; أبعاد الاتفاق العسكري بين الصين الشعبية وإسرائيل | مجلة المجتمع

العنوان أبعاد الاتفاق العسكري بين الصين الشعبية وإسرائيل

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981

مشاهدات 54

نشر في العدد 514

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 03-فبراير-1981

  • أنباء صحفية عن اتفاق عسكري - اقتصادي بين الصين و إسرائيل

  • بيغن أرسل مبعوثين لتوقيع الاتفاق في بكين.

  • إسرائيل تُزود الصين بأسلحة وطائرات ومدربين ومعدات إلكترونية وبصرية.

  • يهودي نمساوي يلعب دوراً في التقريب بين بكين وتل أبيب.

  • الصين تمنح إسرائيل حق الاستفادة من حقل التجارب النووي. 

  • بعد مُضِيّ ثلاثين عاماً على حكم الشيوعيين، الصين تُعلن الانفتاح على الغرب.

  • الصينيون يُصممون لأن يكونوا القوة الثالثة في العالم.

  • الاتفاق مؤشِّر خطر، فهل يصحو العرب والمسلمون من غفلتهم؟!

بفضل دعاية الاشتراكيين العرب للصين الشعبية إبان عهد ماوتسي تونغ؛ تَكَوَّن انطباع لدى المواطن العربي أن بيارق النصر على دولة اليهود ستُرفرف بفضل السلاح الصيني و وقوف الصين إلى جانب الحق العربي، و قد تأكَّدَت هذه الأحلام أو الآمال عندما قَدَّمَت الصين بعض التسهيلات لبعض المنظمات الفدائية الخاصة التي تُنادي بالفِكر الاشتراكي الثَّورِي. 

  • لقد طُبع في ذِهن المواطن العربي أن الصين لا يُمكن أن تتخلى عن نصرة الحق العربي «في فلسطين!» و إذا ما تَخَلَّت عن ذلك فإنها لن تزيد عن أن تقف على الحِياد. لكن أن تنقلب الاستراتيجية الصينية رأسا على عَقب، فتُقيم نوعًا من التعاون العسكري مع إسرائيل فذلك لم يكن ليخطر على بال أحد!

ولكن ليل العرب - في غيبة الإسلام - كثيرًا ما يتبعه صُبح يأتي بما لم يَروه في عالَم الرؤى والأحلام، فالذين أعطوا الولاء للإنكليز منذ بداية هذا القرن لم يجنوا إلا الشتات والفرقة وتفتيت دولة الخلافة، ولم يكافلوا إلا بإعلان فلسطين دولة قومية لليهود، والذين أعطوا الولاء للأمريكان لم يجنوا إلا مزيدًا من التوسُّع اليهودي وكثير منهم مات بتدبير الأمريكان، والذين عشقوا رجال الكرملين وأنصار السلام وحركات التَحَرُّر لم تنبت لهم الأرض زرعا ولن يبن لهم الروس مصنعًا بل كانوا أداة للظلم والقهر والتنكيل بالمسلمين!

بداية القصة:

واليوم يأتي البرهان من الصين, ففي شهر نوفمبر الماضي أوردت مجلة النيوزويك الأميركية خبرًا عزته إلى دوائر موثوقة في الشرق الأوسط مفاده «أن أسلحة إسرائيلية تُرسل إلى الصين بكثافة» و نقلت المجلة عن «إسرائيل» نيتها في مُضاعفة شحنات الأسلحة إلى بكين، و أضافت أن هذه الاتفاقية تُعتبر أكبر عقد للتصدير في تاريخ «إسرائيل»!

ولكن هذا الخبر لم يُثر اهتمام المسؤولين العرب ولا الصحافة العربية عمومًا، بسبب انشغال الصين بمُحاكمة عصابة الأربعة، وبسبب انشغال العرب في نتائج الانتخابات الأميركية، والتحضير لقمة عمان وكل التوترات والانقاسامات في الساحة العربية!

