العنوان فلسطين المحتلة: أبعاد تصريحات كلينتون حول القدس
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1994
مشاهدات 76
نشر في العدد 1094
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 05-أبريل-1994
تصريحات الرئيس الأمريكي بيل كلينتون المؤيدة لوجهة النظر الإسرائيلية
من أن القدس هي العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل، والتي أطلقها قبل أيام، لم تكن
عارضة أو مفاجئة، وإنما جاءت منسجمة مع شعاراته التي طرحها أثناء الحملة
الانتخابية ومعبرة عن قناعاته من قضية الصراع العربي الإسرائيلي.
ومع أن بعض المسؤولين الأمريكيين حاولوا طمأنة العرب وتخفيف ردودهم -
التي جاءت على استحياء - من خلال زعمهم أن تصريحات كلينتون لا تعبر عن وجهة نظر
الإدارة الأمريكية وإنما تعبر عن آرائه الشخصية، فإن إدارة الرئيس كلينتون تبدو
مصرة على تنفيذ الوعود والالتزامات التي قدمتها لليهود لكسب أصواتهم الانتخابية،
والتي يأتي في مقدمتها تأكيد الموقف الإسرائيلي من القدس والعمل على نقل السفارة
الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
ولا شك أن الحكومة الإسرائيلية ستكون راضية عن تصريحات الرئيس
الأمريكي ومختلف مواقفه من الصراع العربي الإسرائيلي أثناء المدة التي انقضت من
فترته الرئاسية، وقد أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في خطابه أمام
اللجنة الأمريكية - الإسرائيلية «إيباك» في مؤتمرها الذي انعقد في واشنطن 21 آذار
من العام الماضي، عن ثقته بالرئيس كلينتون الذي وصفه بأنه متمسك بأمن وحماية وجود
إسرائيل في المنطقة.
إن الإسرائيليين يدركون بلا شك أهمية الدور الأمريكي بالنسبة لكيانهم
ودولتهم منذ نشأتها وحتى الآن، وهم ينظرون إلى ضرورة استمرار الدعم الأمريكي غير
المحدود وبمختلف أشكاله بدرجة كبيرة من الأهمية والخطورة، وقد أشار الإرهابي
الهالك مائير كاهانا مؤسس حركة كاهانا اليمينية المتطرفة إلى ذلك في كتابه المعروف
باسم «لن يحدث مطلقًا»؛ حيث قال: «إنه في اليوم الذي يصبح فيه الطرف الأمريكي
محايدًا تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي فهذه نهاية إسرائيل».
فاحتضان أمريكا لإسرائيل ودعمها غير المنقطع لها لم يتوقف منذ عهد
الرئيس الأمريكي ترومان الذي ضغطت إدارته من أجل دفع دول العالم للاعتراف بدولة
إسرائيل عام 1948م، وقد عبر الرئيس الأمريكي جون كيندي عن الالتزام الأمريكي
بإسرائيل في خطابه الانتخابي الذي ألقاه في نيويورك في 15/8/1960م. حيث قال:
«إن إسرائيل وجدت لتبقى، وهذا التزام لا يقبل النقاش والنقض، وإن
الصداقة بيننا وبين إسرائيل ستنمو وتزدهر. يجب أن نجعل هدفنا واضحًا لا التواء
فيه، وهو أننا سنعمل دائماً وبسرعة وتصميم على حماية إسرائيل بكل ما في يدنا من
قوة، ولو أدى ذلك إلى المغامرة بحرب عالمية ثالثة».
لقد حرصت جميع الإدارات الأمريكية المتعاقبة «على الرغم من اختلاف
توجهاتها وسياساتها» على تحقيق وضمان التفوق النوعي العسكري الإسرائيلي على جميع
جيرانها مجتمعين، ومن أجل ذلك فقد انهالت المساعدات العسكرية والاقتصادية
الأمريكية بكل أنواعها إلى الكيان الإسرائيلي، وبلغت بين عامي 1949-1991م ما يزيد
على 53 مليار دولار. وقد توج التعاون العسكري بين الطرفين بعقد معاهدة الدفاع
الاستراتيجي المشترك عام 1983م.
وقد أشارت اللجنة الأمريكية - الإسرائيلية للعلاقات «إيباك» والتي
تمثل الجسد المؤسسي للنفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة والجناح السياسي لمئات
المنظمات الصهيونية، في التقرير الصادر عن مؤتمرها الخامس والثلاثين، والذي انعقد
قبل أسابيع قليلة إلى تطور العلاقات خلال السنوات العشر التي أعقبت عقد معاهدة
الدفاع المشترك حيث جاء في التقرير:
«لقد تطورت روابط مشاريع الدفاع أكثر مما كان متوقعًا له. لقد شهدت
السنوات الأخيرة وضع الاتصالات الثابتة ضمن إطار مؤسساتي بين القوات المسلحة
التابعة للطرفين، وشهدت العلاقة بينهما خطوات مشتركة في مجال التكنولوجيا خاصة في
مجال مشروع صواريخ Arrow
وتزايدت نسبة منح البنتاجون لإسرائيل. تعتبر إسرائيل حليفًا أساسيًا لأمريكا بين
دول حلف شمال الأطلسي. إن قيمة إسرائيل الاستراتيجية تكمن في وضعها الثابت، في
مصداقيتها، في قوتها، وفي موقعها الاستراتيجي. إن إسرائيل هي الطرف الأكثر
اعتمادًا عليه لأمريكا في المنطقة لمواجهة الأنظمة الراديكالية التي تطمح للحصول
على إمكانيات تسلح نووية، وفي ظل الإدارة الأمريكية الجديدة؛ فإن منح أمريكا معدات
عسكرية ثقيلة لإسرائيل أعطى لقوات الدفاع الإسرائيلي إمكانات قيمة».
وقد أوضح تقرير الإيباك الأخير سياسة الولايات المتحدة في منطقة الشرق
الأوسط وقال إنها ترتكز على الأسس الخمسة التالية:
1.
المحافظة على
تفوق إسرائيل العسكري في مواجهة جيرانها الأعداء.
2.
الحيلولة دون
انتقال التكنولوجيا ذات الاستعمال المزدوج لصالح الدول المعادية لإسرائيل في
المنطقة.
3.
وقف انتشار
الأسلحة لدى القوات الراديكالية والأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط.
4.
التأكد من أن
التكنولوجيا الأمريكية المتطورة ليست قيد استعمال دول في حالة عداء مع إسرائيل.
5.
تشجيع الدول
العربية لتبرهن على موقف متعاون مع سياسة أمريكا وأهدافها الدبلوماسية في المنطقة.
كما أشار تقرير الإيباك إلى ضرورة تشجيع الولايات المتحدة على محاربة
الإرهاب الدولي، والعمل مع الإدارة الأمريكية والكونجرس على احتواء العنف والتطرف
المناوئ للغرب والذي يستغل مفهوم الدين الإسلامي، إن العمليات الإرهابية وعمليات
العنف كلها تهدد مشروع السلام؛ حيث يهدف المتطرفون إلى إزاحة قطار السلام
الإسرائيلي - الفلسطيني عن سكته ويستغل الإسلاميون المتطرفون مفهوم الدين الإسلامي
ويحاولون إسقاط الحكومات العربية ذات التوجه الغربي، ويهدفون إلى تدمير إسرائيل
الحليف الأقوى لأمريكا. إن بعض المنظمات الإسلامية المتطرفة «كمنظمة حماس على سبيل
المثال» تشوه اسم وقيم الإسلام، وتستغل مفهوم الحرية في أمريكا كما تنظم عمليات
إرهابية هنا وهناك. يجب على أمريكا أن تتابع تعاملها مع إسرائيل وبعض الحلفاء من
أجل احتواء التطرف الإسلامي المناهض للغرب.
وفي ضوء هذه العلاقات الحميمة بين الحليفين الاستراتيجيين (الأمريكي
والإسرائيلي) لا يعود استخدام الولايات المتحدة لحق النقض «الفيتو» خلال السنوات
الماضية ضد جميع قرارات مجلس الأمن التي تضمنت إدانة لإسرائيل بسبب جرائمها
وانتهاكاتها المتكررة للقرارات والقوانين الدولية، لا يعود أمرًا مستغربًا.
وعلى الرغم من إدراك قيادة منظمة التحرير والأطراف العربية الأخرى
لهذه الحقائق والمعطيات؛ فإنهم يصرون أمام كل جريمة إسرائيلية على اللجوء إلى
الولايات المتحدة ومجلس الأمن، مع علمهم المؤكد بأن هذه الأطراف لن تعيد حقاً.
ونحسب أن محاولات الأطراف العربية وعلى رأسها قيادة المنظمة لم تعد تنطلي على أحد
من الشعوب العربية التي باتت تدرك بأن الاجتماعات والشكاوى العربية الرسمية ليست
أكثر من محاولة للتخدير والتضليل.