; أبعاد الصراع السياسي في المغرب فرنسا وراء الاتجاهين المتصارعين اليساري والليبرالي | مجلة المجتمع

العنوان أبعاد الصراع السياسي في المغرب فرنسا وراء الاتجاهين المتصارعين اليساري والليبرالي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1976

مشاهدات 1

نشر في العدد 308

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 13-يوليو-1976

أبعاد الصراع السياسي في المغرب

فرنسا وراء الاتجاهين المتصارعين اليساري والليبرالي

عُرف المغرب بلدًا متمسكًا بدينه، معتزًّا بإسلامه، حفيظًا على تقاليده وأعرافه الطيبة المستمدة من ماضيه الجهادي وعواطفه الإيمانية الصادقة، طموحًا إلى أن يحقق في عهد الاستقلال ما يصبو إليه من حياة رغيدة وعدالة اجتماعية ونظم إسلامية تكفل له الطمانينة والرخاء والأمن.

وقد كان الأمل معقودًا على الإعلان الذي أصدره ملك المغرب بمناسبة عيد ميلاده (9-7-1972) والذي تعهد فيه بأن تكون السنة الموالية سنة للبعث الإسلامي. فاستبشر الناس خيرًا، وانتظر الجميع تحقيق آمال الأمة في نظم إسلامية ومناهج تعليمية ربانية، وتشجيع الدعاة إلى الله في عملهم لنشر العقيدة الإسلامية ومحاصرة المد الإلحادي المتعاظم، ومجابهة التفسخ والانحلال بين شباب الأمة، على الرغم من التفسيرات السياسية الصادرة من جهات مختلفة متشائمة ومتوجسة أو منتبهة أو موغلة في التحليل الاستنباطي، ممن عللوا إعلان البعث الإسلامي بأنه مجرد رد فعل من نفوس لمست عواقب الانحراف والتمرد على التعاليم الإسلامية أو ممن فسروه بأنه محاولة للتقرب إلى جماهير الشعب المغربي المعتز بعقيدته وتراثه.

ولقد تأكدت بعد أربع سنوات مرت على هذا الإعلان حقيقة أساسية هي أنه مهما صلحت النوايا وسلمت الاتجاهات فإن النجاح في تحقيق الأهداف رهن بتوفر عناصر التنفيذ من ذوي الكفاية والإيمان والإخلاص.

وأول دليل على عدم توفر هذا الشرط هو الاحتفالات التي أقامها عامل مدينة الدار البيضاء يوم إعلان البعث الإسلامي، حيث استدعى فرق «الباليه» من مدينة «نيس» واستعرضهن عاريات راقصات في الشوارع العامة.

والدليل الثاني هو أن حصيلة (البعث الإسلامي) لم تتجاوز ترميم بعض الزوايا الصوفية وتبييض بعض المساجد، ومعادلة غير موفقة لتوحيد خطب الجمعة، ومهرجانًا واحدًا حُشر إليه المؤذنون والأئمة والوعاظ، وانتهى بقنبلة الشيوعيين في مركز المهرجان، وبإقالة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الذي دعا اليه. ثم توج بالترخيص للشيوعيين بالنشاط الرسمي وإصدار الصحف وفتح النوادي وإشراكهم في الحكم بصفة شخصية وزراء وكتاب دولة وممثلين شخصيين للملك وعمداء جامعات.

فكيف كان هذا التحول الغريب؟ وكيف انتهى البعث الإسلامي إلى شكليات ومظاهر وخطب ومهرجانات استعراضية ثم إلى تمكين للشيوعية والإلحاد؟

لا بد لفهم هذا التحول المفاجئ من معرفة الظروف والملابسات والخلفيات التي سبقت هذه الفترة، كما لا بد من الرجوع إلى محاولتي الانقلاب العسكري (الصخيرات والبوينغ) ففيهما بعض التفسيرات لهذه الظاهرة.

