العنوان أبناء الشيوعية يقتاتون الأفيون
الكاتب أحمد عبدالواحد
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1988
مشاهدات 115
نشر في العدد 869
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 07-يونيو-1988
سؤال يطرح نفسه
على تلاميذ الماركسية: أيهما هو الأفيون.. الدين أم الشيوعية؟
إننا نسمع كل
يوم جديدًا عن الأمراض الاجتماعية التي تنخر المجتمعات الرأسمالية الغربية التي لم
تظهر إلا بفعل الإغراق في المادية والتحلل من كل القيم، وإطلاق ما سموه زورًا
وبهتانًا "بالحريات"، فعششت الأوبئة في تلك المجتمعات، وفرَّخت ولم
تقتصر آثارها السيئة على تلك المجتمعات الرأسمالية الغربية، بل تعدتها إلى
مجتمعاتنا النامية التي تتحسس الطريق للخروج من تخلفها. وإذا كان كل هذا معروفًا
في المجتمعات الرأسمالية الرئيسية أي في أوروبا الغربية وأمريكا، فإننا حتى وقت
قريب لم نكن نعرف أن الأمراض الاجتماعية ذاتها تنخر كذلك المجتمعات الشيوعية، فقبل
أن يصعد غورباتشوف إلى سدة الحكم في روسيا، كان الروس يقولون عندما يُسألون عن
الجريمة في روسيا أنها من آثار الماضي، وعندما يُسألون عن المخدرات يقولون إنها
رذائل البرجوازية، ولكن ها هي صحافتهم اليوم وفي ظل ما يسمى بالانفتاح تُميط
اللثام عن التعفن الذي أصاب المجتمعات الشيوعية، والذي لا يضاهيه إلا تعفن
المجتمعات الرأسمالية. فالحشيش والأفيون يُنتج حتى في المزارع الحكومية ثم يُهرب
ويُستهلك بكميات مهولة، وله تجارة ومسالك توزيعه وممثلوه التجاريون، والجريمة لها
مافيا لا تقل قوة وسطوة عن مافيا صقلية الإيطالية أو شيكاغو الأمريكية، وعالم
الجريمة مرعب ومهول بسبب من تورط فيه من البوليس ومن علية القوم من أعضاء الحزب
الشيوعي.
لقد وصل الأمر
إلى حد لم يعد يجدي السكوت عنه أو التغطية عليه؛ ولذلك جعلت حكومة غورباتشوف من
أولويات مهامها القضاء على الفساد أو على الأقل الحد منه وتضييق رقعته.
حملات بوليسية
واكتشافات مذهلة
بعد أن استشرى
الإدمان على المخدرات في صفوف الشباب والكهول، أخذت الحكومة تشن حملات تفتيشية
رهيبة تجند لها وسائل ضخمة: طائرات عمودية وسيارات جيب وكلابًا بوليسية وأعدادًا
كبيرة من الميليشيا. ومما أوردته الصحف السوفياتية أن حاجزًا من سيارات الميليشيا
اعترضت في مدخل مدينة "باكو" شاحنة قادمة من المجمع الفلاحي "Gosagropom"
في تركمانستان، وكانت حمولة الشاحنة من الطماطم، ولكن تفتيشها أدى إلى الكشف عن
700 كيلوغرام من عجينة الأفيون و46 كيسًا من نفس المخدر جاهزة للاستعمال ورغم
التحقيق والتهديد والمحاكمة لم يعترف سائق الشاحنة بشيء ولم يُعط أي عنوان ولم
يُبح بأي اسم.
