب السيد أبو الحسن الندوي، عرفته في شخصه، وفي قلمه فعرفت فيه القلب المسلم، والعقل المسلم، وعرفت فيه الرجل الذي يعيش بالإسلام وللإسلام وعلى فقه جيد للإسلام.. هذه شهادة لله أؤديها».
وليس بوسعنا أن نكشف عن المجالات الأخرى لجهود الشيخ الندوي في ميدان اللغة والأدب -ونحن في عجالة- وقد فصلت الحديث فيها الرسالة الجامعية التي أشرنا إليها آنفًا. كان رحمه الله غزير النتاج وبلغت مؤلفاته كما أحصاها تلميذه محمد طارق الزبير نحوًا من ١٧٦ رسالة أو كتابًا، وكان مثجًّا في التأليف وبلغ عمره العلمي سبعين عامًا وهو ما لم يدركه إلا القلائل من العلماء، ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا للكشف عن جهود العلماء المتميزين أمثال الشيخ الندوي، والله ولي التوفيق.
الهوامش:
(1) صدر الكتاب في طبعته الأولى عن لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ١٩٥١م ثم تعاقبت طبعاته الأخرى.
(۲) نشرت الكلمة في مجلة الأدب الإسلامي العدد: ١٣، ص ٣١.
(۳) روي عن أبي علي الشلوبيني (ت ١٤٥هـ) وهو أحد علماء النحو، وإليه انتهت إمامة النحو بالأندلس، أقرأ نحو ستين سنة، ومع ذلك فإن كلامه كان مثار الضحك لشدة التحريف في لسانه، نفح الطيب ١/ ٢٢٢.
(٤) مجلة البحث الإسلامي، ع۱، مجلد ٤٢، رمضان ١٤١٧هـ، وأما الخصال الأربع الباقية فهي العقل والحكمة، والثقافة الواسعة، وخلق المسلم الملتزم، والعقيدة السليمة.
إصدارات مختارة
هناك هامش بين المسلمين على اختلاف توجههم يمكنهم الالتقاء فيه والتعاون من خلاله وهناك اختلافات بعضها مقبول لا يضر في عقيدة أحد إن رآها أو اعتقد بها.
وهناك حقائق كثيرة غائبة عن الشيعة وأهل السنة أيضًا، وهي موضوع هذا الكتاب الذي يتناول فيه بالحوار العلمي أمهات المسائل الخلافية بين الشيعة وأهل السنة، ويؤكد أن أعظم فتنة أصابت المسلمين هي تفرقهم إلى طوائف وانقسامهم إلى سنة وشيعة، وهذا الانقسام لم يكن الخلاف فيه حول الولاء للإمام علي أو آل البيت -رضي الله عنهم - فذلك من المسلمات عند كل مسلم ولم يكن بسبب اعتقاد الشيعة الجعفرية أن عليًّا أولى بالخلافة من غيره، فهذه عقيدة الشيعة الزيدية، ومع ذلك لم يترتب عليها شقاق بينهم وبين أهل السنة والجماعة.
إنما كانت الفرقة والانقسام بسبب ما يقال عن تحريف القرآن الكريم وعن العصمة التي تخول غير النبي صلاحية تخصيص عموم القرآن الكريم، وتقييد مطلقه أو نسخبعض أحكامه، كما تخولهم ردالأحاديث النبوية التي رواها الصحابة -رضي الله عنهم- وما يزيد الفرقة والخلاف اشتعالًا ما قيل إن أئمة الشيعة قد نزل الوحي بخلافتهم بعد النبي ﷺ وأن الصحابة قد خانوا العهد.
هذا ويؤكد المؤلف الفاضل في كتابه أن الشقاق والافتراق ليسا ميراثًا إلى يوم القيامة، كما أن التكفير من الجانبين لم يكن لدى السلف الصالح وليس غاية شرعية كما يشيع البعض.
الكتاب: الحقائق الغائبة بين الشيعة وأهل السنة
المؤلف: سالم البهنساوي
الناشر: الزهراء للإعلام العربي ص.ب ۱۰۲ مدينة نصر - تلفون ٢٦١١١٠٦ - فاكس ٢٦١٨٣٤٠ - جمهورية مصر العربية
الجذور
«الجذور» هو الحلقة الأولى في سلسلة «ديوان الرسائل» الذي يضم مجموعات من الرسائل التي تعالج قضية الشعر الإسلامي المعاصر تبادلها الشاعر حكمت صالح مع الدكتور عماد الدين خليل. وكان يحرص على الاحتفاظ بنسخة من كل رسالة يرسلها أو ترسل إليه حتى تراكمت عنده خلال ربع قرن أكداس من هذه الرسائل المتبادلة في شتى المواضيع الثقافية والأدبية، وأما تسمية الحلقة الأولى الجذور، بهذا الاسم فهي مشتقة من طبيعة الموضوعات التي عالجتها هذه الحلقة، ذلك أن قضايا الشعر الإسلامي المعاصر في بداية السبعينيات كانت أشبه بالغريبة بين مصطلحات النقد الأدبي في الساحة العربية آنذاك.