ورغم ما كاد ينعقد عليه الإجماع من أن للمحاولتين خلفية من استخبارات أمريكية، فإن إشارات كثيرة سبقت الحادثتين وتلتهما تكشف عن أصابع فرنسية لبقة وماهرة؛ فهل لفرنسا يد في الأمر؟ وهل تحريكها للعسكريين من أجل حماية نفوذها أم بالوكالة عن المصالح الأمريكية؟

قبل تفصيل الجواب لا بد أن نشير إلى نوعية الروابط القائمة بين الأمة الفرنسية بثقافتها واتجاهاتها السياسية والفكرية والسلوكية، وبين مختلف القوى السياسية المتصارعة في المغرب والمتمثلة في :

1-   الاتجاه الليبرالي المتمكن من دفة الحكم المسيطر على مقدرات البلاد الثقافية والمالية، المؤمن بأن الثقافة الفرنسية والقيم الديمقراطية ومبادئ الثورة الفرنسية هي قمة الحضارة وأصلها، وقد أعلن عن هذا الاتجاه رئيس الحكومة السابق الدكتور العراقي، ويساعده جهاز عسكري من قدماء ضباط الجيش الفرنسي على رأسهم الجنرال أوفقير ضابط الاستخبارات الفرنسية السابق.

2-   الاتجاه اليساري ذي المحاولات المستميتة للسيطرة على الحكم، وتاريخ نشأة هذا الاتجاه يكشف ارتباطاته وأصوله الفرنسية، فقد أسست أولى الخلايا الماركسية بالدار البيضاء سنة 1936 على يد مجموعة من اليهود الفرنسيين الوافدين مع الحملة الاستعمارية (ميتر سلطان- مازيلا- ليفي) وعندما حوصرت هذه الحركة بالتيار الإسلامي الوطني المطالب بالاستقلال وكشفت انتماءات قياداته الصهيونية والاستعمارية، اضطر الشيوعيون إلى اتخاذ واجهة جديدة فنصّبوا على رأسهم شخصًا من جنسية فرنسية وأسرة جزائرية هو المدعو (علي يعتا).

أما الفريق الثاني من اليسار بالمغرب فهو ما يسمى بالاتحاد الاشتراكي وجل قياداته الحالية من تلامذة البعثة الفرنسية ومدارس التبشير وأبناء الأعيان الذين ربتهم الحماية الفرنسية ليكونوا واجهة مغربية لتطويع الشعب المغربي وترويضه. وارتباطات هذا الفريق وولاءاته لليسار الفرنسي من الوضوح بحيث لا يخفيها ولا يخجل منها، وقد صرح أخيرًا بو عبيد (الزعيم- الواجهة) لمجلة الحوادث اللبنانية الصادرة بتاريخ 29-3-1976 بأن حزبه (مزيج من الحزب الاشتراكي الموحد والحزب الاشتراكي الفرنسي).

كما أنه كان سباقًا إلى التخلي عن شعار ديكتاتورية البروليتاريا بمجرد ما تخلى عنها أسياده من الشيوعيين الفرنسيين، واستعاض عنها مثلهم بشعار الزحف الديمقراطي إلى الحكم.

وهكذا يتضح أن كل القوى السياسية المتصارعة من أجل السلطة بالمغرب لها ارتباطات وولاءات فرنسية، ولا نستثني من هذا الحكم المحاولتين العسكريتين الفاشلتين اللتين تقدمتهما وتلتهما تحركات مريبة للسفارة الفرنسية وبعض المستشارين الفرنسيين في مدرسة [اهر مومو] العسكرية، وما تهدد المصالح الفرنسية في سنوات 65- 1970 بسبب ضعف الجهاز الحاكم المكلف برعايتها وتقلص نفوذ الثقافة الفرنسية بتعريب بعض الفصول التحضيرية في المدارس الابتدائية وإقرار تدريس الإنجليزية بالثانوي والتخطيط لإقامة جامعة أمريكية بطنجة وازدياد أهمية القواعد الأمريكية العسكرية في كل من القنيطرة ومنطقة الغرب؛ مما أدى إلى شبه صراع خفي بين النفوذين الفرنسي والأمريكي اتخذ شكله العلني بمحاولتين فرنسيتين متوترتين لإعادة المغرب إلى الحظيرة.