ومما أوردته
مجلة "إزفستيا" أنه تم اكتشاف 170 حقلًا غير شرعي خلال حملة دامت 24
ساعة فقط، وأنه في الستة أشهر الأولى من عام 1987 مقارنة بنفس الفترة من عام 1986
زاد استهلاك المخدرات في أوزبكستان بنسبة 62%، وفي كامل الاتحاد السوفياتي تُقدر
زيادة المتاجرين بالمخدرات بنسبة 42.9%، كما أن الجريمة المرتبطة بالمخدرات هي في
ازدياد بنسبة 11.1%. ولكن الصورة لا تكتمل إلا بذكر عناصر الفساد الأخرى، وأهمها
ترويج الصور والكتب الإباحية وعصابات ممتطي الدراجات النارية والمختلسين واللصوص
والقتلة المأجورين. ولكل هؤلاء رؤساء ومديرون من علية القوم تقول عنهم
"إزفستيا": إنهم يلبسون ملابس أنيقة ويمتلكون سيارات خاصة، وهم وإن
كانوا لا يضعون أقدامهم في حقول الحشيش أبدًا إلا أنهم الأخطر على الإطلاق، ومن
الصعب الوصول إليهم فعلى أبوابهم يسهر حراس أشداء، وفي خزائنهم تتكدس مئات الآلاف
من الروبلات، ويحملون على ضمائرهم مئات الجثث.
فهل نصدق بعد
هذه الاعترافات الصارخة أن المجتمع الشيوعي هو مجتمع لا طبقي؟ أم أن هؤلاء
"الكبار" الذين يديرون عصابات إجرام على مستوى جمهورية أو أكثر لا
يشكلون طبقة؟ وأية طبقة هي؟
ومما يلفت النظر
وصف جريدة البرافدا الواسعة الانتشار لجنازة أحد ألمع الوجوه في المافيا
السوفياتية في أشقباد "تركمانستان" والذي قيل إنه قُتل في حادث سيارة،
حيث ذكرت الصحيفة أن أكثر من 400 مجرم من مختلف المدن قدموا لحضور تلك الجنازة
المهيبة، وقد ارتدوا - حسب التقاليد المافيوزية - البدلات السوداء وخيم عليهم
الحزن.
ولا أدل على
انتشار الجريمة المنظمة وغير المنظمة في المجتمعات الشيوعية من تخصيص الجرائد
والمجلات ملحقات أسبوعية لها ولانحرافات الشباب عمومًا. ومما يُذكر في هذا الصدد
أنه يوجد بموسكو عصابات من الشباب الذين يمتطون الدراجات النارية على غرار ما هو
موجود في الغرب، يزرعون الرعب في المدينة واختصاصهم اغتصاب الفتيات. والأرقام
الرسمية التي تعلنها الصحافة الغورباتشوفية تثير الفزع، فمثلًا وقع في موسكو أكثر
من 700 اغتصاب خلال ستة أشهر فقط، وزادت السرقات الموصوفة والسرقات المسلحة بنسبة
32.6%. ويقول أحد الأطباء المنشقين - مكذبًا الإحصائيات الرسمية - إنه في مدينة
أوديسا وحدها وهي تُعد مليون ساكن وقعت 200 جريمة قتل خلال سنة 1980 "مما
يعني 20 جريمة قتل لكل 100000 ساكن". ولا شك أن الجرائم والسرقات ليست منفصلة
عن بقية الآفات الاجتماعية، وفي مقدمتها الإدمان على الكحول والمخدرات، وتقول
التقارير الصحفية السوفياتية إن الإدمان وراء نسبة كبيرة من الجرائم، فالمدمن
الشيوعي بحاجة إلى ألف روبل شهريًا وهو ما يعادل خمسة رواتب متوسطة، فمن أين يأتي
بهذا المبلغ؟
تحويل بعض
الأدوية إلى مخدرات لسد العجز
من خلال الفوضى
التي تعم المستشفيات والمصحات والمستوصفات السوفياتية تتسرب الحبوب والأقراص
والحقن لتتحول إلى مخدرات، وتسد العجز وتزدهر بها السوق السوداء. ولم لا، عندما
تُباع حقنة المورفين في هذه السوق بخمسين ضعف ثمنها الأصلي. قد يقول قائل أليس
هنالك مخاطرة وعقوبات ومحاكمات؟ والجواب بلى ولكنها ليست رادعة مع ذلك، فقد كُشف
للصحافة أن مسؤولًا في منطقة تولا سرق 2400 علبة أقراص مُركبة أساسًا من الكودايين
وهو مهدئ، وأن طبيبًا آخر يعمل في صيدلية في سيبيريا هرب 5000 حقنة مورفين و 360
علبة من المواد السامة المختلفة.
السلطات وعلماء
النفس يتساءلون ما العمل؟
إن قضية الإدمان
على المخدرات وانتشار الجريمة المرتبطة بها من أخطر القضايا التي تتدارسها السلطات
السوفياتية اليوم، وهي حائرة لا تعرف الطريقة المثلى لمواجهتها، وقد تطرق مؤتمر
الحزب الشيوعي السوفياتي الأخير إلى هذه القضية وبحثها بتعمق، وقرر إنشاء مجالس
قادة في كل الجمهوريات للمخدرات، ولكن الوزير "بوتابوف" يعترف بكل جرأة
أنه غير مرتاح للنتائج. إن الحقيقة لا يمكن إخفاؤها وإن كانت مزعجة سياسيًا
وأيديولوجيًا. لقد كتبت مجلة "عامل باكو" عن هذه الحقيقة المزعجة التي
كان من الصعب على الشيوعية الاعتراف بها: "لقد كنا نعيش سعداء معتقدين
اعتقادًا راسخًا أنه لا مكان لتجار الموت الأبيض فوق أرضنا، وليُسقط ضحايا هذه
الآفة الكبيرة ألا وهي الإدمان بالخارج، ولكن ها هو الواقع ماثل هنا: إن عدد
المصابين بيننا بهذا المرض الخبيث آخذ في الازدياد."
ويقول بعض
المحللين الغربيين إن الشيوعيين السوفيات عاجزون عن مواجهة هذه الآفة؛ لأنهم لا
يملكون الوسائل التقنية ولا يعرفون الطرق الحديثة والناجحة، وليست لهم خبرة في هذا
الميدان، وكأنهم يوحون بذلك إلى أن الاتحاد السوفياتي مضطر إلى اللجوء إلى
تقنياتهم وأساليبهم والاستفادة من خبراتهم، ولكننا نتساءل ماذا فعل الغرب بخبرته؟
وهل استطاع القضاء على المخدرات في صفوف شبابه؟ وهل استطاع أن يضع حدًا لتزايد
الجريمة المنظمة وغير المنظمة؟ وهل استطاع أن يوقف انتشار أخبث مرض أفرزته
المخدرات والجنس وهو مرض الإيدز القاتل؟ إن الأرقام تبين أن معدل الجريمة في باريس
ونيويورك ليس بعيدًا عن معدلها في موسكو، ففي نيويورك مثلًا يصل هذا المعدل إلى 18
جريمة قتل لكل 100 ألف ساكن. وحتى علماء النفس والأكاديميون الشيوعيون لا يذهبون
بعيدًا في البحث عن أسباب هذه الظاهرة. إنهم يطالبون بحرية أكبر للحديث عن هذه
الآفة، وهم يعتقدون أن الصمت والتكتم عليها ساهم في تفشيها، ولكن الذي لا يجرؤ أحد
على قوله في المجتمعات الشيوعية هو أن الشباب الذي يغرق في الخمر والكحول
والمخدرات والجريمة، إنما يفعل ذلك نتيجة الفراغ العقدي وموت الإحساس والضمير. إن
الشيوعية جعلت كل شخص كبرغي في آلة كبيرة، يتحرك روتينيًا إلى أن يفنى، إنه غريب
في مجتمعه لا يملك مصيره مثقل بماضيه والأفق مسدود أمامه في نفس الوقت، ومهما
ذكرنا من أسباب وعلل فإنه يبقى لنا في الوقائع التي أفرزتها الشيوعية أكبر عبرة،
فهل الدين أفيون الشعوب أم الشيوعية أفيون الشعوب؟