 وفي منتصف شهر ديسمبر الماضي ذكرت صحيفة القبس الكويتية نقلًا عن مُراسلها في واشنطن أن إسرائيل والصين قد وَقَّعْنَا على اتفاق عسكري و اقتصادي سري.

و قد تَضَمَّن هذا الاتفاق على:

 ۱ - أن تقوم إسرائيل بتزويد الصين بكميات ضخمة من المُعِدَّات الأميركية والرادارات وأجهزة الاتصال والمراقبة والكمبيوتر.

٢ - أن تقوم الصين بتزويد اسرائيل باحتياجاتها من الفحم.

و بعد يوم من نشر هذا الخبر قام المُلحق الصحفي لسفارة الصين الشعبية بزيارة مكاتب الصحيفة ليؤكد على الموقف الصيني الثابت المُؤَيِّد للعرب ولينفي الخبر من أساسه! لكن القبس عادت وأكَّدَت النبأ نقلًا عن مُراسلها في واشنطن، وذكرت أن مسؤولين يهود زاروا بكين سرًّا.

وعلى أية حال فالأخبار الصحفية أخذت تترى في تأكيد التعاون العسكري بين الصين و إسرائيل.

معاهدة عسكرية واقتصادية:

و مِن آخر هذه الأخبار ما نشرته صحيفة الرأي العام الكويتية في عددها الصادر يوم ۲۱/۱/ ۱۹۸۱ و الذي نورده بنصه لأهميته:

 «أكدت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى لـ «الرأي العام» أن الصين الشعبية و إسرائيل قد وَقَّعَتَا قبل خمسة أشهر اتفاقية ذات طابع عسكري، ووافقت بكين بموجبها على استيراد أجهزة ومُعدات إسرائيلية عسكرية وغير عسكرية بقيمة نحو ملياري دولار ابتداء من مطلع العام الحالي و أشارت المصادر الدبلوماسية إلى أنَّ المحادثات حول هذه القضايا بين المسؤولين الإسرائيليين والصينيين بدأت منذ زمن بعيد، وأنها وصلت إلى ذروتها في تموز الماضي، حيث قام في ١٢ منه وفد عسكري إسرائيلي يضم المدير العام في وزارة الدفاع جوزيف بايك ويعقوب ميان أحد المسؤولين الإسرائيليين الكبار في وزارة المالية بزيارة للصين حيث أجريا مفاوضات، ووَقَّعَا الاتفاقية المُشار إليها، وتشير هذه المصادر إلى أن المسؤولين مَنَحَا صلاحيات واسعة من قِبَل رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن لإنجاز هذه الاتفاقية، وتَنُص الاتفاقية التي تم توقيعها في ١٧ تموز الماضي على:

 أولًا: تزويد الجيش الصيني بأسلحة إسرائيلية تقليدية مع مدربين ابتداء من الربع الأول من عام ۱۹۸۱، وقد أظهر الصينيون اهتمامًا كبيرًا بطائرات «كفير» الإسرائيلية، التي تُعْتَبَر تطويرا لطائرة ميراج الفرنسية.

 ثانيًا: تزويد الجيش الصيني بمعدات إليكترونية وعدسات بصرية ومجهرية بقيمة ملياري دولار، على أن يبدأ العمل بهذه الاتفاقية مع مطلع العام الحالي.

 ثالثًا: تقوم إسرائيل ببعض الاستثمارات في مجال الزراعة الصينية وفي مجال استخراج النفط وتَبَادُل الخبراء والخبرات في هذا المجال.

رابعًا: -تنشيط العمل في المجال الذَرِي، ومَنْح إسرائيل حق الاستفادة من حقل التجارب النووي في «لوبنا» في مقاطعة «شنغاي»، وتم تشكيل لجنة في هذا المجال بدأت عملها في مطلع العام ١٩٨١.

وأضافت المصادر أن الجانب الصيني أكَّد تأييده للتقارب الإسرائيلي - المصري واتفاقية كامب ديفيد كأساس لحل مشكلة الشرق الأوسط، واستقرار الوضع فيه، ومن هذه الزاوية تهتم الصين بوجود إسرائيل كدولة مُستقرة، وتعتبر ذلك من مصلحتها، كما اتفق الجانبان على السرية التامة للمفاوضات، ويشار إلى أن المحادثات بدأت قبل زيارة نائب رئيس وزراء الصين الشعبية ورئيس اللجنة العسكرية في اللجنة المركزية للحزب «هيسنغ بياو» للولايات المتحدة الأميريكة، وذكرت هذه المصادر أن الإدارة الأميركية تعهدت باتخاذ موقف ضاغِط على السعودية، وذلك من أجل إقامة علاقة دبلوماسية مع الصين، و كذلك أبدت الاستعداد لتنشيط العلاقة بين الصين و إسرائيل.

وقالت المصادر أن اللقاءات الصينية - الإسرائيلية مباشرةً سبقتها بتاريخ 80/۷/12 سلسلة من اللقاءات غير الرسمية وغير المباشرة، وقد لعب النمساوي هوزنغ بيرغ دور الوسيط، وقد زار هذا الوسيط بكين في شهر ديسمبر ۱۹۷۹.

 ونحن وإن كنا لا نملك التأكيد على صحة هذه الأنباء أو نَفْيها، إلا أن التحليل السياسي يقودنا لترجيح هذه الأنباء، وهذا يقودنا إلى الإجابة عن السؤال الذي طرحناه ابتداء، وهو ما هي أبعاد الاتفاق العسكري بين الصين و إسرائيل؟

سياسة صينية جديدة:

بعد مُضِيّ أكثر من ثلاثين عامًا على استلام الحزب الشيوعي لزمام الحكم في الصين وفرض السِتار الحديدي على السياسة الخارجية والإعلامية الصينية، تَبَيَّن للصينيين فيما نقله بعض الزوار الغربيين خلال السنوات القليلة الماضية، أن بلادهم لا تزال مُغلقة صناعيًا واقتصاديًا بالقياس إلى الدول الغربية واليابان. وبسبب العداء التاريخي الذي أخذ طابعًا «إيدولوجيا» مع الاتحاد السوفياتي أخذ الساسة الصينيون يتطلعون للغرب لاكتساب الخبرة والتكنولوجيا تحت ستار مواجهة الاتحاد السوفياتي، ويمكن القول أن هذه السياسة بدأت تتبلور في أعقاب الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي نيكسون للصين عام ١٩٧٢ وما تبعها من زيارات رسمية أخرى تتوجت بإقامة علاقات دبلوماسية بين واشنطن وبكين في شهر ديسمبر ۱۹۷۸.  وكما تم التوَصُّل إلى بناء علاقات اقتصادية مع اليابان وبعض دِوَل أوروبا الغربية. 

لقد كان واضحًا أنَّ الصين التي تطمع بأن تكون القوة الثالثة في العالَم بعد الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة لم تكن قادرة على تحقيق هذا الهدف دون تسريع عملية التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و بناء القوة الذاتية عسكريًّا وعمليًّا.

 صحيح أن الصين استطاعت أن تتوصل إلى التفجير النووي والهيدروجين، إلا أنها ماتزال متخلفة في مجال الفضاء ووسائل النقل الحيوية ووسائل الاتصال الإلكتروني والسلاح، وانطلاقًا من هذه الرغبة مَضَت الصين قدمًا فيما سُمِّيَ في فترة من الفترات بالحلف الثنائي الأميركي -الصيني.

استراتيجية العلاقات الأميركية الصينية:

لقد وعدت الولايات المتحدة على لسان هارولد براون عام ۱۹۷۷ بتزويد الصين بالسلاح لمواجهة الاتحاد السوفياتي، ولكن بالرغم من زيارة براون للصين في مَطْلَع العام الماضي - أي في أعقاب الغزو الروسي لأفغانستان، إلا أن الولايات المتحدة لم تُزَوِّد الصين بالسلاح الهجومي أو حتى الدِفاعِي الثقيل، كما لم تُطلعها على أسرار الصناعات الأميركية المتقدمة؛ والسبب في ذلك يعود إلى أن أمريكا تخشى أن تصبح الصين قوة ثالثة في العالَم منافسة لها وللاتحاد السوفياتي. و من هنا فإن الأمريكيين أخذوا يتكلمون عن «الورقة الصينية» كما أخذ الصينيون يتكلمون عن «الورقة الأمريكية».

و بسبب طبيعة هذه العلاقة بين أمريكا والصين فقد حاولت الأخيرة الحصول على احتياجاتها من أوروبا، وفي هذا السبيل قام الرئيس الصيني هواكو فينغ بجولة أوروبية عام ۱۹۷۸ تبعتها زيارات رسمية أخرى قام بها مسؤولون صينيون شملت بريطانيا و فرنسا.

و يتوقع المُراقبون أن يتم التركيز مستقبلًا على تطوير العلاقات الصينية الأوروبية نظرُا لحاجة هذه الدول للصين كسوق كبير كما ذكر في تقرير بريطاني رفع للخارجية الأميركية عام ١٩٤٩، وحاجة الصين المُلحة للسلاح والتكنولوجيا.

وانطلاقا من هذه الاستراتيجية الصينية فليس عجيبًا ولا غريبًا أن تُقيم نوعًا من التعاون العسكري والاقتصادي مع إسرائيل أو مع غيرها من الدول القادرة على تلبية احتياجات الصين.

 أما اليهود فهم أكثر الناس سَبقًا في بناء علاقاتهم مع الدول الكبرى على أساس المصالح، فهم وَضعوا أيديهم في يد بريطانيا عندما كانت إمبراطورية إلى أنْ منحتهم «وطنا قوميًّا في فلسطين» وعندما بدأت شمس الإمبراطورية البريطانية تَغيب تحولوا إلى الولايات المتحدة.. وهم إذا رأوا أن الصين ستُصبح قوة ثالثة في العالَم فإنهم سيُسارعون لإقامة علاقات وثيقة معها لتحقيق مصلحتهم.

غفلة العرب: 

و إذا كان هنالك من درس تستفيده من أبناء الاتفاق الصيني الإسرائيلي فهو أن العرب بخاصة والمسلمين بعامة يعيشون في غفلة عجيبة، فلقد أصبح واضحًا أن التزام الدول الكبرى بمذاهبها و أيدولوجياتها واهيا و ضعيفًا، و أصبحت المصلحة الاقتصادية أو الاستراتيجية هي المُقَدَّمَة.

 و لقد أصبح واضحًا كذلك أن جميع المذاهب الفكرية البشرية الرأسمالية و الاشتراكية قد اصطدمت بعقبات قطرية كثيرة فأخذت تتراجع وتقتبس من بعضها و تقترب من وسطية الإسلام، و لكنها مع ذلك تُصر على عزتها واستقلالها ونفاذ كلمتها في العالَم، أما المسلمون بالرغم من أنهم يملكون المنهج الحق والإمكانيات البشرية والمادية الهائلة إلا أنهم لا يسعون لبناء قوتهم الذاتية المُستقلة في ضوء الحقائق السياسية الراهنة في العالم، بينما عدوهم الأول اليهود مُتنبه لذلك متيقظ.

 إن المعاهدة الصينية - الإسرائيلية خطيرة للغاية وذلك لأن التحالف الأمريكي الإسرائيلي أصبح حقيقة واضحة، كما أن الالتزام الأوروبي والاتحاد السوفياتي بوجود إسرائيل أمر معلوم، فإذا أضفنا إلى ذلك دعم صيني فمن العسير على بني يعرب- وهم على حالهم- أن يكونوا قادرين على تحرير الأقصى بالرغم من جميع نداءات الجهاد المُقدس فهل تكون أنباء الاتفاق الصيني - الإسرائيلي مناسبة لإعادة النظر في المناهج والسياسات العربية، ولتصاغ من جديد على أساس وحدة الأمة الإسلامية وكرامة رسالتها الإسلامية؟ إننا لمُنتظرون.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان