العنوان أبعاد تجميد صفقة الطائرات ف ١٦ الأمريكية لباكستان
الكاتب رأفت يحيى العزب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1994
مشاهدات 48
نشر في العدد 1082
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 04-يناير-1994
إسلام آباد:
يعكس تجميد صفقة الطائرات الأمريكية (ف-١٦)
التي تعاقدت باكستان على شرائها منذ أربع سنوات أحد جوانب تأزم العلاقات
الباكستانية الأمريكية، والتي تعود إلى منتصف السبعينيات، وتحديدا عندما شرعت
إسلام آباد في بناء برنامجها النووي عقب إجراء الهند تفجيرا نوويا بالقرب من
الحدود الباكستانية عام ١٩٧٤م. فقد حذر هنري كيسنجر خلال زيارته لإسلام آباد ذو
الفقار علي بوتو رئيس وزراء باكستان في ذلك الوقت من المضي قدما في بناء برنامج
باكستان النووي، وإلا فإن الولايات المتحدة سوف تلقنه درسا ليكون عبرة لمن بعده،
غير أن بوتو لم يذعن للضغوط الأمريكية وواصل بناء البرنامج النووي؛ فحاولت إغراءه
بتزويد باكستان بـ١٠٠ طائرة مقاتلة من طراز (A7) لتعزيز قدراتها العسكرية التقليدية في مقابل تخليها عن البرنامج
النووي، إلا أنه مما يذكر لبوتو في ذلك الوقت -رغم كل ما عليه من تحفظات- أنه قال:
«إن باكستان سوف تأكل الحشائش لو اقتضى الأمر لبناء برنامجها النووي». وتساءل بوتو
قائلا: إن الشيوعية والصهيونية والهندوسية والصليبية تمتلك سلاحا نوويا، وإن
المسلمين هم القوة الوحيدة التي تفتقر إلى هذا السلاح.
وأيا ما كان الدافع الحقيقي الذي يقف وراء
سياسات بوتو في ذلك الوقت، فقد تمسك بموقفه من البرنامج النووي حتى كان انقلاب عام
١٩٧٧م الذي قام به الجنرال ضياء الحق في نفس العام الذي زار فيه كيسنجر إسلام
آباد. وعلى الرغم مما قيل وقتها من أن الانقلاب رتبت له الإدارة الأمريكية لوضع حد
لسياسة باكستان النووية، إلا أن شيئا لم يطرأ على السياسة الباكستانية النووية
وواصل ضياء الحق استكماله للبرنامج النووي الباكستاني.
وإزاء هذا الموقف المتعنت قررت الإدارة
الأمريكية في عهد جيمي كارتر وقف المساعدات الاقتصادية وبيع الأسلحة الأمريكية
لباكستان للتأثير على الموقف الباكستاني النووي.
غير أن هذا السلوك الأمريكي لم يدم طويلا؛
فإسلام آباد التي ظلت حليفا للولايات المتحدة في المنطقة عبر حلف بغداد أو الحلف
المركزي، واللذين تشكلا أساسا لتطويق واحتواء المد الشيوعي في الخمسينيات، قد برزت
أهميتها من جديد بعد أن غزا السوفييت أفغانستان في ديسمبر ١٩٧٩م وهددوا بالوصول
للمياه الدافئة، في وقت كانت واشنطن قد خسرت فيه حليفا هاما في المنطقة وهو شاه
إيران بعد وقوع الثورة الإيرانية. وعلى إثر ذلك، وخاصة بعد إعلان مبدأ كارتر الذي
أكد على حتمية مواجهة الخطر الشيوعي المتنامي، تقرر رفع الحظر الاقتصادي والعسكري
عن باكستان التي بدأت تستقبل وفودا أمريكية على أعلى المستويات للتنسيق المشترك
حول مواجهة الخطر الشيوعي القادم. ونجحت باكستان بالتعاون مع المجاهدين الأفغان في
بناء حائط صد للخطر العسكري السوفيتي الذي قدر له أن ينسحب من أفغانستان في عام
١٩٨٩م، ثم بأفول نجم الاتحاد السوفيتي بعد ذلك.
ومع هذا الواقع الجديد الذي تشكل في أعقاب
غياب الخطر الشيوعي في المنطقة، كان طبيعيا أن يحدث تحول في الموقف الأمريكي
باتجاه إسلام آباد التي فقدت أهميتها الإستراتيجية في أعين الإدارة الأمريكية مرة
أخرى. وإزاء ذلك لم تعد ترى مبررا لاستمرار ضخ المساعدات الاقتصادية والعسكرية
التي بلغت عدة مليارات من الدولارات خلال سنوات الحرب في أفغانستان. لقد عادت
الإدارة الأمريكية تولي السياسة النووية الباكستانية اهتماما خاصا بعد أن أغمضت
عينيها رغما عنها ١٠ سنوات نجحت باكستان خلالها في الانتقال ببرنامجها النووي
خطوات كبيرة للأمام مستثمرة حاجة الولايات المتحدة الماسة لباكستان في ذلك الوقت.
وقد تبلور الموقف الأمريكي الجديد بإزاء
باكستان في صياغة ما عرف بقانون أو تعديل برسلر، الذي نص على حرمان أي دولة من
المساعدات الاقتصادية والعسكرية إذا ثبت ما يفيد تطويرها لأسلحة نووية، وطبق هذا
القانون أول ما طبق على إسلام آباد التي كانت قد تعاقدت مع الولايات المتحدة في
عهد بي نظير بوتو عام ١٩٨٩م على شراء ٦٠ طائرة مقاتلة من طراز (ف-١٦). وقد ترتب
على قانون برسلر الجديد أن جمدت صفقة الطائرات الأمريكية لباكستان رغم دفع باكستان
أغلب الأقساط المستحقة عليها تحت ضغط مؤسسة لوكهيد الأمريكية -وهي المؤسسة المصنعة
للطائرة- على أمل أن تعيد واشنطن النظر في أمر الصفقة التي أبرمت قبل صدور قانون
برسلر، إلا أن الآمال الباكستانية قد تبخرت أمام زيارة لاري برسلر -عضو الكونجرس
الأمريكي- لإسلام آباد الأسبوع الماضي؛ حيث أكد أن تمرير الصفقة مرهون بتخلي
باكستان عن برنامجها النووي، وأن قانونه سيظل نافذا طالما بقيت باكستان على موقفها
النووي والمتمثل في عدم توقيع معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT).
أمام هذا الموقف الأمريكي الذي وصفته بعض
الدوائر في الإدارة الأمريكية بأنه غير متوازن وأنه سيسهم -على حد قول المتحدث
باسم الإدارة الأمريكية ماكوري- في دفع المنطقة نحو المزيد من عدم الاستقرار؛
فالهند منذ أجرت برنامجها النووي عام ١٩٧٤م وهي في سباق مع الزمن لتخصيب أكبر قدر
ممكن من اليورانيوم المستخدم في بناء القنابل النووية، وتؤكد العديد من التقارير
الغربية أن الهند أصبحت تمتلك أكثر من ٦٠ قنبلة نووية إلى الآن، وأنها تمتلك اثنين
من أهم الصواريخ التي تستطيع حمل رؤوس نووية لمدى ١١٠٠ كم و٣٠٠ كم و٢٥٠٠ كم،
والصاروخان المعروفان باسم «برزقي» و«أجني» على التوالي قد دخلا بالفعل الخدمة
العسكرية بعد التجارب التي جرت عليهما مؤخرا. وأن الهند أيضا لم تتضرر من سياسة
الولايات المتحدة إزاء وقف الانتشار النووي، فلم يؤثر قانون برسلر على سوق السلاح
الهندي الذي يعتمد في مصادره على الاتحاد السوفيتي سابقا وروسيا حاليا.
البحث عن سوق جديدة
مع إصرار واشنطن على ربط صفقة الطائرات
الأمريكية (ف-١٦) بالبرنامج النووي الباكستاني، لم يكن أمام باكستان سوى السعي
لاكتشاف أسواق جديدة لتعويض النقص في قدراتها الدفاعية، والذي ترتب على تجميد صفقة
(ف-١٦)؛ فطرحت قيادة القوات الجوية الباكستانية فكرة شراء الطائرة الفرنسية (ميراج
٢٠٠٠) أو الروسية (سوخوي ٢٧) أو (ميج ٢٩)، كما اتجهت باكستان إلى تطوير علاقتها
الدفاعية بالصين، وقد تبلور ذلك مؤخرا في سياسة التصنيع المشترك للدبابة (85 T) المعروفة باسم «الخالد» وطائرة التدريب «كراكورم». كما نجحت
باكستان في الحصول على صواريخ (M11)
الصينية التي يبلغ مداها ٥٠٠ كم وتستطيع حمل ما يقرب من ١٠٠٠ كجم من السلاح
النووي. كما اتجهت رئيسة الوزراء الباكستانية خلال زيارتها الأخيرة لإيران لتوقيع اتفاق
عسكري مع طهران إحياء لفكرة المحور (الباكستاني- الصيني- الإيراني) الذي ترمي
الدول الثلاث لصياغته بما يتواءم ومصالح كل دولة؛ فباكستان ترى في هذا المحور الذي
تلعب الدور الأكبر في تشكيله حزاما أمنيا يمنحها بعض القدرة على مواجهة الخطر
الهندي، في حين ترى الصين أن باكستان التي خاضت ثلاث حروب مع الهند سوف تعرقل من
الهيمنة الهندية في المنطقة بما يحفظ مصالح الصين المنافس القوي للهند في جنوب آسيا،
وتعتقد إيران أن مثل هذا المحور سوف يسهم في إخراجها من العزلة الدولية التي تعاني
منها.
ومن هنا فإن سياسة الحظر الأمريكي باتجاه
باكستان قد خلقت أجواء جديدة قد يترتب عليها بناء تحالفات أخرى في المنطقة، وهو
الأمر الذي يقلق المسؤولين الأمريكيين الذين يبدون تخوفا من المارد الصيني القادم،
خاصة بعد الطفرة الاقتصادية الكبيرة التي حققها في السنوات الأخيرة ودخول هونج
كونج تحت سيطرته عام ١٩٩٧م. هذا التطور قد يدفع الولايات المتحدة لإعادة النظر في
سياستها الراهنة تجاه باكستان التي ظلت منذ نشأتها حليفا استراتيجيا للولايات
المتحدة في المنطقة، وربما تكون الإشارات الأخيرة التي صدرت عن الإدارة الأمريكية
حول إمكانية إعادة النظر في سياسة المساعدات الاقتصادية والعسكرية للدول الأخرى
بما يتواءم والمصالح الأمريكية أحد دواعي الاهتمام الأمريكي نحو التطور الذي تشهده
المنطقة، والذي قد يسفر في الأخير عن الإفراج عن صفقة الطائرات (ف-١٦) لباكستان.
اعتذار عن خطأ غير مقصود
تعتذر مجلة «المجتمع» إلى قرائها الكرام عن الخطأ غير المقصود الذي ورد في الخريطة التي نشرت في صفحة ٤٤ من العدد الماضي؛ حيث وردت كلمة «إسرائيل» بالخطأ بدلا من «فلسطين المحتلة».