لذلك كان حتمًا أن يؤكد الاتجاه الليبرالي مقدرته وكفايته لحماية المصالح الفرنسية، فاضطر لمحالفة التيار اليساري الذي يحاول استعادة مواقعه المنهارة أمام التيار الإسلامي الناشئ الذي يهدد كلاً من التقاليد اللبرالية والقيم الاشتراكية لدى الأمة الفرنسية.

ولم يكن هدف الاتجاه الليبرالي المغربي من هذا التحالف أن يمكن لليساريين فهو يعرف نواياهم وأهدافهم الحقيقية، ولطالما أعلنوا أن النظام الحالي (مجرد دولة وهمية.. وأنه نظام استعماري ولذلك لا بد أن يصنع عناصر تخريبه بنفسه) (جريدة المحرر- سلسلة مقالات حقائق أكدها المؤتمر. عدد 11– 1-1970 وما بعده).

وإن الملك الراحل محمد الخامس لم يخلع عن عرشه لأسباب وطنية وإنما لأنه أراد أن يتصرف بوصفه يمثل دولة فعلية، فتصادمت مصالحه مع مصالح الحماية الفرنسية (نفس المرجع السابق)، وإن النظام الحالي مجرد دولة شكلية اختلقتها القوى الاستعمارية بعد أن أصبح الاستعمار الكلاسيكي غير مقبول (إن نظام الهيمنة والاستعمار هو الآن في طريق الزوال، والقوى الاستعمارية نفسها تقبل مبدأ تقرير المصير للشعوب، ولكنها تستخدمه لخلق دولة شكلية كوسيلة لاستغلال ثرواتنا الطبيعية) المحرر 20-4- 76 كما أنهم لم يفتأوا -قبل هذا التحالف وبعده- يعدون أنفسهم للسلطة جاعلين نصب أعينهم (الدور القيادي للحزب في الكفاح من أجل قيام مجتمع اشتراكي) وحريصين على ألا (تعطى فرصة الاستقرار أو النمو لنظام مبني على الرأسمالية والاستعمار الجديد) (بوعبيد المحرر 11-1-1975) كل هذا يعرفه قادة التيار الليبرالي، وقد خبروا أكثر منه تحركات مسلحة مدنية وعسكرية لم يكن للأجهزة الرسمية أي مساهمة في كشفها وإحباطها. ولكنهم تجرأوا على هذا الحلف المرحلي من أجل تحقيق عدة أهداف، وفي يقينهم أنهم يستطيعون ضرب اليسار حالما يستنفذون أغراضهم منه، ومن هذه الأغراض:

1-   التقرب إلى النظام الفرنسي بإظهار المغرب نموذجًا للتقاليــــــــــــد الفرنسية الديمقراطية الليبرالية وإلى اليسار الفرنسي الذي يعتبر الاشتراكيين المغاربة ظلاله من أجل الحصول على التأييد الكافي في قضية الصحراء.

2-   التقرب إلى دول المعسكر الشيوعي ذي الارتباطات الوثيقة بحكومة الجزائر وبوليزاريو. ..

3-   امتطاء موجة الكراهية والحقد التي تجتاح المعسكرين الرأسمالي والشيوعي وأذنابهما نحو براعـــــــــم الدعوة الإسلامية الناشئة.

أما الاشتراكيون فهم يعرفون سلفًا أن التيار الليبرالي لا يتورع عن ضربهم بمجرد تحقيق أهدافه، ولكنهم أقدموا على هذا التحالف المرحلي معه لاعتبارات عديدة منها :

- اقتناعهم بأن بعدهم من السلطة وانشغالهم بالمعارضة الإعلامية المتطرفة والفشل المتوالي لمحاولاتهم الانقلابية قد أبعدهم عن الشعب وفسح المجال لعودته إلى عقيدته.

- حاجتهم إلى هدنة كافية يعيدون فيها تنظيم صفوفهم، ويتسللون أثناءها إلى المؤسسات الإدارية والثقافية والتربوية والسلطوية.

- حاجتهم إلى نظام نيابي ديمقراطي يتيح لهم استغلال أجهزة الإعلام والتمتع بالحصانة وتمييع الدولة بنظام اللامركزية في مواجهة حزب يحاولون أن يجعلوه مركزي التنظيم فاشستي الأساليب (التقرير التنظيمي لمؤتمر 1975). ولتحقيق هذه الأهداف رفعوا شعارات (المطالبة بالديمقراطية للقوى التقديمية والوطنية) التي (هي بالحتم نضال التحرر الاقتصادي والاجتماعي نضال من أجل الاشتراكية) (المحرر 20-4-1976 وشعار لامركزية الإدارة) باعتبار أن (اللامركزية والديمقراطية وسيلتان لبناء الاشتراكية)، وهما في نفس الوقت من عوامل التخريب الذاتي التي لا بد أن يضعها النظام لنفسة بنفسه (حقائق أكدها المؤتمر- المحرر- يناير 1975) والتي تجعل من الدولة جسمًا رخوًا (لامركزيًّا وديمقراطيًّا) يسهل ضربه في الوقت المناسب.

وفوق هذا، فإن تحالفهم مع الجهاز الليبرالي الحاكم، ومطالبتهم بالديمقراطية اتخذت مظلة لخطة انقلابية ذات ثلاثة أبعاد :

أولاً: بعد انقلابي تآمري مدعم من الخارج وله امتدادات في أجهزة القضاء والداخلية والأمن والجيش، من صغار خريجي الجامعات الذين اضطرت الدولة لتوظيفهم في عملية مغربة هذه القطاعات وتنميتها.

ثانيًا: بعد تربوي ثقافي عقائدي يمهد طريقهم إلى الحكم ويركز نفوذهم إذا ما استلموه، وذلك بالقضاء على الحواجز الرئيسية التي تقف في وجه الماركسية، وهي اللغة العربية والدين والتراث الإسلامي مع تقديم بدائل عقدية وأساليب عمل تنظيمية وجماهيرية يمكن تلخيصها فيما يلي :

1-   تشويه العقيدة الإسلامية وتقديمها لجمهور المثقفين في صورة منقصة أو وسمة عار وتخلف لا تناسب الحياة التقدمية والطموح إلى مواكبة التطور العلمي المستجد، دون أن يغفلوا محاولة تخدير الإسلاميــــــن بعبارات طيبة في حق العقيدة الإسلامية التي ساهمت في مقاومة الاستعمار، ولكنها لم تعد صالحة لما بعده!- (لقد لعب التيار السلفي بمضامينه الفكرية والدينية دورًا تاريخيًّا ما تزال آثاره وانعكاساته بارزة في معالم ثقافتنا الراهنة، فقد مكن البرجوازية الوطنية من سلاح أيديولوجي ساعدها على الصمود في وجه التيار الاستعماري؛ إذ استطاعت أن تعبئ عواطف الجمهور ضد تيار الثقافة الغربي، واستطاعت عن طريق إنشاء المدارس الوطنية العربية أن تكون جيلاً من الشباب المشبع بغيرة وحماسة وطنية) (حقائق أكدها المؤتمر، يناير 1975)– (إن مجابهة الحركة الوطنية لهذه السياسة كانت منطلقة من مفاهيم السلفية. إنها الثقافة المبنية على المجردات الثقافية المعزولة عن الواقع الملموس.. وهذه الوطنية المعتمدة على تمجيد الماضي هي التي جعلت بلادنا تعيش في جو الخلط) (وعندما نريد إنهاء الاستلاب الجماعي لكياننا كأمة وكحضارة فذلك لا يعني الرجوع إلى ماض ميت)- (وألححنا على أن مفاهيم الإصلاحية السلفية جزء لا يتجزأ من فكر ومطامح البرجوازية المغربية) (نفس المرجع السابق)..

2-   شجب المطالبة بالتعريب، وقمع كل مبادرة للتعلق باللغة العربية، وزرع بذور اليأس في نفوس المتشبثين بها، بدعوى (أن غيرنا من الدول التي نجحت في ميدان التعريب مثل سوريا، قد بذلت جهودًا استغرقت أكثر من خمسين سنة) وأن المطالبة بالتعريب موقف غير عملي نابع من عاطفة التعلق بالتراث والتزمت والانغلاق عن العصر، وأن هناك معركة أهم وأجدى من معركة التعريب هي معركة الخبز :

-(السبب في هذه النظرة إلى التعريب هو التعلق بالتراث كما كان في وقت التوغل الاستعماري، أي في وقت الانحطاط والجمود، أن السبب هو الاستمرار في مفاهيم الاصلاحات السلفية التي لعبت دورًا إيجابيًّا وحاسمًا ضد الاستعمار، ولكنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أيديولوجية شاملة ومتناقضة أثبتت التجارب صبغتها التضليلية) (حقائق أكدها المؤتمر- المحرر– يناير 1975).

3-   المشاغبة على البرامج الحالية لتدريس اللغة العربية بالدعاية لتدريس اللهجات المحلية والتراث البربري، وضرورة استحداث لغة وطنية بديلة تستخدم في المدرسة والمصنع والكتب والشارع لأن اللغة العربية ظلت طيلة التاريخ (علمًا معزولاً) عن الحياة :

-(إنه لا تحرير شامل دون لغة وطنية للتفكير والعمل.. إنه من الهزيل أن نتكلم عن تصفية اللغة! الدارجة أو اللهجات المحلية بجرة قلم.. إن هناك تجزئة بين التفكير والحياة اليومية متجلية في وجود لغة فصحى ولغة! دارجة، وهذه التجزئة حقيقة موضوعية وتاريخية راجعة إلى الركود الثقافي طيلة قرون وإلى أن اللغة الفصحى بقيت علمًا معزولاً في الحياة) (المرجع السابق).

4-   المطالبة بفرنسة الشعب بالرجوع فيما تم من تعريب الفصول التحضيرية بالتعليم الابتدائي وتكوين الأساتذة باللغة الفرنسية، واعتبار الفرنسية لغة أولى؛ لأن (العربية) تلقن الأيديولوجية الرجعية (الإسلام) وتمجد الماضي الميت والتاريخ (الإسلامي)..!

وما دام (هذا الاتجاه المتناقض يعني الوطنية الإسلامية العربية) ذهب بأصحابه إلى حذف تعليم اللغة الفرنسية من السنتين الأوليين في الطور الابتدائي.. فإن أول اختيار يفرضه التحرير الثقافي الصحيح في المدى البعيد هو أن الازدواجية اللغوية ما دامت مقبولة (!؟) فمن اللازم تطبيقها منذ أول سنة من الطور الابتدائي الشيء الذي لا يعتبر تعلقًا باللغة الأجنبية وإنما هو خضوع لضرورة من ضرورات التحرير..؟! (المرجع السابق نفسه).

5-   المطالبة بفرض رقابة على تدريس القرآن والتربية الدينية بواسطة لجان شيوعية تحذف منها ما لا يناسب التربية الإلحادية :(ينبغي اعتبار التربية الدينية والتربية الوطنية أول ميدان يجب أن تدخل عليه تغييرات جذرية الشيء الذي يقتضي أولا وقبل كل شيء وضع مشكلة إدماج هذا الميدان في اختصاص المشرفين على برمجة التعليم وإزالة فكرة احتكار المواد الدينية من طرف فئة شملت رواسب الجمود والانحطاط) (نفس المرجع السابق).

6-   المطالبة بأن تمتد التربية الإلحادية والثقافية الشيوعية إلى فصول رياض الأطفال -بعد أن تركزت ونمت في مراحل التعليم العليا (المتوسط والثانوي والجامعي)- وإلى عموم المواطنين شبابا وكهولا وشيوخا: (في ذهن المواطن العادي بصفة عامة، وبالنسبة للشباب في الجامعات والشيخ أو الكهل في الدروس الليلية. فطفل خمس سنوات يتجه نحو العدل بطبيعته؛ إذ إنه لا يقبل الظلم، لذلك يجب تشجيع هذا الاندفاع الفطري التلقائي البشري نحو الفكر الملموس ليتبلور هذا الاندفاع البشري نحو فكر غير مجرد ويبتعد عن الخرافة.. وحتى إذا نظمنا له وسائل التسلية فعلينا أن ندرج ذلك فـــي شكل الصراع دائماً بين القوي والضعيف ونبث فيه ما يسمى بالفكر الاشتراكي بالمساهمة الذاتية والتي هي فكرة عميقة جدًّا، تقلب جميع المفاهيم البرجوازية)– (والهدف من ذلك هو تغيير الإنسان وبطبيعة الحال فتغيير الإنسان عمل دائم، عمل لم ينته بعد لا في الاتحاد السوفياتي ولا في أي بلد اشتراكي آخر لأن التكوين البرجوازي وتكثير الكنائس (ويشير بالكنائس إلى المساجد في المجتمع الإسلامي) يمثل تكوينًا أيديولوجيًّا تنامى خلال مئات القرون)- (سلسلة مقالات حقائق أكدها المؤتمر- المحرر يناير 1975).

7-   العمل على تفكيك الأسرة المغربية وتهديم بنيانها، وقطع جميع العلاقات الإنسانية (أبوة، أمومة، أخوة، ضهر، نسب) بين أعضائها، لتحل محلها علاقات مادية وحيوانية نفعية. وذلك بواسطة المطالبة بمنع الأبوين من القيام بواجبهما في تربية أولادهما، عن طريق انتزاع الأطفال وإلحاقهم (بمراكز حراسة حكومية لهم... وهو تحرير مزدوج للأب والأم- كذا...).

والمناداة بإلغاء الشريعة الإسلامية من قوانين الأحوال الشخصية بحظر الطلاق وتعدد الزوجات وإلغاء إلزام الزوجة بطاعة زوجها أو معاملة أهله بالمعروف، وإلغاء ركني الزواج الأساسيين الصداق والولي، والنفقة الواجبة على الزوج أثناء انعقاد الزوجية وفي فترة العدة؛ لأن النفقة رمز لتفوق الزوج على زوجته... مما يتنافى والروح التقدمية الاشتراكية (توصية مؤتمر الاتحاد الاشتراكي الخاصة بالمرأة) (المحرر يناير 1975).

ثالثًا: بعد سياسي يعتمد التحالفات المرحلية، داخليًّا وخارجيًّا ويتوسل بالديماغوجية الإعلامية والتطبيقات التاكتيكية اليومية والموسمية من أجل تكوين روافع بشرية تنظيمية داخل المجتمع المغربي تحركه وتعبئه عند الحاجة وقد اتخذوا لهذا الاتجاه مظلتين :

الأولى: مظلة داخلية، استغلت لها قضية الصحراء، ولوّحوا للدولة بتأييدها في معركة التحرير فأطلقت سراح معتقليهم، وسمحت لهم بالنشاط الرسمي للاستعانة بهم في تعبئة الجمهور والتقرب إلى المعسكر الاشتراكي الذي يعطف على حكومة الجزائر وبوليزاريو، عله يؤيد المغرب مقابل تشجيع الحركات الماركسية وتأمين نشاطها. ولكن المسؤولين المغاربة في هذه الصفقة بالذات -كانوا (كالتاجر الذي سلّم البضاعة وفر الزبون بالثمن). فما أن سمح لليساريين بالنشاط الحزبي حتى أعلنوا أنهم لن يشتركوا في المسيرة الخضراء إلا إذا سُلحوا ضمن تنظيم شعبي يخوض حرب التحرير.

ولم تكن حكومة المغرب لتستجيب لمطالبهم هذه، ولا شك أنها عرفت نواياهم، ولكنها كانت محرجة فأي حركة منها لتوقيفهم عند حدهم سيقابلها مباشرة رد فعل قوي من قبل المعسكر الاشتراكي واليسار الفرنسي لتأييد الجزائر وبوليزاريو.

والملاحظ لتصرفات حكومة المغرب خلال سنتي 74-1975 يرى أنها حائرة، لا تدري كيف توفق بين أهمية استرجاع الصحراء المغتصبة، وضرورة حماية نظام الدولة من خطر المد اليساري الداخلي المتعاظم.

الثانية: مظلة خارجية، بالتحالف مع اليسار الفرنسي والالتقاء بمصالح الاتجاه الليبرالي الفرنسي وللحصول على تأييد اليسار الفرنسي والحكومة الفرنسية ذات الأغلبية الهشة، والخاضعة لنفوذ اليسار من جهة ولعقدة صاحب الحق في الإشراف على المغرب من جهة أخرى، رفع الاشتراكيون المغاربة شعارات ومطالب تعتبر قاسمًا مشتركًا بينهم وبين مصالح الاتجاهين الفرنسيـــــــــــن (اليساري والليبرالي) ونبين فيما يلي الأصول الفرنسية لهذه المطالب والشعارات :

۱- (مطلب اتخاذ لغة وطنية بديلة عن اللغة العربية): هو نفس المشروع الفرنسي في عهد الحماية بالمغرب، وقد نص على أن تتخذ اللهجة الدارجة قواعد نحو وصرف وإملاء، وشرع فعلاً في تدريسها بالمناطق غير البربرية، كما اتخذت لها شهادات ابتدائية وثانوية، وجعلت مادة أساسية في الامتحانات والمباريات العليا، ورتب على النجاح فيها ترقيات ومناصب.

۲- (مطلب العناية باللهجات البربرية الثلاثة وتدريسها): هو نفس مشروع الحماية الفرنسية الذي طبقته في المناطق البربرية؛ إذ وضعت لهذه اللهجات (تامازيغت تاشلحيت- تاريفيت) قواعد نحو وصرف وكتابة ولغة، وحروفًا لاتينية على غرار ما هو مطبق الآن في الصومال الماركسي، واتخذت لها كذلك شهادات ودبلومات وترقيات ووظائف.

3-(مطلب الرجوع في تعريب التعليم، وتدريس اللغة الفرنسية في فصول رياض الأطفال والأقسام التحضيرية) هو نفس ما كان مطبقًا في عهد الحماية الفرنسية حرفيًّا، كما أنه نفس مطلب البعثة الثقافية الفرنسية بالمغرب، والاتجاه الليبرالي بين مسؤولي المغرب ومتنفذيه- حاليا.

4-) مطلب إحداث كرسي في الجامعة لتدريس التراث البربري) هو نفس مشروع الحماية الفرنسية لفصل البربر عن العرب، وقد أحدثت في عهدها مراكز للبحث عن التراث البربري والعادات القديمة والتقاليد الميتة لإحيائها وتدريب القبائل وتشجيعهم عليها. ولعل مركز (تيومليلين) للدراسات البربرية والتبشير، خير مثال على هذه المراكز التي تخرج منها كثير من قادة الاتحاد الاشتراكي.

5-(مطلب إلغاء الشريعة الإسلامية من قانون الأحوال الشخصية) وقد كان محور مؤتمر الاشتراكيين سنة 1975، ويعتبر هذا المطلب مجرد صياغة حديثة لمشروع الظهير الذي أقرته الحماية الفرنسية بالمغرب، والذي أسست بمقتضاه محاكم عرفية، وضعت لها قوانين مستمدة من الأعراف القبلية القديمة والتقاليد التي كانت سائدة فيما قبل الإسلام، ثم أصدرت قوانين تجبر المواطنين على التقاضي والتعاقد لديها في جميع مجالات الأحوال الشخصية والقضايا المدنية.

من خلال هذه القواسم المشتركة بين اليسار المغربي والاستعمار الفرنسي (يمينه ويساره) يعمل الشيوعيون وأعداء الأمة في المغرب المسلم، ومن خلالها حققوا كثيرًا من المكاسب كان آخرها نجاحهم في توجيه البوليس المغربي إلى ضرب الحركة الإسلامية الناشئة.

وقد وجد الطرفان (اليسار المغربي والاستعمار الفرنسي) في بعض الأحداث المصطنعة أداة لتنفيذ خطتهم باعتقال كثير من الدعاة الإسلاميين وتعذيبهم وتشريدهم على مرأى ومسمع من الحكومة المغربية (التي سلمت البضاعة وفر الزبون بالثمن)، والتي تعرف أن جمعية الشبيبة الإسلامية المضطهدة لا يمكن أن تقوم بأي عمل بالعنف أو التهور نظرًا لطبيعة أهدافها وسلمية وسائلها. وإن اليسار المغربي بضربه للدعوة الإسلامية لا يقوم إلا بالتمهيد لضرب نظام الدولة.

وقد عمل -لهذه الغاية– على توجيه الاتهام بمحورين: محور داخلي للإيقاع بالدعوة الإسلامية، ومحور خارجي يتهم الدولة المغربية.

وتبنت كلا المحورين وكالة الأنباء الفرنسية والصحافة اليسارية اللتان نشرتا قرارين متناقضين في شكلهما، متكاملين في جوهرهما. واليساريون –بهذا- يزحفون إلى هدفهم الحقيقي بتجنيد كل الأحداث السياسية والتطورات الاجتماعية وتوظيفها للوصول إلى الحكم. وإذا ما وافقت حكومة المغرب على اتهام الدعوة الإسلامية، ونابت عن اليساريين في تصفيتها يرتقون إلى المرحلة الثانية، مرحلة اتهام الدولة بدعوى أنها ترعى العمل الإسلامي وتتبناه وتوجهه وهم يمهدون -الآن- لهذا بإشارات إرهابية إلى (علاقات وثيقة) وصلات لبعض مسؤولي الدعوة ببعض كبار مسؤولي الدولة وتلميحات صحفية لمطالبتهم بمتابعة البحث عن (خلفيات حكومية) للدعوة الإسلامية المتهمة معتمدين فــــــي أسلوبهم هذا على ما يعرفونه من جبن بعض المسؤولين، مستفيدين من تجارب اليسار العالمية في الابتزاز عن طريق الإرهاب.

ونرجو ألا تخضع الحكومة المغربية لهذا الضغط والتهديد، أو تقتنع (بضرورة) تقديم الدعوة الإسلامية ممثلة في مسؤولي جمعية الشبيبة الإسلامية كبش فداء لليساريين، مقابل أمل في تبرئة ساحتها من قبلهم لأنها بهذا التصرف لن تخرج -أيضا- عن طبيعة (التاجر الذي سلّم البضاعة ويفر الزبون بالثمن). ولأن اليسار له طموح لا يحد إلا بالاستئثار بالسلطة استئثارًا كاملاً، ولن يتوانى مهما قدم إليه من ضحايا وقرابين عن مواصلة استغلال الحادث واستثماره وهو يرجو -بعد هذا كله- أن يستفيد من تمزق صف الدعاة الإسلاميين، واضطراب نشاطهم في ظل القمع الذي سلّط عليهم بالمطاردة الظالمة والاعتقال المتعسف، والتعذيب الوحشي الدنيء.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)

صدق الله العظيم

الرابط المختصر :