ثم إن مواكبة الدكتور عماد الدين خليل الإبداعات الشاعر بالنقد والتوجيه كان لها أثر بالغ في نضوج موهبته، وتطور إبداعه في شكل مادة خصبة لهذه السلسلة والتي قدر لها أن تكون بمثابة الإرهاصات لنشوء رابطة الأدب الإسلامي العالمية فيما بعد، فإن القارئ لإنتاج الدكتور عماد الدين خليل والعارف بطبيعة اهتماماته يقدر مثل هذا الإصدار حق قدره ولا سيما أنه شديد الخصوصية ولا يستهوي إلا المهتمين من عشاق الشعر الإسلامي المعاصر والأدبيات النقدية التي تكلل جبهته وتصوب مسيرته وتدفعه قدمًا إلى الأمام.
الكتاب: الجذور
إعداد: أنهار حکمت صالح
الناشر: الدفاع الثقافي - ص.ب ۳۲۱ – تازة الجديدة - الرمز البريدي ٣٥٠٠٠ - المغرب - هاتف: 93/40/67/05
كيف نؤدي حق أبنائنا؟
مجموعة من النصائح الذهبية يقدمها المؤلف للآباء والأمهات والمربين مساهمة منه في تربية الأولاد ورعايتهم وحمايتهم من المطبات والمنزلقات التي تعترضهم، حيث إن كثيرًا من الآباء لا يعلمون كثيرًا عن أسس التربية القويمة ولا يراعونها في علاقاتهم وفي سلوكهم مع أبنائهم، ثم يعزون فساد أولادهم وانحرافهم إلى الأسباب والعوامل الخارجية الضاغطة التي تخرج عن نطاق سيطرتهم، وهذا نوع من التهرب من المسؤولية الشرعية التي يحملونها.
صفحات الكتاب لا تزيد على إحدى وخمسين صفحة من القطع الصغير، ومع ذلك حوى خلاصة تربوية مهمة تشكل دليلًا هاديًا أمام الآباء والأمهات والمربين، إذ إن العبرة بحجم الفائدة لا بعدد الصفحات.
الكتاب: كيف نؤدي حق أبنائنا؟
المؤلف: د. عبد المجيد البيانوني
الناشر: دار نور المكتبات - جدة ص ب ٤٠٣٧٤
أنا وليلى «شعر»
الانتقال بالمتذوق للشعر من فضاء اللذة والانحدار، إلى فضاء المتعة والسمو هي مهمة الإبداع الذي لا تغيب عنه الرؤية الإسلامية.
«ليلى» هي تلك الزوجة المخلصة الوفية التي تمنح زوجها الاستقرار والتحرر وتسهم في الانطلاق إلى التعمير والبناء إنها الهدوء والتوازن.
إنها ليست تلك المرأة الفاتنة التي لا تمنح حبيبها سوى التيه والتشتت بل هي التي تمنحه القوة وتحقق العفة شتان بين من يعبر عن مشاعر مصونة مكرمة ومن يعبر عن مشاعر فاضحة تختزل المرأة في جسد ولذة، هذا الديوان تلتحم فيه المرأة بالقضية لا خيار بينهما؛ فالقضية هدف الوجود والمرأة جزء من الكيان؛ فحب الأولى من صميم الذات والكيان، وحب الثانية من مقتضيات الاستخلاف.
الكتاب: أنا وليلى «شعر»
المؤلف: حفيظ الدوسري
الناشر: الأحمدية للنشر- الدار البيضاء - انفا – المغرب- هاتف 86/16/31(01) -93/68/50-33/22/25.
تفصيل الكلام في أحكام الأسرى والمحبوسين والمفقودين في الإسلام
هذا الكتاب رسالة من صندوق التكافل إلى العالم أجمع وعلى الأخص العالم الإسلامي لمراعاة الجوانب الشرعية لقضية الأسرى والمحبوسين والمفقودين حتى لا يتشدق أحد بأن ما يقوم به من إجرام واعتقال وسبي وسلب إنما هو لحماية الدولة.
وقد احتوى هذا الكتاب شيئًا جديدًا على الساحة الإسلامية، كما أضاف إبداعًا إلى المكتبة الإسلامية، وكان شاملًا في طرحه لكل شاردة وواردة في مجال الأسرى والمحبوسين والمفقودين.
بلغت صفحات الكتاب 205 صفحات، وكانت أهم عناوين ما يلي: من يجوز أسرهم ومن لا يجوز معاملة الأسرى - تأمين الأسير - تترس الأعداء بأسرى المسلمين - أسرى الحرابة - موجبات الحبس بقصد العقوبة - الحبس بقصد الاستيثاق - أحكام المفقود - ميران الأسير - متى يبدأ اعتبار المفقود مفقودًا، وغيرها من العناوين المتخصصة في مجال الأسرى والمحبوسين والمفقودين في الإسلام.
الكتاب: تفصيل الكلام في أحكام الأسرى والمحبوسين والمفقودين في الإسلام
المؤلف: علي الشريجي
الناشر: صندوق التكافل لرعاية أسر الشهداء والأسرى - جمعية الإصلاح الاجتماعي- دولة الكويت ص ب ۱۸۹ حولي ۳۲۰۰۲ – الكويت- هاتف ٢٥٧٢٢٠٨ - فاكس: ٢٥٧٢٢٠٦
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل